تعكس الموازنة العامة في سوريا مستوى الأداء الحكومي، وتشكل مؤشراً أساسياً على أولويات الدولة الاقتصادية والاجتماعية. ومع توالي الأزمات المتلاحقة، باتت الموازنة تكشف عن فجوة واسعة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيشي للأسر السورية. ويُضاف إلى ذلك تحديات متصاعدة تتمثل في تآكل القدرة الشرائية بسبب التضخم، وضعف الموارد العامة نتيجة تراجع الصادرات والإنتاج المحلي، وارتفاع فاتورة الدعم رغم تقليصه التدريجي، إضافةً إلى الحاجة الماسة لإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، وهو ما يتطلب مئات المليارات من الدولارات.
وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد يسر برنية، في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية “سانا”، خلال تفقده جناح وزارة المالية في “معرض دمشق الدولي” وإطلاق منصة إلكترونية خاصة بالموازنة، أن الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026 ستشكل “نقلة نوعية” في إدارة المال العام بما يخدم السياسة الاقتصادية السورية. لكن يبقى التساؤل مطروحاً: كيف يمكن صياغة موازنة تعيد التوازن وتضمن التنمية المستدامة في بلد أنهكته الأزمات؟
اقرأ أيضاً: المركزي السوري: العملة الجديدة لن تحمل صوراً لأشخاص – 963+
أرقام رسمية
أعلنت بيانات المجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي في سوريا أن موازنة عام 2025 بلغت نحو 52.6 ألف مليار ليرة سورية، بزيادة قدرها 48% عن عام 2024، حيث خُصص منها 37 ألف مليار للإنفاق الجاري، و15.6 ألف مليار للإنفاق الاستثماري. كما أشارت إلى تخفيض العجز إلى 21% مقابل 26% في العام السابق.
وشدّد وزير المالية على أن الموازنة لا تتضمن ضرائب جديدة، وأن الإنفاق الاستثماري ارتفع إلى 30%، في حين خُفّض الإنفاق الجاري إلى 70% بهدف دعم التنمية وتحفيز الإنتاج.
أما موازنة 2026، فهي تتضمن تركيزاً متزايداً على الإنفاق الاستثماري، مع إعطاء أولوية لقطاعي الصحة والتعليم، إضافة إلى تحسين مستوى الرواتب والأجور للعاملين في الدولة. كما تجري حالياً مناقشات مع الوزارات والجهات الحكومية للخروج بمشروع موازنة “مجدٍ وفعّال” يقلل من العجز المالي.
الإطار الرسمي يوضح أن الهدف هو إعادة توجيه هيكل الإنفاق نحو التنمية من خلال زيادة الإنفاق الاستثماري وخفض العجز. لكن الخبراء يشيرون إلى أن ذلك لا يرقى إلى تحسين المعيشة أو تعزيز الإنتاجية، إذ تتسم السياسة المالية بـ”زيادات ظاهرية” لا تقدم حلولاً مستدامة. وتظهر الموازنات الأخيرة، خاصة للأعوام 2024–2025، أنها محاولة رسمية لإبراز صورة مالية توسعية، لكنها في جوهرها أقرب إلى “وهم تضخمي” يفتقر إلى القدرة الحقيقية على تحفيز النمو أو تحسين الخدمات.
وللمقارنة، بلغت موازنة سوريا عام 2000 نحو 308 مليارات ليرة سورية، ما يعادل (24٬640٬000٫00 دولار أميركي) خُصص حوالي 70% منها للإنفاق الجاري. وفي عام 2010 ارتفعت إلى نحو 754 مليار ليرة. أما في عام 2024 فقد أقرت الحكومة موازنة بحوالي 35500 مليار ليرة سورية (أي ما يعادل نحو 5 مليارات دولار فقط بسعر الصرف الموازي)، وهو رقم يعكس تراجع القيمة الشرائية لليرة أكثر مما يعكس توسعاً في الاقتصاد.
الخبراء بين موازنتي 2023 و2024
تاريخياً، ظلت الموازنة السورية انعكاساً مباشراً للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فمن دعم الخبز والوقود في السبعينيات، إلى الإنفاق العسكري والإغاثي في العقد الأخير، بقيت الموازنة مرآةً لأولويات الدولة وتحدياتها.
لكن مع موازنة عام 2024، برزت مفارقة لافتة: إذ بلغت الزيادة 115% عن عام 2023، في وقت تراجعت فيه معيشة المواطنين.
ويعتبر الدكتور شفيق عربش، في جامعة دمشق، في تصريحات لـ”963+” أن هذه الزيادة “وهمية ومشوّهة”، وأنها مجرد انعكاس لتضخم الأسعار، لا لزيادة حقيقية في القوة الشرائية أو الاستثمارية. وأوضح أن الأرقام الفعلية تشير إلى انخفاض في مستوى الخدمات والمعيشة، لا إلى تحسّنها.
من جانبه، يؤكّد الدكتور حسن حزوري، في جامعة حلب، لـ”963+” أن “زيادة الموازنة بنسبة 115% عام 2024 مقارنة بالعام السابق غير حقيقية”، مشيراً إلى أن الموازنة المقدّرة بالدولار تقلّصت بحوالي 45% مقارنةً بحسابات 2023 المبنية على سعر الصرف الرسمي.
وبناءً على ذلك، يرى الخبراء أن العجز المتزايد مقارنةً بالنمو الاقتصادي الحقيقي يعكس سياسة مالية قائمة على التوسع في الإنفاق دون إنتاجية فعلية.
اقرأ أيضاً: الاستثمارات في سوريا: بين الوعود الاقتصادية والمخاطر السياسية – 963+
بين أرقام التاريخ وتحديات الحاضر
يتحدث الأستاذ جمعة العثمان، المدير السابق في وزارة المالية، لـ”963+” عن تاريخ نشأة الموازنة العامة للحكومة السورية وكيفية توزيعها، قائلاً: منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة عام 1946، شكّلت الموازنة العامة أداةً رئيسية لتوزيع الموارد على القطاعات المختلفة، ومرآةً تعكس توجهات الحكومات المتعاقبة. فهي ليست مجرد أرقام مالية، بل سياسة اقتصادية تجسّد أولويات الدولة في التعليم والصحة والدفاع والخدمات والإنتاج.
وُضعت أول موازنة عامة بعد الاستقلال عام 1947 بأرقام متواضعة اعتمدت أساساً على الضرائب والرسوم الجمركية. في الخمسينيات، ومع قيام الوحدة السورية–المصرية (1958–1961)، اتخذت الموازنة طابعاً مركزياً وارتفعت نسب الإنفاق على البنية التحتية والتأميم. في السبعينيات والثمانينيات، ارتفعت حصة القطاع الدفاعي والاستثمار في الصناعات الثقيلة، إلى جانب مشاريع كبرى مثل سد الفرات. في التسعينيات، مالت الدولة إلى سياسات “الانفتاح الاقتصادي المحدود”، وزاد الإنفاق على الدعم التمويني (المحروقات، الخبز، السكر…). منذ عام 2011 وحتى 2024، تحولت الموازنة لمواجهة تحديات ضخمة: تقلص الموارد، ارتفاع النفقات العسكرية، وزيادة مخصصات الإغاثة والخدمات الطارئة.
أما من حيث التوزيع، فيوضح العثمان أن الموازنة تنقسم عادةً إلى عدة محاور. أولاً، الإنفاق الجاري (التشغيلي) الذي يشمل الرواتب والأجور ونفقات الدعم (المحروقات والمواد الأساسية)، إضافة إلى الصحة والتعليم والخدمات الإدارية. ثانياً، الإنفاق الاستثماري (الرأسمالي) الموجّه إلى مشاريع البنية التحتية، ودعم الصناعات الوطنية والمشاريع الزراعية والتنموية. ثالثاً، الدفاع والأمن الذي يستحوذ عادةً على النسبة الأكبر منذ عقود، خاصة في فترات الأزمات. وأخيراً، الخدمات الاجتماعية وتشمل الصحة والتعليم والجامعات والإسكان.










