غالبًا ما تُصوَّر الحكومات على أنها مجرد واجهات، بينما تُدار الدولة من قبل شبكات سرية من البيروقراطيين والعسكريين. هذه الصورة، رغم انتشارها، مُبالَغٌ فيها. في المقابل، تقدم الدراسات السياسية مفهوم “الدولة العميقة” لتحليل وجود شبكات نفوذ غير رسمية داخل مؤسسات الجيش والأمن والبيروقراطية، تؤثر في القرار السياسي بدرجات متفاوتة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنظيم سري موحد يمسك بكل الخيوط.
انتشر هذا التصور في المنطقة العربية نتيجة طبيعة الأنظمة التي ارتكزت تاريخيًا على الأجهزة الأمنية والعسكرية، والولاءات العائلية والطائفية، واقتصاد المحسوبية، وغياب الشفافية. هذا السياق شجَّع على تفسير الأحداث عبر نظريات تبسيطية تُرجع كل شيء إلى شبكات خفية، كما أصبح خطاب “الدولة العميقة” نفسه أداة سياسية لتبرير الإخفاقات أو تشويه الخصوم.
اقرأ أيضاً: جدل حل “الإخوان” في سوريا: بين ضرورات الاستقرار ومخاطر الإقصاء
نشأ مفهوم “الدولة العميقة” في الأدبيات السياسية لوصف شبكات النفوذ غير الرسمية داخل مؤسسات الدولة، خاصة في مؤسسات الجيش والأمن والبيروقراطية. هذه الشبكات تؤثر على القرارات الرسمية دون أن تظهر علناً، وتعمل ضمن إطار مؤسسي قائم.
لا يمكن فهم التعقيد السوري بعيدًا عن تجربة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي وصل إلى السلطة عام 1963 وترسخت هيمنته بعد “الحركة التصحيحية” لحافظ الأسد عام 1970. خلال هذه الحقبة، شهدت سوريا تحولات جذرية تمثلت في عسكرة الدولة عبر سيطرتها بالمؤسسة العسكرية والأمنية على مفاصل الحكم، وإعادة هيكلة الاقتصاد لصالح شبكات المحسوبية والفساد، وتعزيز الاستقطاب الطائفي رغم الخطاب القومي العلماني، وإلغاء الحياة السياسية التعددية مما أفقد السوريين أي قدرة حقيقية على المحاسبة.
اقرأ أيضاً: وسائل “التخاصم” الاجتماعي في سوريا ساحات قتال جديدة
أدى الصراع بعد عام 2011 إلى تفكيك جزء من هيبة الدولة الرسمية، بينما برزت هياكل سلطة موازية شكلتها مليشيات مرتبطة بالنظام وشبكات اقتصادية (كثير منها تحت عقوبات دولية) تسيطر على موارد حيوية مثل النفط والقمح والمعابر الحدودية، وتعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، لا سيما من إيران.
دور إيران: هندسة الدولة العميقة الموازية
تحول التدخل الإيراني في سوريا من دبلوماسي وعسكري إلى هيكلة شاملة لشبكات النفوذ. لم يقتصر هذا الدور على الدعم العسكري المباشر عبر فيلق القدس والحرس الثوري، بل تجاوزه إلى بناء مؤسسات أمنية واقتصادية موازية تمامًا لهياكل الدولة الرسمية.
أشرفت إيران على تشكيل وتدريب وتوجيه عشرات المليشيات الطائفية (كفيلقي زينبيون ولبنانيين وعراقيين وأفغان)، التي أصبحت تمتلك سلطة قرار أمني وعسكري مستقل عن الجيش السوري الرسمي، بل وتتنافس معه في كثير من الأحيان.
امتد هذا النفوذ إلى المجال الاقتصادي، حيث سيطرت شبكات مقربة من طهران على قطاعات إستراتيجية مثل الاتصالات (شركة إيرانية لإنشاء شبكة اتصالات موازية)، والطاقة (استيراد النفط والتحكم بتوزيع المشتقات النفطية)، والتجارة عبر المعابر الحدودية (مثل معبر التنف)، وحتى القطاع المصرفي عبر محاولة إنشاء قنوات مالية لتحويل الأموال. هذا البُعد الاقتصادي عزَّز تبعية النظام لهذه الشبكات وضمن لإيران موارد مالية ونفوذًا طويل الأمد يتجاوز التقلبات السياسية والعسكرية.
اقرأ أيضاً: تطور وتراجع الأحزاب في سوريا: من المشاركة الفردية إلى الهياكل الشكلية تحت سيطرة العسكر
أضف إلى ذلك، عملت إيران على تغيير الديموغرافيا في مناطق استراتيجية عبر برامج إسكان ممنهجة، وبناء مراكز دينية وثقافية تابعة لها، بهدف خلق واقع اجتماعي جديد يضمن ولاءً طويل الأمد لمصالحها.
هذا التدخل المتعدد المستويات جعل إيران شريكًا أساسيًا في صنع القرار داخل سوريا إلى درجة أن العديد من القرارات الأمنية والاقتصادية المحورية لا يمكن أن تُتخذ دون موافقة أو تنسيق مع الأطراف الإيرانية.
كما ساهم الصراع في تعزيز دور لاعبين خارجيين آخرين، مثل روسيا، التي ركزت على الهيمنة العسكرية المباشرة والسيطرة على الموارد الطبيعية، مما خلق حالة من تعددية الأقطاب داخل النظام السوري نفسه، حيث تتنافس النفوذات الإيرانية والروسية أحيانًا على تقاسم الغنائم والنفوذ.
على الصعيد الإعلامي، غذى الصراع حملات تضليل ونظريات مؤامرة وسعت الفجوة بين الواقع والصورة العامة، مما عزز تصور “الشبكات السرية” في المخيال الشعبي.
اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في سوريا… إرث سياسي وأداة حرب
رغم كل ذلك، تبقى الدولة السورية بمؤسساتها الرسمية قائمة، وتواصل إدارة الخدمات في المناطق الخاضعة لها، وإن كان ذلك بشكل محدود. الفجوة بين هذا الواقع الرسمي وهياكل السلطة الموازية، المحلية والدولية، هي التي تغذي فكرة “الدولة العميقة” في سوريا.
فالحكومات ليست مجرد واجهة، لكن في حالات مثل سوريا، توجد شبكات نفوذ داخلية وخارجية قوية تُفرغ المؤسسات من مضمونها الحقيقي وتجعل عملية صنع القرار نتاجًا لتداخل معقد من الولاءات والمصالح، أكثر منه عملية مؤسساتية شفافة.
“الشيخ” والسلطة الخفية
يُشير فاضل نوفل، عضو الأمانة العامة للجان الديموقراطية السورية، لـ “963+” في البداية إلى أن الحكومة الحالية هي مجرد أسماءٍ أُطلِق عليها لقب “وزراء” ليشكلوا حكومة، في محاولة لتصوير الأمر على أن هذه السلطة تحكم البلد عبر مؤسساتها.
لكنّه يرى أن الحقائق تؤكد أن من يصدر الأوامر والتعليمات الفعلية هم أشخاص خلف الكواليس، وممثلون في: أولاً: قادة الفصائل العسكرية التي تحالفت بعد استلام السلطة، والتي شكّلت الواجهة الشرعية لوصول أحمد الشرع إلى منصب رئاسة الجمهورية.
ثانياً: المشايخ، حيث يُلفت إلى أن الوقائع تؤكد أنهم يملكون السلطة الفعلية لتنفيذ جميع القرارات، سواء الصادرة عن الحكومة رسمياً أو الصادرة منهم مباشرة. ويُضيف أنه لا يعرف أحد من السوريين الصفة القانونية التي تخوّل هذه المجموعة إصدار الأوامر وتنفيذها، حتى دون العودة إلى الجهات الرسمية الممثلة بالحكومة.
اقرأ أيضاً: تمويل سوريا ومعضلة التنفيذ.. لاعبون إقليميون وأجندات متشابكة في الملف السوري
ويُشير إلى أن الأمثلة على ذلك كثيرة، تبدأ بحالة الفلتان الأمني وعمليات التصفيات والقتل التي تحصل بشكل يومي.
ويتابع ثانياً بالحديث عن مشكلة الإخلاءات القسرية لبعض المناطق، وخاصة مناطق سكن الطائفة العلوية (حي السومرية مثالاً)، عندما تبيّن أن أمر الإخلاءات والتعدي على أملاك الناس صادر من قبل شيخ، ولا علاقة للحكومة بهذا الأمر.
كما يرى أن مشكلة فصل البنات عن الأولاد في المدارس التي تظهر اليوم، وبالتحقيق والسؤال تبيّن أن الوزارة لا علاقة لها بهذا الأمر، إنما الموضوع يتعلق بأمر صادر من موظف بصفة “مبعوث شيخ” في وزارة التربية، وتم تنفيذ هذا القرار في العديد من المدارس.
ويعقّب بالقول إنه “للأسف، فإن الأغلبية من الشعب الذين كانوا يبررون كل القرارات الصادرة في عهد الحكومات السابقة (حكومات نظام الأسد)، تحولوا اليوم إلى مجرد مؤيدين لقرارات هذه السلطة – سلطة الأمر الواقع”. ويضيف أنه إذا ظهرت بعض الاحتجاجات، فإنها تبدو بلا قيمة في مواجهة الممارسات الديكتاتورية لهذه السلطة.
ويشير إلى أن المثال الأكثر وضوحاً والأخطر هو موضوع تثبيت موعد الانتخابات لمجلس الشعب في بداية الشهر القادم، رغم الوضع الأمني السيء في العديد من المحافظات السورية الواقعة تحت سيطرة هذه السلطة، واستبعاد المحافظات الأخرى الخارجة عن سيطرة النظام، مثل السويداء والحسكة والرقة.
اقرأ أيضاً: الهوية الطائفية في سوريا تبحث عن الأمان!
ويؤكّد أن هذه الأمثلة تدل بشكل قاطع على الطبيعة الحقيقية لهذه السلطة، ودور المؤسسات الشكلي الذي لا قيمة له في إدارة شؤون الدولة. ويَخْتِم بالقول إنها ليست سوى مؤسسات شكلية تهدف إلى تجميل صورة هذه السلطة.
مطبخ خفي لصناعة القرار
يقول الدكتور محمد عباس، باحث وخبير عسكري سوري لـ “963+”: إنه “من المؤكد أن الحكومات في جميع دول العالم تمثل واجهاتٍ للدولة. ويُوضح أنه غالباً ما تُحاك السياسات، بل إن صياغتها لا تخضع بالكامل للعلنية، وعادة ما يكون للكواليس دورٌ في وضعها. ويُشدد على أن ‘الدولة العميقة’ هي التي تضع السياسات وتدير الدولة وتوجّه دفة الحكم وفقاً للاتجاه الذي تحدده هذه الدولة العميقة أو بإرادتها”.
ويُفصّل القول إن الدولة العميقة تتألف من مؤسسات كالجيش وأشخاص يتحكمون في مفاصل القرار الرئيسية. ويَرى أنهم يضعون الخطط والسياسات لتنفيذ الأجندات المحددة لهم. ثم يطرح التساؤل: هل هذه الدولة العميقة تعمل في خدمة الدولة والشعب، أم أنها مرتهنة لجهات خارجية؟ ويَجيب بأن ذلك يعتمد على مستوى ارتباط هذه الدولة العميقة بمصالح شعوبها وبمصالح بلادها.
اقرأ أيضاً: هل تعيد الأحزاب السياسية بناء ما خربته الحرب والحزب الواحد في سوريا؟
ويَستنتج أن الجهة التي تحكم فعلياً – وهي الجيش والبيروقراطية والمؤسسات المدنية – قد تكون جزءاً من نسيج الدولة العميقة أو قد لا تكون داخلة في تكوينها. وبالتالي، يرى أن صناعة القرار، أو ما يُسمى “المطبخ”، هو الذي يقوم بصياغة خيارات القرار وتنفيذها.
ويُؤكّد أنه لا شك أن الأشخاص الذين نشاهدهم على وسائل الإعلام أو الذين يتقدمون الصفوف، سواء كانوا في مواقع قيادية تنفيذية أو على رأس السلطات التنفيذية، ليسوا بالضرورة هم متخذي القرار الحقيقيين. ويُشير إلى أنه عادة ما يُطلق على متخذي القرار الفعليين تسمية “النخبة الصغيرة” التي تهيمن وتُثبت سيطرتها على عملية صناعة القرار.
يَستدل بأن الأمثلة على ذلك واضحة في جميع دول العالم، حيث يتواجد هذا النسيج الهرمي في هيكلية صناعة واتخاذ القرار. ويُضيف أنه لا بد من تركيز السلطات عادةً في أيدي قلة، سواءً في ظل وجود رقابة وشفافية أو في غيابها.
اقرأ أيضاً: جبل الشيخ.. عين إسرائيل المفتوحة وورقتها التفاوضية
ويُبرر ذلك بأن صناعة القرار لا تتم على مرأى من الجميع؛ مُوضحاً أننا نشاهد القرار بعد أن يُعلن ويُتخذ، لكن الكيفية التي يتم بها اتخاذه مسألة أخرى ترتبط بمستوى الشفافية والرقابة، وبمستوى تدخل “السلطة الرابعة” (الإعلام)، وأيضاً بدور السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.
ويركّز على السلطة التشريعية (البرلمانية) التي تسهم في صناعة القرار، مُشيراً إلى أنها يجب أن تمتلك القدرة على معالجة القرارات الخاطئة التي تمس السيادة الوطنية والأمن الوطني. فيرى أن السلطة التشريعية لها الحق أن تضع الفيتو على أي قرار لا يتناسب مع المصلحة العامة. ولكنّه يتساءل أيضاً: هل هذه السلطات التشريعية تتخذ قراراتها بشفافية ووضوح وفي خدمة المجتمع والدولة؟










