مع تصاعد المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يبدو العراق مرة أخرى على حافة التحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالضربات الجوية التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي في عدة محافظات خلال الأيام الأولى من آذار لم تكن، وفق تقديرات عسكرية وميدانية، مجرد ردود فعل تكتيكية، بل جزءاً من محاولة أوسع لإعادة رسم موازين القوة داخل العراق والمنطقة بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن الضربات ركزت على قيادات وفصائل بعينها، في رسالة تهدف إلى إضعاف القوى الأكثر ارتباطاً بإيران وإرباك بنيتها القيادية، في وقت تعيد فيه الفصائل المسلحة انتشارها على الحدود السورية وسط مخاوف المدنيين من اتساع رقعة المواجهة. وبين ضغوط دولية متزايدة وخيارات عسكرية وسياسية معقدة، يقف الحشد الشعبي أمام مرحلة مفصلية قد تحدد مستقبله ودوره في المعادلة الأمنية العراقية خلال السنوات المقبلة.
وتتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية في مشهد معقد ومتشابك، مع تصاعد القصف الأمريكي والإسرائيلي ضد أهداف إيرانية في المنطقة، والذي بلغ ذروته باغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير الماضي. يجد الحشد الشعبي العراقي نفسه في موقف بالغ الصعوبة.
فخلال الأسبوع الأول من مارس العام الجاري، سُجّلت في عدة محافظات مثل ديالى وبابل ونينوى والأنبار والقائم سلسلة ضربات جوية استهدفت مقارّ وأفراداً من الحشد، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. هذا التصعيد الدراماتيكي يعيد طرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الحشد الشعبي؛ هذه القوة التي تشكلت قبل 12 عاماً استجابة لفتوى الجهاد الكفائي لمواجهة “داعش”، وأصبحت اليوم تواجه تحديات وجودية على أكثر من جبهة. فبين اغتيال قادتها البارزين، وتصاعد الضغوط الدولية، وإعادة تمركزها الاستراتيجي على الحدود السورية، تقف هذه الفصائل عند منعطف تاريخي قد يحدد مصير ومستقبل العراق ككل.
اقرا أيضاً: “الحشد الشعبي” بين الضغوط الأميركية والانسحاب الإيراني والانقسامات الداخلية – 963+
“إعادة تشكيل”
يقول أبو حسين، مواطن من مدينة القائم السورية (وهو يعمل في إحدى المزارع القريبة من مقرات الحشد الشعبي) لـ”963+”: “الوضع هنا لا يطاق. قبل أيام كنا نسمع دوي انفجارات بعيدة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. الطائرات كانت فوق رؤوسنا مباشرة، ثم فجأة اهتزت الأرض تحت أقدامنا. كنا في المزرعة وأولادنا معنا، والحمد لله أنهم بخير، ولكن عندما ذهبنا لنرى شاهدنا سيارة محترقة وأشلاء شباب نعرفهم. هم من استُهدفوا”.
ويضيف: “هذه المنطقة تشهد توتراً دائماً، لكن منذ بداية مارس تغير كل شيء. القوات الأمنية تنتشر بكثافة، والطائرات المسيّرة تحلق في السماء ليل نهار. نحن كمدنيين لا نعرف من يضرب من. الأهم بالنسبة لنا هو سلامة عائلاتنا. توقفت المدارس، وتوقف النوم في أعيننا، وأغلقت الأسواق خوفاً من الضربات”.
ويختتم حديثه: “لا أعرف ماذا سيحدث غداً. البعض يفكر في ترك المنطقة والانتقال إلى بغداد أو حتى إلى إقليم كردستان. لكن أين نذهب؟ الأرض هنا هي مصدر رزقنا الوحيد. كل ما نتمناه هو أن يتوقف هذا الجنون، وأن يعود الأمن إلى هذه الأرض التي رويت بدماء الكثيرين من الطرفين”.
ويقول العميد والخبير العسكري نور الفريح لـ”963+”: “ما نشهده منذ نهاية شهر فبراير ليس مجرد تصعيد عابر، بل إعادة تشكيل جذرية للمشهد الأمني في العراق والمنطقة. اغتيال خامنئي شكل نقطة تحول كبرى، والضربات التي تلت ذلك ضد الحشد الشعبي تحمل رسائل متعددة المستويات. لاحظنا أن الضربات ركزت على قيادات الصف الثاني في فصائل محددة، خصوصاً كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق. هذا ليس عشوائياً. الولايات المتحدة وإسرائيل تعلمان تماماً أن الحشد الشعبي ليس كتلة واحدة، بل هو تحالف هش من فصائل ذات ولاءات ومرجعيات مختلفة. هناك ما يقارب 40 فصيلاً يقلدون المرشد الإيراني، مقابل 15 فصيلاً يقلدون السيستاني. استهداف الفصائل الولائية يهدف إلى تعميق الانقسام داخل الحشد ودفع الفصائل الأخرى إلى الابتعاد عن المواجهة”.
ويضيف: “أما من ناحية الحدود السورية العراقية، فالحكومة السورية تنشر قوات إضافية على الحدود لمنع تسلل أي فصائل مسلحة، بما في ذلك الحشد الشعبي أو حزب الله اللبناني. وفي المقابل، الحشد الشعبي يزيد تواجده على الجانب العراقي. هذا يخلق منطقة شديدة الحساسية قد تتحول إلى ساحة مواجهة جديدة إذا استمر التصعيد. الرسالة الأمريكية واضحة: لن يُسمح باستخدام الأراضي العراقية أو السورية لتهديد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية”.
ويرى أن “الحشد الشعبي اليوم أمام ثلاثة خيارات صعبة: الأول، الانخراط الكامل في المواجهة إلى جانب إيران، وهذا يعني استهدافاً أوسع نطاقاً قد يصل إلى تصفية قياداته. الثاني، الانسحاب من المواجهة والتركيز على دوره كقوات مسلحة عراقية، وهذا خيار صعب للفصائل الولائية لأنه يعني خسارة الدعم الإيراني. ثالثاً، محاولة التوفيق بين الأمرين، وهذا مرشح للفشل لأن الضغوط الدولية كبيرة جداً. فنلاحظ تصريحات للحشد تتوعد بالرد القاسي، لكن غالبية القيادة الأكثر خبرة تدرك كلفة هذه المغامرة”.
اقرأ أيضاً: “الحشد الشعبي” يعزز قواته على الشريط الحدودي بين سوريا والعراق – 963+
إعادة تموضع
ويقول سعد (اسم مستعار لأحد قيادات الحشد الشعبي على الحدود السورية العراقية): “ما يحدث الآن هو إعادة تموضع استراتيجي وليس انسحاباً تحت النار. صحيح أن الضربات كانت موجعة واستشهد عدد من إخواننا وقياداتنا، خاصة في بابل وديالى والقائم، لكن هذا لا يكسر إرادتنا. نحن ننسق مع قيادة العمليات المشتركة لإعادة توزيع قواتنا بشكل يحميها من الاستهداف ويحافظ في نفس الوقت على جاهزيتها. فالحدود مع سوريا منطقة حساسة للغاية. صحيح أن هناك تعزيزات سورية على الجانب الآخر، وهذا حقهم السيادي، لكن تواجدنا على الجانب العراقي ضروري لمنع تسلل أي تهديد، سواء من فلول داعش أو من أي جهة أخرى. نراقب الوضع عن كثب ونتنسق مع الجيش العراقي وقوات حرس الحدود. أي حديث عن نية الحشد اجتياز الحدود إلى سوريا هو كلام عارٍ عن الصحة، ونحن نلتزم بالقانون العراقي والسيادة السورية”.
ويضيف: “لا يمكن إنكار أن رحيل السيد خامنئي شكل صدمة كبيرة لنا، فهو رمزنا وداعم كبير لمقاومتنا في كل مكان. لكن إيران مستمرة بقيادة جديدة، وعلاقتنا معها علاقة أخوة وتعاون، وقرارنا عراقي ونابع من قناعاتنا الوطنية ونلتزم بتوجيهات القائد العام. فالعدو يظن أن اغتيال قادة المقاومة سيثنينا، وهذا وهم. الدماء التي استشهد بها قادتنا تزيدنا إصراراً، وخلفهم الآلاف المستعدون للسير في نفس الدرب. نحن لا نبحث عن الحرب، لكننا لا نخافها أيضاً. إذا استمر الاستهداف فسيكون الرد موجعاً، وسيدفع المحتل الثمن غالياً”.
كما قالت حركة النجباء في بيانها: “لغة الديبلوماسية الهشة لم تعد تجدي نفعاً”.
ختاماً، وفي خضم هذا المشهد المتأزم، يبقى السؤال الأهم: ما مستقبل الحشد الشعبي في العراق؟ من الواضح أن الحشد يواجه تحديات وجودية غير مسبوقة. فمن ناحية، الضربات الجوية الموجعة التي تستهدف قياداته وكوادره تهدف إلى تقويض قدراته العسكرية وإرباك هيكله القيادي. ومن ناحية أخرى، الضغوط السياسية الدولية، وتحديداً الأمريكية، تسعى إلى منع أي تقنين أو تعزيز لوضعه الرسمي داخل الدولة العراقية. في المقابل، تعيد الفصائل تموضعها على الحدود السورية، ليس بالضرورة بهدف التوسع، بل ربما بحثاً عن مناطق أقل عرضة للاستهداف، أو استعداداً لمرحلة جديدة قد تشهد مواجهات أوسع إذا استمر التصعيد.
أما الشارع العراقي، فيعيش حالة من الترقب والقلق، بين مؤيد للحشد ومنتقد له، لكن الجميع يتفق على أن استمرار تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي هو الخيار الأسوأ للجميع. في النهاية، يبدو أن الأيام القادمة ستكون حاسمة: فإما أن تنجح الجهود السياسية في احتواء الأزمة وإبعاد العراق عن دائرة النار، أو نجد أنفسنا أمام جولة جديدة من العنف قد تطال الجميع، ولا أحد يعرف متى وكيف تنتهي.










