على امتداد الشريط الحدودي العراقي ـ السوري، حيث تمتد الصحارى وتتقاطع المصائر، لم تعد رايات الحشد الشعبي المرفوعة فوق النقاط الحدودية كما كانت. فقد شهدت الأيام العشرة الأخيرة إنزال الرايات والشارات الخاصة واستبدالها بالعلم العراقي، في خطوة تبدو كرسالة موجهة إلى الداخل والخارج. غير أن هذه التغييرات الشكلية لا تعكس القلق العميق الذي يسكن المناطق الحدودية، حيث يعيش السكان على وقع التهديدات الأمنية الدائمة وتداعيات الصراعات الإقليمية.
هذه التحولات لا تأتي من فراغ، بل هي جزء من إعادة تنظيم أمني أوسع تشهده المنطقة. فبينما أعلنت قوات الحشد الشعبي تعزيز انتشارها على الحدود وفق خطة انفتاح جديدة من قيادة عمليات نينوى، أفادت مصادر لاحقة بسحب بعض وحدات الحشد واستبدالها بقوات عراقية تتمتع بصورة أكثر انضباطاً وارتباطاً مباشراً برئاسة الوزراء. فهل تمثل هذه التحركات محاولة من الحكومة العراقية لإعادة ترتيب البيت الأمني من الداخل والاستجابة للضغوط الإقليمية والدولية المتصاعدة؟
اقرأ أيضاً: الدولة العميقة في سوريا: بين الشبكات السرية والهياكل الرسمية – 963+
خلفية نشأة الحشد الشعبي
نشأ الحشد الشعبي عام 2014 كرد فعل على سيطرة تنظيم “داعش” على مساحات شاسعة من العراق. وقد تحول من تحالف فصائل متعددة إلى مؤسسة رسمية معترف بها من الدولة، لكنه ظل يحمل في داخله انقسامات عميقة. هذه الانقسامات والتمايز جعلت من الحشد كياناً معقداً يجمع بين الشرعية الرسمية وولاءات عابرة للدولة، وهو ما ينعكس على طبيعة عملياته ومواقفه الإقليمية، خاصة تجاه سوريا.
يقول نشطاء في الميدان لـ”963+” إن المشهد يبدو أكثر تعقيداً. فبينما تؤكد البيانات الرسمية للحشد أن تعزيزاته في منطقة طريفاوي، على بعد 12 كيلومتراً، تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار وتقديم الإسناد الكامل للقوات الأمنية، تشكك دراسات ومصادر محلية بوجود تحركات استثنائية لدعم إيران في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تظهر تقارير متضاربة حول ما إذا كانت عناصر من الحشد قد عبرت الحدود إلى سوريا، الأمر الذي تنفيه الحكومة العراقية نفياً قاطعاً.
يقول محمد المحمد، وهو اسم مستعار لأحد سكان قضاء القائم على الحدود السورية ـ العراقية لـ”963+”: “نعيش بين مطرقة داعش وسندان الحشد. كل يوم نسمع عن تحركات أو اشتباكات ولا نعرف من يحمينا من مَن. الشباب يهربون من الخدمة في الحشد، خاصة المجندين، في حرب ليست حربنا في سوريا. نريد حياة آمنة، نريد جيشاً واحداً نعرفه، لا عشرات الميليشيات التي ترفع رايات مختلفة. المنطقة أصبحت ثكنة عسكرية، نشعر أننا غرباء في أرضنا. عندما نرى العلم العراقي مرفوعاً مكان الرايات الأخرى، تطمئن قلوبنا قليلاً، لكن الخوف يظل قائماً. نتساءل: هل نحن على خريطة العراق حقاً أم أننا مجرد ورقة في صراع أكبر لا نعلم عنه شيئاً؟”
ويقول عنصر في الحشد الشعبي طلب عدم الكشف عن هويته لـ”963+”: “نحن هنا لتنفيذ أوامر القيادة. مهمتنا واضحة: حماية الحدود وملاحقة الإرهابيين. صحيح أن هناك ألوية مختلفة، لكن الجميع الآن يخضع لأمر القائد العام للقوات المسلحة. التغيير الذي ترونه في الرايات ليس شكلياً فقط، بل هو جزء من إعادة التنظيم. أفهم خوف الناس؛ ففي الماضي تسببت تصرفات خاطئة في استفزاز السكان. مؤخراً تلقينا تعليمات بتغيير الرايات وتكثيف النقاط، حيث أقيمت أكثر من 30 نقطة على الحدود السورية ـ العراقية مزودة بأسلحة ثقيلة وحتى راجمات صواريخ”.
ويضيف: “نحن كالجنود لا نعلم المصير، لكننا نستشعر رائحة حرب إقليمية. دعمنا من إيران واضح ولا نستطيع إنكاره، في حين تؤكد القيادات أننا جزء من الحكومة العراقية وأننا باقون. وقد سُحبت بعض الوحدات من الحدود واستُبدلت بحشد العتبات، أحد أذرع الحشد الأساسية. لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الضغوط السياسية والدولية التي تواجهها الحكومة العراقية، وعلى رأسها الضغوط الأمريكية والتحالف الدولي لتقليص نفوذ الفصائل المرتبطة مباشرة بإيران”.
ويتابع قائلاً: “هذه الخطوة تمثل أيضاً محاولة حكومية لتعزيز السيطرة الداخلية ضمن برنامج لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية. توقيت الخطوة يتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي، خاصة بين إيران والولايات المتحدة، ما يدفع بغداد إلى إعادة ترتيب قواتها لتجنب ضربات محتملة”.
اقرأ أيضاً: من الدولة العميقة إلى “العثمانيين الجدد”: هل يصوغ أردوغان نسخته الخاصة؟ – 963+
المواقف الإقليمية والدولية
من جانبه، يقول قيادي في وزارة الدفاع السورية لـ”963+”: “ما يحدث في العراق يؤثر مباشرة على أمننا القومي. لدينا تعاون استخباراتي وأمني مكثف مع الجانب العراقي، ونعمل معاً على تنسيق الجهود لملاحقة فلول الإرهاب على جانبي الحدود”.
ويؤكد أن العمليات العسكرية في البوكمال جاءت في إطار تفاهم أمني مع بغداد لضبط الحدود ومكافحة عمليات التهريب.
ويضيف: “ندرك أن الحكومة العراقية تحاول فرض السيطرة على أوسع المناطق الحدودية، ونحن ندعم هذا التوجه. فاستقرار العراق يعني استقرار سوريا. لكن وجود قوى عسكرية مدعومة من إيران على الحدود أمر يثير القلق ويتطلب منا المزيد من التدقيق والانتباه. فالحكومة العراقية اليوم تقف عند مفترق طرق؛ تسعى جاهدة لإظهار السيادة وهيبة الدولة عبر تعزيز الجيش، لكنها ما تزال تواجه مع الحشد الشعبي تحديات جوهرية تتمثل في تداخل المهام الدفاعية مع الأجندات الخارجية لبعض فصائله. لقد أصبح صانع القرار في بغداد أكثر إدراكاً لطبيعة التحولات الإقليمية الجارية، ويحاول التفاعل معها بشكل مدروس يحقق مصلحة الدولة العراقية بعيداً عن الاصطفافات الحادة”.
وتطرح هذه الوضعية تساؤلات عدة: هل ستنجح بغداد في إعادة هيكلة هذه القوات وتوحيد الولاءات تحت سقف الدولة؟ أم أن القوة التي تفرض الأمر الواقع والولاءات العابرة للحدود ستظل الأقوى في المعادلة العراقية المعقدة؟










