مازن الشاهين
بعد أكثر من عقد من الحرب التي دمّرت الاقتصاد والبنية التحتية، تعود سوريا إلى صدارة العناوين مجدداً، ولكن هذه المرة من بوابة الاستثمار. فخلال الأشهر الماضية، شهدت دمشق سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع دول عربية وأجنبية، في خطوة وُصفت بأنها بداية عملية “إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي”.
وتحمل هذه الاستثمارات وعوداً كبيرة بانتعاش اقتصادي طال انتظاره، لكنها في الوقت نفسه محفوفة بتحديات سياسية وأمنية واقتصادية قد تجعل الطريق شائكاً. وهنا يطرح سؤال جوهري: هل هذه المشاريع مجرد “شراء نفوذ”؟ أم يمكن أن تمثل بداية حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية؟ أم أنها مجرد “عناوين سياسية” في لحظة إقليمية حساسة؟
السياسة من بوابة الاقتصاد
المشهد يبدو متناقضاً؛ فالأرقام المتداولة في وسائل الإعلام تكشف عن اقتصاد منهك بانكماش تجاوز 60% منذ 2011. الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في 2024 قُدّر بحوالي 21 مليار دولار فقط، أي أقل من نصف ما كان عليه عام 2010 (نحو 60 مليار دولار).
نسبة البطالة تتجاوز 45%، فيما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. وتفاقمت أزمة الجوع بسبب الجفاف وتدهور القطاع الزراعي، حيث يعاني أكثر من 14.5 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي. أما خسائر البنية التحتية منذ 2011 فقد تجاوزت 400 مليار دولار، وفق تقديرات الأمم المتحدة.
مقارنة بهذه الأرقام، تبدو الاستثمارات المعلنة (25 مليار دولار) كبيرة على الورق، لكنها لا تغطي سوى 6% تقريباً من إجمالي الخسائر. ومع ذلك، إذا نُفِّذت بجدية فقد تشكّل نقطة تحول في بعض القطاعات الأساسية مثل الطاقة والكهرباء. ويبقى السؤال: هل استثمارات الخليج تمثل “طوق نجاة” يعيد سوريا إلى خارطة الاقتصاد والاستقرار؟ أم أنها مجرد جزء من لعبة النفوذ الإقليمي والدولي؟ نجاحها قد يفتح الباب أمام انخراط أوسع لدول عربية ودولية، أما فشلها فسيجعلها مجرد أوراق سياسية في لعبة المصالح.
اقرأ أيضاً: مصرف سوريا المركزي يوضح أسباب طباعة عملة جديدة – 963+
ملامح الاستثمارات الأخيرة في سوريا
خلال فترة قصيرة، اقتحمت الاستثمارات الخليجية والدولية المشهد السوري في محاولة لإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد بعد سنوات الحرب وتراجع دور الدولة. فمنذ سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024 ورفع العقوبات الغربية، وُقعت مذكرات تفاهم واتفاقات استثمارية ضخمة، ما يشير إلى بداية انفتاح إقليمي ودولي جديد.
وتحدث مسؤولون عن توقعات بأن تتجاوز الاستثمارات 80 مليار دولار، لتصل إلى 100 مليار مع نهاية العام. غير أن البنك الدولي قدّر أن سوريا تحتاج إلى نحو 400 مليار دولار لإعادة الإعمار خلال عقدين، ما يعني أن ما جرى الإعلان عنه لا يزال في بداياته. ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه المشاريع انطلاقة فعلية نحو التعافي الاقتصادي، أم أنها مجرد وعود قد تتعثر في مواجهة واقع معقد؟
رسائل انفتاح وعلاقات جديدة
توقيع الاتفاقيات بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، يعكس دعماً دولياً وإشارة إلى إعادة دمج دمشق في الاقتصاد العالمي. وكانت السعودية هي العرّاب الأساسي لهذه العملية، بعدما استقبلت الحكومة السورية الجديدة، وفتحت باباً واسعاً للاستثمارات والدعم السياسي. أما قطر والإمارات فتلعبان دوراً محورياً في قطاعات الطاقة والموانئ والإسكان، في إطار تحوّل استراتيجي يرمي إلى جعل سوريا “محوراً استثمارياً إقليمياً”.
خريطة الاستثمارات الجديدة
في قطاع الطاقة والكهرباء، تم الإعلان عن مشروع قطري لإعادة تأهيل محطات توليد الكهرباء بقيمة سبعة مليارات دولار، يشمل محطتي تشرين ومحردة، إضافة إلى إنشاء محطات للطاقة الشمسية والريحية بقدرة إنتاجية تصل إلى 1500 ميغاواط. وفي حمص، أعلنت شركة إماراتية عن استثمار قدره 2.5 مليار دولار في مشروع غاز يهدف إلى إنتاج تسعة ملايين متر مكعب يومياً، وهو ما قد يغطي 40% من احتياجات سوريا المحلية. كما جرى توقيع اتفاق سعودي–سوري لتحديث شبكة الكهرباء في الساحل السوري بقيمة 1.2 مليار دولار.
أما في مجال النقل والبنى التحتية، فقد تم توقيع عقد مع شركة سعودية لإعادة تأهيل مطار دمشق الدولي وتوسيعه ليستوعب خمسة عشر مليون مسافر سنوياً بكلفة ثلاثة مليارات دولار. وهناك خطة لمدّ خط سكة حديد يربط طرطوس بالحدود العراقية بتمويل إماراتي–عراقي بكلفة 2.8 مليار دولار، إضافة إلى مشروع سعودي–إماراتي لتأهيل مرفأ طرطوس وتوسيعه ليصبح محطة إقليمية للتجارة بكلفة أربعة مليارات دولار.
اقرأ أيضاً: الليرة الجديدة بين الإصلاح والرمزية: حذف الصفرين وخبراء يحذرون من التضخم – 963+
في القطاع السياحي والعقاري، أعلنت الإمارات عن استثمار خمسة مليارات دولار في مشروع ضخم بدمشق يعرف بـ”دمشق غاردنز”، يضم فنادق فاخرة ومجمعات تجارية وسكنية. كما دشّنت السعودية مشاريع لإنشاء منتجعات ساحلية في اللاذقية وطرطوس بقيمة 1.5 مليار دولار، إلى جانب مبادرات لإعادة ترميم عشرات الفنادق المتضررة في حلب ودمشق بتمويل خليجي مشترك.
أما في قطاع الزراعة والصناعات الغذائية، فقد أعلنت قطر عن تمويل مشروع لزراعة القمح في الجزيرة السورية بمساحة 200 ألف هكتار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 800 ألف طن سنوياً، وبكلفة نصف مليار دولار. كما أبدت شركات سعودية اهتمامها بالاستثمار في مشاريع الدواجن والألبان في ريف دمشق وحمص.
وفي مجال الاتصالات والتكنولوجيا، تجري دراسة يمنيّة–إماراتية لإطلاق شركة اتصالات جديدة تنافس “سيرياتيل” و”MTN” بكلفة متوقعة 1.1 مليار دولار، إلى جانب مشاريع لتوسيع خدمة الإنترنت عبر الألياف الضوئية بدعم تقني صيني.
التحديات أمام الاستثمارات
رغم الزخم السياسي والإعلامي، تواجه هذه المشاريع مخاطر كبيرة. فمن الناحية السياسية والأمنية، ما زالت سوريا تعاني من استمرار التوترات وتعدد القوى المسيطرة وغياب تسوية شاملة. ومن الناحية الاقتصادية، يثقل كاهل البلاد انهيار الليرة السورية والتضخم الحاد والفساد ونقص السيولة. وعلى الصعيد الاجتماعي، ما تزال أزمة الجوع والتهميش الإقليمي قائمة، في ظل تركّز الاستثمارات في دمشق والساحل، مقابل إهمال المحافظات الشرقية التي تعاني من نسب عالية من الفقر.
كذلك تشكّل البيئة القانونية عائقاً أمام المستثمرين في ظل غياب قوانين مستقرة وشفافة، بينما يبقى الفساد عاملاً مهدداً بتحويل مليارات الدولارات بعيداً عن التنمية الحقيقية، حيث تحتل سوريا مراكز متأخرة جداً في مؤشرات الشفافية الدولية. هذا بالإضافة إلى البنية التحتية المدمرة التي تتطلب استثمارات مضاعفة لتأهيل الكهرباء والمستشفيات والمدارس والمصانع، فضلاً عن تعدد مراكز النفوذ الدولي وتناقض المصالح بين روسيا وتركيا وإيران والغرب.
ولا يمكن تجاهل تأثير تقلبات سعر الصرف ومخاطر الديون التي قد تعيد إنتاج أزمات اقتصادية جديدة إذا لم تتم إدارتها بحذر.
فرص النجاح ومتطلبات الحكومة
نجاح هذه الاستثمارات مرهون بقدرة الحكومة السورية الجديدة على التعامل مع هذه المخاطر. ويتطلب ذلك توفير الأمن والاستقرار، وإعادة بناء البنية التحتية الأساسية وخاصة الكهرباء والطرقات، ومحاربة الفساد والبيروقراطية التي تهدر أموال المستثمرين، إضافة إلى توزيع المشاريع بعدالة بين المحافظات، وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأجل مع الدول الداعمة.
الخلاصة
الاستثمارات الأخيرة تمثل بارقة أمل لبلد أنهكته الحرب، ومؤشراً على تحولات إقليمية عميقة تعيد دمشق إلى المشهد السياسي بعد عزلة طويلة. غير أن الطريق لا يزال وعراً؛ فالتحديات كثيرة والعقبات كبيرة. ويبقى السؤال: هل ستتحول هذه العقود إلى مشاريع ملموسة في حياة السوريين؟ أم ستظل حبراً على ورق كما حدث مع وعود سابقة؟
المراقبون يرون أن نجاح التجربة مرهون بتوازن دقيق بين السياسة والاقتصاد، وبقدرة الحكومة على خلق بيئة استثمارية جاذبة. وفي جميع الأحوال، تبقى سوريا على مفترق طرق تاريخي: فإما أن تدخل مرحلة جديدة من الانتعاش، أو أن تبقى رهينة الصراعات الإقليمية والدولية.










