قرر التحالف الحاكم في العراق، “الإطار التنسيقي”، الأربعاء الماضي، تعطيل التصويت على قانون هيئة الحشد الشعبي وتأجيل البت في مصير هذه القوات التي يتجاوز عددها 200 ألف مقاتل.
ويُعتقد على نطاق واسع أن هذا القانون، الذي عارضته واشنطن بقوة، يمنح جماعات موالية لإيران إطاراً مؤسساتيًا يوازي وزارة الدفاع، ويحظى باستقلالية تمويلية وتدريب في أكاديمية عسكرية خاصة.
وكشفت مسودة القانون المنشورة عن نية إنشاء “مديرية التوجيه العقائدي”، مما يثير مخاوف من تلقي العناصر تعليمات ذات طابع مذهبي. وكان المرشد الإيراني علي خامنئي وأمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني قد دافعا في مناسبات عديدة عن وجود “الحشد” وحذّرا من حله.
خلافًا للمسار الشائع عن قبضة إيران، يعكف التحالف الشيعي الذي يواجه انقسامات على معالجة مسألة القانون ببدائل شكلية. وينظر قياديون في “الإطار التنسيقي” إلى الظهير المسلح كأنه جمرة لا يمكن حملها طويلًا.
ووفق ما ذكرت وسائل إعلام أن قياديًا بارزًا أفاد بأن “التحالف حسم أمره بإيقاف إجراءات كانت محل خلاف حاد مع واشنطن”، ووصل إلى “قناعة نهائية بأن تمرير القانون لن يحقق مصالح البلاد العليا”.
وخلال الاجتماع، أبلغ زعيم حزب شيعي زملاءه بأن “المؤشرات التي ترد من واشنطن مقلقة، وتستدعي التريث”. وتحدث سياسيون عن تهديدات أميركية تتراوح بين “غزو بري” وعقوبات اقتصادية على خلفية اعتبار العراق “دولة حاضنة للإرهاب”.
اقرأ أيضاً: من بغداد إلى بيروت: لاريجاني يقود تحركات إيران الديبلوماسية في مهمة معقدة
لكن “الإطار التنسيقي” قرر البحث عن صيغة بديلة تشمل إقرار هيكلية مناصب أمنية داخل هيئة الحشد ضمن صلاحيات الحكومة، دون الحاجة للعودة إلى البرلمان. ووصف القيادي الصيغة البديلة بأنها “شكلية لإرضاء قوى متشددة”، لكن مصادر رجحت أن “الحكومة لن تبادر بصياغة الإجراءات البديلة” بسبب حسابات تتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة والضغط الانتخابي على رئيس الوزراء.
وتعكس هذه الأزمة الانقسامات داخل “الإطار التنسيقي” بين فريق يصر على تمرير القانون لتعزيز شرعية الحشد الشعبي، وآخر يخشى العواقب الدولية وردود الفعل الأميركية، في وقت يحتفظ المكون السني والكردي بتحفظهما الصريح على القانون.
وفي تصريحات لـ “963+”، قدّم صلاح الزبيدي، كاتب وصحافي عراقي قراءة تحليلية شاملة لنشأة وتطور وتحديات الحشد الشعبي العراقي، معتبرًا إيّاه “مؤسسة دولة شرعية، وأحد أبرز العوامل التي حافظت على سيادة العراق وأمنه”.
النشأة: ردّ على تهديد وجودي
ويؤكد الزبيدي أن “الحشد وُلد من فتوى الجهاد الكفائي (يونيو/حزيران 2014) بعد سقوط الموصل وتمدّد داعش”. ويشدد على أن “الفتوى حدّدت بوضوح الدفاع عن البلد والنظام والدستور، لا مشروع حزب ولا طائفة”. ويرصد الكاتب عوامل الظهور التي تمثّلت في “فراغ أمني قاتل، انهيار قطعات، تهديد وجودي لبغداد والمراقد والمدن، وحاضنة شعبية شيعية وطنية ناخت على الدولة حتى تقاتل”.
ويوضح أن المرجعية الدينية العليا في النجف تعاملت مع هذه المؤسسة الناشئة بـ “ثلاثة خطوط: تعبئة دفاعية منضبطة، تشديد على عدم التعدّي وحرمة الدم والمال، والإصرار على حصر المسار ضمن الدولة لا خارجها”.
اقرأ أيضاً: إلى أين يمضي ملف نزع سلاح “حزب الله” والفصائل العراقية؟
ولقطع الطريق على أي انحراف، أُطِّر الحشد بقانون هو “قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016”. يصف الزبيدي هذا القانون بأنه “الأساس القانوني الذي حمى التجربة”، مشيرًا إلى أنه يعادل الحشد بالقوات المسلحة، ويتبعه للقائد العام للقوات المسلحة، و”له موازنة ورواتب وتعليمات انضباط”.
انتماء العراق ودور العرب
ينفي الزبيدي ما يُطلق عليه خطاب “الدولة الموازية”، واصفًا إيّاه بأنه “يُستخدم سياسيًا للتشويه”. ويستند في رده إلى أن “الحشد هيكل دولة بقانون وأرقام حسابية ورقابة ديوانية وبرلمانية”.
ويتكوّن الهيكل التنظيمي للحشد من رئاسة وهيئات فرعية تشمل “عمليات، أركان، إداري/مالي، استخبارات، طبابة، لوجستيات، هندسة، إعلام، تعليم وتدريب”. بينما يعترف الزبيدي بأن “الحشد راكم قدرات إدارة ولوجستيات وإغاثة (هندسة ميدان، إزالة ألغام، إسعاف، دعم الكوارث)”، إلا أنه يؤكد أن هذا “احتياطي سيادي للدولة لا بديل عنها”.
ويوضح آلية عمله بأنه “في الميدان، يملأ فراغات الحدود والبادية ويعمل تحت قيادة العمليات المشتركة. خارج الميدان، ليس مفروضًا على الوزارات ولا ينازعها”. ويؤكد الزبيدي أن “ولاء الحشد للعراق أوّلًا، ومرجعيته الدينية والأخلاقية تضبط الخط العام”.
أما بالنسبة لـ “الانتماء لمحور المقاومة” فيصفه بأنه “استراتيجي دفاعي: ردع داعش وأخواته، وردع الاعتداءات الإسرائيلية – الأميركية على السيادة”. ويوضح أن هذه العلاقة هي “شبكة دعم وتدريب وخبرة، لا وصاية على قرار بغداد”.
في الإطار الإقليمي، يشير إلى أن “إيران قدّمت تدريبًا وتسليحًا واستشارة بطلب رسمي في لحظة انكشاف عسكري 2014–2015، كما قدّمت دول أخرى دعمًا استخباريًا/جويًا”. ويختم هذه النقطة بتأكيد أن “قرار القتال عراقي، ودماء النصر عراقية”.
اقرأ أيضاً: رهان التنسيق بين العراق وسوريا: خطوة استراتيجية ضد داعش أم معركة مؤجلة؟
ويلاحظ تحولاً في “الموقف العربي المتدرّج من شيطنة أولى إلى اعتراف واقعي بعد هزيمة داعش”. معتبرًا أن “بعض العواصم اليوم تتعامل براغماتيًا مع بغداد وتفهم أن الحشد مكوّن دولة”.
داخليًا.. والموقف من السنّة
يسجّل الزبيدي تحولاً في “المزاج السني: من الخوف إلى الشراكة الأمنية في ألوية محلية وإسناد عشائري”. ويربط هذا النجاح بـ “السلوك المنضبط، التعويضات، إعادة الإعمار، واحترام الخصوصيات المحلية”. ويرفض المقارنة مع “حزب الله” اللبناني لأن “السياق مختلف: لبنان دولة هشّة وطبيعة تهديد ‘إسرائيل’ مباشرة، بينما العراق دولة كبيرة بجيش وشرطة وحدود ممتدة”.
ويحدد خمسة عوامل لتعزيز التماسك، منها؛ تثبيت المهنية عبر تدريب موحّد، معايير سلاح، تراتبية انضباط. وفصل صارم بين المؤسسة وأذرع الأحزاب: لا انتخابات باسم الحشد ولا استعراض سياسي. وكذلك حوكمة مالية ورقابة علنية لقطع ذرائع التشويه. وأيضًا تجديد العقد الاجتماعي مع المحافظات المحررة من خلال تعويضات، إعادة إعمار، منع أي تجاوز فردي ومحاسبته سريعًا. بالإضافة إلى تطوير المهمات؛ من حماية حدود، ومكافحة خلايا الصحراء، والدفاع الجوي التكتيكي، والهندسة الإنسانية.
في المقابل، يحذّر من عوامل تقويض التماسك وهي؛ التسييس الداخلي وتنافس الولاءات الإعلامية. والحرب القانونية/العقوبات على شخصيات ومفاصل لشل المؤسسة. والاختراق الأمني و”الرايات المزوّرة” التي تصنع حوادث لتوريط الحشد. والفساد الإداري أو الترهل اللوجستي إن تُرك بلا إصلاح.
ويتطرق الكاتب إلى تأثير التيار الصدري، مشيرًا إلى أن “صعود/هبوط التيار الصدري يؤثر على المشهد الشيعي عمومًا”. ويحذّر من أن “أي صراع شيعي–شيعي يُضعف الجبهة الوطنية ويفتح ثغرات للخصوم”، مقترحًا “تحييد الحشد عن خطابات السجال الحزبي، والتفاهم على قواعد اشتباك سياسية لا تمس الأمن”.
ويختم الزبيدي بالتأكيد على أن “الحشد مؤسسة دولة شرعية تأسست بفتوى ودُمغت بقانون”. وأن “دوره حماية العراق لا تداول السلطة”. و”علاقاته الإقليمية ذراع ردع لا مشروع سلطة”. وقوته مستمدة من “انضباطه وحياده الانتخابي، ومن خدمته للناس في السلم كما الحرب”.
اقرأ أيضاً: على أنقاض نظرية “التحالف الغربي الشيعي”
فيما قدم الدكتور باسم عساف، الباحث والمحلل السياسي اللبناني، لـ “963+”، رؤية مغايرة عن سابقه لنشأة وتأثير الحشد الشعبي العراقي، مركزًا على الدور الإيراني والمخاطر الطائفية.
إذ يرى عساف أن “الحشد الشعبي العراقي تأسس بعدما استتب الأمن لأميركا ودخول إيران وتغلغلها في العراق اجتماعيًا وعسكريًا وسياسيًا”. ويضيف أن “طهران دعمت عشرات الفصائل العراقية التي تقاتل مع فصائل أخرى. واستطاعت تلك الفصائل إثبات وجودها بالتواصل مع الجيش الأميركي والسيطرة على مناطق”.
ويلقي باللوم على “الحكومات العراقية والفوضى السياسية” التي “أسهمت بصعود الفصائل العسكرية العراقية التي تحالف على أساس طائفي لتشكل الحشد الشعبي والذي كان مدعومًا من إيران”. ويستثني بعض الفصائل، مشيرًا إلى أنه “لم تنتسب بعض الفصائل العسكرية لا سيما الشيعية إلى ‘الحشد'”.
ميليشيات إيرانية المال والإدارة
يفسر عساف معنى الحشد بأن له “عدة معان منها داخلية، وأخرى خارجية في علاقته مع ‘الحرس الثوري’ الإيراني الذي تمدد في المنطقة العربية كالعراق وسوريا ولبنان وأراد التمدد في خارجها”. ويؤكد أن “الحشد الشعبي كان متناسقًا مع الحرس الثوري”. ويشدد على أن “البنية التنظيمية للحشد عبارة عن ميليشيات تديرها وتمولها إيران وهذا ما أعطاها الدور الأكبر في التحرك في العراق”.
ويحذّر المحلل اللبناني من أن “تنامي قوة الحشد الشعبي العسكرية وخضوع فصائل ضمن تشكيلته للأوامر الإيرانية في العراق خلق نوعًا من التهديد من اتخاذه دورًا أكبر في العسكرة والسياسة وتأثيره على السياسيين وذلك بالتنسيق مع إيران”.
ويشير إلى أن “الدول العربية تشبه ‘الحشد الشعبي’ بحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني”، معتبرًا أن هناك “خطة عمل واحدة من لبنان إلى العراق والحوثيين في اليمن (أي تستهدف أذرع إيران)”. وينتقل إلى البعد الطائفي، قائلاً: “السنة هم أكثر المتضررين من الحشد وتحركاته والذي بنى عشرات السجون المخصصة لأبناء السنة”.
اقرأ أيضاً: أين سيكون موقع إيران بعد الحرب مع إسرائيل؟
ويقارن عساف بين تأثير الحشد وتأثير “حزب الله”، قائلاً: “تأثير الحشد الشعبي لم ينتشر أكثر في المنطقة كما حزب الله في سوريا وفلسطين”. ويميز التيار الصدري بأنه “متأصل في العراق ينتهج العراقيين أولاً دون الاعتماد على التمويل والأوامر الإيرانية”، مشيرًا إلى أن “الحشد الشعبي ستتأثر ‘بفرص مسابحه’ بعد أن طالت اليد الإسرائيلية العمق الإيراني والاتجاه نحو الحديث عن النووي والأسلحة في مفاوضات بين واشنطن وطهران وتل أبيب”.
ويرى عساف أن “الحشد الشعبي ستتأثر بتلك المفاوضات. إذ يحضر إخماد أذرع إيران في المنطقة على الحشد في ذلك الملف”. ويقول: “لن يكون للحشد الشعبي تأثير كبير في المستقبل. لأن تجفيف منابع التمويل الإيرانية ستحد من امتداد تلك الجماعات. ولن يأخذ دور حزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن. بل سيتم إنهاء حالة العسكرة لجماعة إيران وأذرعها في المنطقة”.










