مع انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب السوري الجديد، تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة تُعد من أبرز محطات المرحلة الانتقالية، في ظل مساعٍ لإعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات من الصراع. ويأتي تشكيل المجلس، المؤلف من 210 أعضاء، في إطار الإعلان الدستوري الذي منح السلطة التشريعية دوراً في سن القوانين ومواكبة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى إعداد البيئة القانونية اللازمة للدستور الدائم والانتخابات العامة المقبلة.
إلا أن هذه الخطوة فتحت، في الوقت ذاته، نقاشاً واسعاً حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تحكم البرلمان والحكومة، وحدود استقلال السلطة التشريعية، ومدى قدرتها على ممارسة دورها الرقابي بعيداً عن تأثير السلطة التنفيذية. كما برزت تساؤلات بشأن ما إذا كان المجلس سيتمكن من ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، أم أن صلاحياته وآلية تشكيله ستحد من فاعليته خلال المرحلة الحالية.
وفي ظل التحديات التي تواجه سوريا، من إعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، وتحفيز الاقتصاد، واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، يكتسب أداء البرلمان أهمية استثنائية، باعتباره أحد أبرز مؤشرات نجاح عملية الانتقال السياسي، وقدرته على تحقيق التوازن بين دعم الحكومة في تنفيذ أولوياتها الوطنية، ومحاسبتها عند التقصير، بما يسهم في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، ويؤسس لحياة سياسية أكثر استقراراً وتشاركية خلال السنوات المقبلة.
استقلال البرلمان أساس الرقابة والتوازن بين السلطات
يرى الدكتور إياس الخطيب، الخبير في العلاقات الدولية والمقيم في دمشق، في حديثه لـ”963+”، أن العلاقة بين البرلمان والحكومة تُعد من أهم ركائز الحياة السياسية في أي دولة، مؤكداً أنه لا يمكن الحديث عن نظام ديمقراطي حقيقي من دون وجود توازن واضح بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويشير إلى أن هذه العلاقة يجب أن تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، مع وجود تعاون وتكامل في أداء المهام، بما يضمن عدم طغيان سلطة على أخرى.
ويؤكد الخطيب أن من الضروري أن يتمتع البرلمان باستقلالية حقيقية، سواء في ممارسة دوره التشريعي أو في أداء مهامه الرقابية، موضحاً أن فقدان هذه الاستقلالية يفقد البرلمان أحد أهم أسباب وجوده، ويحول دوره إلى مجرد جهة تصادق على قرارات الحكومة بدلاً من مراقبتها ومحاسبتها.
ويضيف أن البرلمان يمارس صلاحياته من خلال سن القوانين التي تنظم شؤون الدولة، إلى جانب مراقبة أداء الحكومة ومتابعة تنفيذها للسياسات العامة، بما يضمن احترام الدستور وتحقيق المصلحة العامة، ويلفت إلى أن البرلمان يمتلك مجموعة من الأدوات الرقابية، من بينها توجيه الأسئلة البرلمانية، وطلبات الاستجواب، وتشكيل لجان التحقيق، ومناقشة أداء الوزراء، وصولاً إلى مساءلة الحكومة عند وجود تقصير أو مخالفات.
ويتابع أن الرقابة البرلمانية لا تقتصر على كشف الأخطاء فحسب، وإنما تهدف أيضاً إلى تصويب الأداء الحكومي، وتعزيز الشفافية، وضمان حسن إدارة المال العام، ومنع إساءة استخدام السلطة.
ويعتبر الخطيب أن فعالية البرلمان تزداد عندما يمتلك أغلبية برلمانية مستقلة وقادرة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الضغوط السياسية أو الحكومية، موضحاً أن استقلالية البرلمان لا تعني معاداة الحكومة، وإنما تعني ممارسة الرقابة عليها بصورة مباشرة وموضوعية، بما يحقق التوازن بين السلطات.
كما يشير إلى أن وجود كتل برلمانية متعددة يسهم في إثراء النقاشات تحت قبة البرلمان، ويمنع احتكار القرار أو فرض رأي واحد، لأن البرلمان لا ينبغي أن يعمل بعقلية واحدة أو بصورة روتينية، بل يجب أن يكون ساحة للنقاش الحر، وتبادل الآراء، والوصول إلى أفضل الحلول.
ويبين أن أهم أدوات الرقابة البرلمانية تتمثل في مساءلة الحكومة عن قراراتها وأعمالها، ومتابعة تنفيذ البرامج والسياسات العامة، إضافة إلى مراقبة الإنفاق العام، ومحاسبة المسؤولين عند وجود تجاوزات، ويضيف أن هذه الأدوات قد تصل إلى استجواب الوزراء أو طرح الثقة بأحدهم إذا ثبت وجود إخفاقات كبيرة أو تقصير واضح في أداء مهامه.
ويخلص الخطيب إلى أن نجاح التجربة البرلمانية يرتبط بقدرة البرلمان على ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية باستقلالية ومسؤولية، بعيداً عن التبعية للحكومة، وبما يعزز دولة المؤسسات وسيادة القانون.
نجاح البرلمان يقاس بقدرته على المحاسبة
من جهته يقول صدر الدين الياثي الخبير في الشؤون الدستورية والسياسية لـ”963+”: إن العلاقة بين البرلمان والحكومة في الحالة السورية تكتسب أهمية مضاعفة خلال المرحلة الانتقالية، إذ إن بناء الثقة بالمؤسسات لا يتحقق بمجرد تشكيل مجلس الشعب، وإنما عندما يشعر المواطن بأن المجلس يمثل إرادته، ويمارس رقابة حقيقية على أداء السلطة التنفيذية، ويضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات سياسية أو شخصية.
ويضيف الياثي أن أول اختبار لنجاح أي مجلس تشريعي يعدّ مرتبطاً بقدرته على إثبات استقلاليته، وليس بعدد القوانين التي يصدرها، فالدولة القوية ليست تلك التي تتوافق فيها السلطات على الدوام، وإنما التي تمتلك مؤسسات قادرة على التعاون لتحقيق الصالح العام، وممارسة الرقابة المتبادلة لمنع الأخطاء، وتفعيل المحاسبة عند التقصير. ووفق هذه المعادلة، يتحول البرلمان من مؤسسة شكلية إلى ركيزة أساسية لدولة القانون والمؤسسات.
وفي هذا السياق يشير إلى أنه لا يُنظر إلى البرلمان القوي باعتباره المؤسسة التي تهدد الحكومة باستمرار، لأن ذلك قد يقود إلى حالة من عدم الاستقرار، كما أنه ليس البرلمان الذي يمنح السلطة التنفيذية غطاءً دائماً دون مساءلة، لأن ذلك يضعف مبدأ الفصل بين السلطات. فالبرلمان الفاعل هو الذي يوازن بين دعم الحكومة عندما تحقق المصلحة العامة، ومحاسبتها عند الخطأ، وإلزامها بتصحيح سياساتها قبل تفاقم المشكلات.
ويوضح: “بالنسبة إلى سوريا، قد يكون نجاح مجلس الشعب خلال السنوات الأولى من المرحلة الانتقالية مرتبطاً بقدرته على تحسين أداء الحكومة، وتعزيز الشفافية، وترسيخ سيادة القانون، أكثر من اللجوء إلى إجراءات استثنائية مثل حجب الثقة”.
ويتابع: “إذا أصبحت المساءلة البرلمانية ممارسة مؤسسية منتظمة وفعالة، فإن ذلك سيشكل مؤشراً أكثر دلالة على نضج النظام السياسي من مجرد امتلاك صلاحية إسقاط الحكومة، لأن الهدف الأساسي من الرقابة يتمثل في تحسين الحكم وخدمة المواطنين قبل أن يكون تغيير الحكومات غاية بحد ذاته”.
ويعتبر الياثي أن معيار نجاح البرلمان السوري لا يقاس بحجم الأغلبية المؤيدة للحكومة، وإنما بمدى قدرته على التمييز بين دعم الدولة ودعم الحكومة. فدعم الدولة يعني حماية المؤسسات، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ سيادة القانون، بينما ينبغي أن يبقى دعم الحكومة مشروطاً بحسن الأداء والالتزام بالقانون.
وفي هذا الإطار، فإن البرلمان الذي يمارس رقابة فعالة لا يضعف الحكومة، بل يساعدها على تصحيح أخطائها، ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات، وهو ما يمثل أحد أهم أسس بناء دولة القانون والمؤسسات، وفقاً لرأيه.
وينوّه إلى أنه في المرحلة الانتقالية يبرز تحدٍ رئيس يتمثل في تحويل الرقابة البرلمانية من إجراء شكلي إلى ممارسة مؤسسية حقيقية، إذ إن النجاح لا يقاس بعدد الأسئلة أو الاستجوابات، بل بقدرة البرلمان على إحداث أثر ملموس في تحسين أداء الحكومة، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وتصحيح السياسات العامة.
كما أن البرلمان الذي يستخدم أدواته الرقابية بموضوعية ومسؤولية لا يعرقل عمل الحكومة، وإنما يسهم في مساعدتها على تجنب الأخطاء، ويعزز ثقة المواطنين بالدولة، بما يشكل أحد أهم مقومات بناء دولة المؤسسات والقانون في سوريا.
ويرى أن هذا التوازن يكتسب أهمية خاصة خلال المرحلة الانتقالية، التي تتطلب حكومة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة في ملفات إعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، وتحفيز الاقتصاد، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى مؤسسات تشريعية تضمن ألا تتحول سرعة اتخاذ القرار إلى تركيز مفرط للسلطة.
وبناءً على ذلك، يقول صدر الدين الياثي: إن نجاح مجلس الشعب لن يقاس بمدى قربه من الحكومة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على أن يكون شريكاً في بناء الدولة، ورقيباً على أداء السلطة التنفيذية في آنٍ واحد. فالبرلمان الذي يدعم السياسات الناجحة، ويطالب بتصحيح السياسات غير الفعالة، ويحافظ على استقلالية قراره، يسهم في ترسيخ الاستقرار السياسي أكثر من برلمان يكتفي بالتأييد أو يعتمد على المواجهة الدائمة.
ويختتم حديثه بأن الدولة الحديثة لا تقوم على هيمنة سلطة على أخرى، وإنما على توازن دستوري يجعل التعاون بين السلطات هو القاعدة، والمساءلة هي الضمانة، وسيادة القانون هي المرجعية العليا للجميع.










