مع بدء أول دورة تشريعية بعد سقوط نظام بشار الأسد، يدخل مجلس الشعب السوري مرحلة اختبار استثنائية، باعتباره إحدى أبرز المؤسسات التي يُنظر إليها كجزء من عملية الانتقال السياسي وبناء شرعية جديدة في البلاد، وليس مجرد مؤسسة تشريعية تعمل ضمن نظام مستقر.
الجلسة الافتتاحية للمجلس، التي عُقدت في دمشق بحضور الرئيس أحمد الشرع ورئيس اللجنة العليا للانتخابات، حظيت بتغطية إعلامية واسعة، وقدمت رسمياً باعتبارها محطة مفصلية في مسار “سوريا الجديدة”، مع تأكيدات على الانتقال من مرحلة حكم تقوم على الغلبة الأمنية إلى مرحلة المؤسسات وسيادة القانون والحوار.
لكن هذه الانطلاقة تضع المجلس أمام أسئلة عديدة حول قدرته على تجاوز إرث المرحلة السابقة، والتحول من مؤسسة تحمل رمزية سياسية إلى جهة تمتلك دوراً تشريعياً ورقابياً فعلياً.
مجلس تأسيسي في مرحلة انتقالية
يأتي المجلس الحالي في سياق مختلف عن المجالس البرلمانية التقليدية، فهو أول مجلس يُنتخب بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويُقدَّم باعتباره جزءاً من مرحلة انتقالية تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وتأسيس نظام سياسي جديد.
ومن أبرز المهام المعلنة أمام المجلس تشكيل لجنة لصياغة مسودة دستور جديد، ومناقشة قوانين المرحلة الانتقالية، إضافة إلى إقرار تشريعات مرتبطة بإعادة الإعمار، والعدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية.
ويرى الناشط والمحلل السياسي محمد حذيفة أن خصوصية الحالة السورية تجعل تجربة بناء المؤسسات مختلفة عن تجارب الدول الأخرى الخارجة من الحروب، موضحاً أن الحرب في سوريا كانت مواجهة داخلية بين طرفين مدعومين من قوى خارجية، وهو ما انعكس على طبيعة المرحلة الانتقالية وتحدياتها.
ويقول حذيفة في تصريحات لـ”963+” إن تحول المجلس الحالي إلى مؤسسة فاعلة ذات دور تشريعي ورقابي يتطلب أن يستمد شرعيته بشكل مباشر من الشعب وأبناء المناطق، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية حساسة، وأن المجلس لا يعكس حتى الآن قبولاً شعبياً كاملاً.
ويضيف أن الحكم على أداء المجلس يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كونه جزءاً من عملية انتقالية وتأسيسية، وليس برلماناً اعتيادياً في دولة مستقرة.
تركيبة جديدة وأسئلة حول التمثيل والاستقلالية
تشكل المجلس الحالي من خلال انتخابات عامة شملت غالبية الأعضاء، قبل استكمال تركيبته عبر نسبة من الأعضاء المعيّنين من قبل الرئيس أحمد الشرع، فيما عُرف بصيغة “الثلث الرئاسي”، وهو ما فتح نقاشاً حول مدى تمثيل المجلس لمختلف شرائح المجتمع السوري بعد سنوات الحرب والانقسام.
ويضم المجلس أكثر من 200 نائب، بينهم شخصيات سياسية ومستقلة وتكنوقراط وقانونيون، إضافة إلى حضور قوى كانت معارضة سابقاً، مع وجود تنوع فكري وطبقي وحضور نسائي لافت.
ويرى المحلل السياسي وخبير الشؤون العربية طلعت طه أن المشهد داخل المجلس لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوضوح، موضحاً أن تقييم تركيبته وأدائه في المرحلة الحالية يتم من مسافة، في ظل عدم اكتمال الصورة النهائية حول طبيعة مكوناته.
ويشير طه في تصريحات لـ”963+” إلى أن المجلس يشهد تنوعاً على المستويات الطبقية والفكرية والإيديولوجية، إضافة إلى حضور المرأة بشكل أكبر مما كان متوقعاً، معتبراً أن ذلك يمثل مؤشراً مهماً، لكنه يلفت إلى أن تمثيل بعض المناطق لا يزال غير مكتمل، مشيراً إلى غياب محافظة السويداء عن المشاركة حتى الآن، فقد تم تعيين شخصيتين ممثلتين لمحافظة السويداء ضمن قائمة الأعضاء المعيَّنين بمرسوم رئاسي، هما الشيخ ليث البلعوس والدكتور صبح عقلة البداح، وهذه التعيينات جاءت في إطار ما يُسمّى بـ”الثُلث المكمّل” الذي يضم 70 عضواً يعيّنهم الرئيس لاستكمال عدد أعضاء المجلس، في المحافظات التي تعذر فيها إجراء انتخابات أو لم تُستكمل فيها العملية الانتخابية.
من جانبه، يقول حذيفة إن اختلاف خلفيات الأعضاء وتوجهاتهم ظهر منذ الجلسة الأولى، معتبراً أن المجلس لن يكون شكلياً، وأن أعضاءه لن يقبلوا بتكرار تجربة مجلس الشعب السابق الذي كان يفتقد، بحسب وصفه، إلى الدور الحقيقي.
ويشير حذيفة إلى أن تعيين رئيس الجمهورية لثلث أعضاء المجلس ساهم في تعزيز التنوع وإدخال طيف أوسع من الشخصيات، بما قد يعزز صورة استقلاليته، لكنه أكد أن ذلك يبقى مرتبطاً بقدرة الأعضاء أنفسهم على ممارسة استقلالية فعلية تنطلق من قناعاتهم وشخصياتهم.
بين الخطاب السياسي والاختبار العملي
ركز الرئيس أحمد الشرع في كلمته الافتتاحية على مفاهيم الحوار وسيادة القانون وبناء دولة المواطنة، داعياً إلى الانتقال من منطق القوة الأمنية إلى منطق المؤسسات والقانون.
وشهدت الجلسة الأولى أداء القسم الجماعي للأعضاء وانتخاب المكتب الرئاسي للمجلس، بما يشمل رئيس المجلس ونوابه وأمناء السر، في مشهد قُدم باعتباره بداية لانتظام الحياة الدستورية بعد سقوط النظام السابق.
وانتُخب عبد الحميد عكيل العواك رئيساً للمجلس بعد حصوله على 99 صوتاً من أصل 206، في خطوة عُدّت محاولة لإبراز الطابع القانوني والمهني للمؤسسة الجديدة، بالنظر إلى خلفيته القانونية.
لكن الخطاب السياسي المعلن يظل أمام اختبار الترجمة العملية، إذ يرى طه أن المجلس لا يزال مطالباً بإثبات قدرته على تمثيل الإرادة الشعبية، وسط مخاوف من استمرار بعض الأنماط السابقة عبر اختيارات أو توافقات مسبقة، في وقت تبقى فيه مساحة الحرية السياسية تحت المراقبة.
ويضيف طه أن المرحلة الحالية تحتاج إلى مجلس شعب فاعل قادر على التعبير عن تطلعات السوريين وتحقيق مطالبهم، مؤكداً أن التحدي الأساسي يكمن في قدرة الأعضاء على ممارسة دورهم بحرية بعيداً عن الضغوط.
مهام ثقيلة وملفات حساسة
ينتظر المجلس الجديد ملفات واسعة ومعقدة، تبدأ من صياغة الأسس الدستورية الجديدة، ولا تنتهي عند القوانين المرتبطة بإعادة بناء الدولة.
ومن بين أبرز الملفات المطروحة، العدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، وإصلاح القضاء، وتنظيم وضع الفصائل المسلحة ضمن إطار قانوني وطني، إضافة إلى قضايا إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والتعويضات.
وفي هذا السياق، يشير طه إلى أن ملف اللاجئين والمغتربين السوريين ما زال يثير تساؤلات، خصوصاً فيما يتعلق بضمانات عودتهم، ومعالجة قضاياهم وحقوقهم بعد العودة، مؤكداً أن الصورة حول هذا الملف لا تزال غير واضحة.
بدوره، يؤكد حذيفة أن المجلس يواجه ملفات ملحة تحتاج إلى نقاش واسع وسريع، إلى جانب ضرورة إقرار عدد من القوانين، موضحاً أن ترتيب الهيكل الداخلي للمجلس، واختيار أعضاء اللجان الفرعية، وآليات عملها، قد يؤثر على سرعة اتخاذ القرارات.
ويشدد حذيفة على أن متابعة أداء الحكومة ومحاسبتها تمثل إحدى المهام الأساسية للمجلس، باعتباره جهة رقابية يفترض أن تقوم بدورها في بناء مؤسسات الدولة.
بين مجلس اليوم ومجلس عهد الأسد
يُقدَّم المجلس الحالي باعتباره مختلفاً عن مجلس الشعب في عهد الأسد، حيث كان المجلس السابق مرتبطاً بشكل كبير بهيمنة حزب البعث والأجهزة الأمنية، وكانت الانتخابات تجري ضمن قوائم شبه مغلقة، فيما اقتصر دوره عملياً على تمرير توجهات السلطة التنفيذية دون امتلاك أدوات رقابية حقيقية.
أما المجلس الجديد، فيُطرح باعتباره مؤسسة ناتجة عن انتخابات أوسع تضم شخصيات مستقلة وتيارات مختلفة، مع منحه دوراً محورياً في صياغة مستقبل النظام السياسي عبر المشاركة في إعداد دستور جديد.
لكن استمرار صيغة تعيين جزء من الأعضاء من قبل الرئاسة يبقي التساؤلات قائمة حول مستوى الاستقلال الفعلي، ومدى قدرة المجلس على اتخاذ قرارات مستقلة في القضايا الحساسة.
ويؤكد حذيفة أن قواعد الحكم تقوم على استقلالية الهيئات والمجالس بما يخدم الدولة والمواطنين، وليس على تبعية المؤسسات أو فرض رؤى تتماشى مع جهة سياسية أو سلطة عليا.
الأداء تحت المجهر
في مرحلته الأولى، يركز المجلس على استكمال البناء المؤسسي الداخلي، من انتخاب قيادته إلى تشكيل اللجان التنظيمية والتشريعية، قبل الدخول في الملفات الكبرى المتعلقة بالمحاسبة والعدالة الانتقالية.
ويرى مراقبون أن هذه الأولوية تعكس محاولة لترسيخ عمل المؤسسة قبل مواجهة الملفات الأكثر حساسية، إلا أن استمرار الخطاب حول سيادة القانون والحوار سيبقى بحاجة إلى خطوات عملية تظهر من خلال طبيعة النقاشات تحت القبة، والقوانين التي سيتم إقرارها، ومدى ممارسة المجلس لدوره الرقابي.
ويشير طه إلى أن حالة القلق لدى بعض النواب قد تكون مرتبطة بكون الحكومة الحالية انتقالية وقابلة للتغيير، ما قد يخلق تخوفاً من فقدان مواقعهم أو من تبعات اتخاذ مواقف مخالفة.
ويختم طه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ترسيخ مفهوم العمل البرلماني الحر، بحيث تكون الأولوية لما يريده الشعب السوري ومصالحه، وليس لما تريده السلطة أو الحكومة.
أما حذيفة فيؤكد أن المرحلة الحالية يجب أن تكون مرحلة تأسيس وبناء، مشيراً إلى أن أداء المجلس سيكون محل متابعة دقيقة من الداخل والخارج، وأن نجاحه سيعتمد على قدرته على ترسيخ العمل المؤسسي والاستقلالية.
وبين الطموحات الكبيرة والاختبارات العملية، يبقى مجلس الشعب السوري الجديد أمام مهمة إثبات أن اختلافه عن التجارب السابقة ليس مجرد تغيير في الشكل، بل تحول حقيقي في طبيعة الدور السياسي والتشريعي داخل الدولة السورية الجديدة.










