تُعد المرحلة الانتقالية اختباراً لبناء الدولة وترميم العلاقة بين السلطة والمواطن، ويشكل البرلمان خلالها أداة لصياغة القوانين والدستور ومنح الشرعية للمؤسسات. وفي هذا السياق عقد مجلس الشعب الانتقالي السوري أولى جلساته بدمشق، متولياً مهام إعداد دستور جديد ووضع أسس الانتقال السياسي، فيما دعا الرئيس أحمد الشرع الأعضاء إلى ترسيخ الحوار وسيادة القانون وبناء مؤسسات سوريا الجديدة.
نحو ذلك يشير معن طلاع مدير الأبحاث في مركز عمران للدراسات، إلى أن تجارب الدول الخارجة من النزاعات، سواء أفضت إليها اتفاقيات سياسية أو جاءت نتيجة حسم سياسي، برعاية دولية أو محلية، تشترك جميعها في هدف أساسي يتمثل في استكمال بناء مؤسسات السلطة خلال مرحلة ما بعد النزاع. وأضاف أن هذا المسار يعد جزءًا أساسيًا من عملية بناء الشرعية السياسية.
البرلمان أداة الانتقال السياسي
ويقول طلاع في حديثه لـ”963+”، إن تجارب عديدة تؤكد هذه الفكرة، مستشهداً باتفاق الطائف في لبنان، وكذلك تجربة البوسنة والهرسك، حيث جرى التوافق على شكل السلطة التشريعية وآليات عملها ضمن التسوية السياسية.
ويتابع أن هناك نماذج أخرى، مثل أفغانستان، جرى فيها حل البرلمانات التقليدية لصالح مجالس أو لجان دينية، فيما شهدت دول أخرى انتقالًا سياسيًا أعقبته انتخابات أسهمت في تشكيل برلمانات جديدة.
ويرى الباحث السوري أن وجود البرلمان في مرحلة ما بعد النزاع يمثل أداة أساسية لضمان انتقال سياسي منظم، من خلال إقرار التشريعات اللازمة لمعالجة إرث المرحلة السابقة، وإطلاق الإصلاحات المطلوبة، وتعزيز سيادة القانون وبناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.
ويؤكد طلاع أن الحالة السورية تحمل خصوصية مختلفة عن تجارب الانتقال الأخرى، موضحاً أن تشكيل مجلس الشعب جاء كضرورة لاستكمال بنية الدولة، خاصة بعد حصر الوظيفة التشريعية به ضمن الإعلان الدستوري.
ويشير إلى أن المجلس يواجه ملفات واسعة تتطلب إصدار وتعديل قوانين مرتبطة بالانتقال السياسي، وعودة اللاجئين، وإعادة الإعمار، والتعافي المبكر، وإصلاح المؤسسات الأمنية، وتنظيم العلاقة بين السلطات المدنية والأمنية، إلى جانب تحديث القوانين الإدارية التي تراكمت فيها تعقيدات ساهمت سابقاً في تعزيز الفساد.
ويضيف طلاع أن أهمية المجلس لا تقتصر على الجانب التشريعي، بل تشمل تحقيق تمثيل مجتمعي يعزز شرعيته وقدرته على التعبير عن مختلف شرائح السوريين.
ويشدد مدير الأبحاث بمركز عمران للدراسات على ضرورة ألا يتحول البرلمان إلى مساحة للمحاصصة أو الصراعات السياسية، بل إلى مؤسسة وطنية تعمل على بناء قواعد قانونية تساعد سوريا على تجاوز المرحلة الانتقالية والوصول إلى استقرار مستدام.
دور في تأسيس الدولة الجديدة
من جانبه، يقول الدكتور سلمان ريا إن البرلمانات التي تنشأ بعد التحولات السياسية لا تُقاس أهميتها بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بالدور الذي تؤديه في تأسيس الدولة الجديدة وصياغة شرعيتها.
ويلفت ريا في حديثه لـ”963+” إلى أن لحظات التحول الكبرى لا يكون السؤال الأصعب فيها هو كيفية إسقاط النظام القديم، بل كيفية بناء الدولة التي تأتي بعده. وأضاف أن التاريخ مليء بثورات وانتقالات سياسية نجحت في إنهاء مرحلة، لكنها فشلت في تأسيس مرحلة جديدة، لأن إسقاط السلطة أسهل من بناء الشرعية، وتغيير الأشخاص أسهل من تغيير قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
يوضح ريا أن البرلمانات التي تنشأ بعد التحولات السياسية لا تقتصر على التشريع، بل تضع قواعد الدولة الجديدة، مشيراً إلى أن التحدي أمام مجلس الشعب السوري هو التحول من انعكاس لموازين القوى إلى مساحة توافق وطني.
ويؤكد أن أخطر ما يواجه البرلمانات الانتقالية هو اقتصارها على تمثيل المنتصرين، موضحاً أن دورها التاريخي يتمثل في معالجة آثار الصراع لا تثبيت نتائجه.
ويستشهد بتجارب دولية كجنوب أفريقيا، لافتاً إلى أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب تمثيلاً مجتمعياً واسعاً دون تكريس الانقسامات والهويات المتصارعة.
ويوضح أن وجود ممثلين عن مختلف شرائح المجتمع أمر أساسي، لأن الدولة لا تُبنى بإقصاء مكوناتها، غير أن الخطر يبدأ عندما يصبح البرلمان ساحة لتثبيت الانقسامات بدل تجاوزها.
ويؤكد أن البرلمان الناجح لا يكتفي بجمع الجماعات المختلفة، بل يصنع مساحة وطنية مشتركة بينها.
ويتابع أن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى برلمان يؤدي دوراً يتجاوز إصدار القوانين، ليصبح مدرسة سياسية تتعلم فيها القوى الاجتماعية قواعد العمل العام، مبيناً أن المجتمعات الخارجة من عقود طويلة من ضعف الحياة السياسية تحتاج إلى مؤسسات تعلمها كيف تدير اختلافاتها، وتنظم مصالحها، وتحول مطالبها الفردية إلى رؤى عامة قابلة للنقاش.
ويشدد الباحث السوري على أن أحد أبرز الاختبارات أمام البرلمان السوري يتمثل في وضع الإطار القانوني الذي يسمح بقيام حياة سياسية حقيقية، عبر تشريعات تنظم إنشاء الأحزاب والعمل السياسي وحرية التنظيم والتعبير.
ويضف أن المجتمع، من دون أحزاب ومؤسسات سياسية، يبقى مجموعة أفراد متفرقين، غير قادرين على إنتاج رؤى جماعية أو تشكيل رأي عام مؤثر.
ويلفت إلى أن الديموقراطية لا تقوم على وجود برلمان فحسب، وإنما على وجود مجتمع سياسي قادر على تفعيل دوره والاستفادة من أدواته.
ويوضح أن شرعية البرلمان لا تُستمد فقط من طريقة انتخاب أعضائه أو آلية تشكيله، بل أيضاً من قدرته على معالجة هموم المواطنين اليومية، وصياغة سياسات عامة فعالة، لأن المواطن يقيس المؤسسات السياسية بقدرتها على تحسين واقعه، وحل مشكلاته، وصون حقوقه، إلى جانب شرعيتها القانونية.
ويشير إلى أن العلاقة بين القانون والسياسة تمثل جوهر بناء الدولة، فالقوانين ليست مجرد نصوص تنظيمية، وإنما تعبير عملي عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لافتاً إلى أن الدولة تُعرَّف في نهاية المطاف بالقواعد التي تحدد حدود السلطة وحقوق المواطن.
ويختتم ريا بالتأكيد على أن مستقبل البرلمان السوري لن يتحدد فقط بتركيبته الحالية، بل بقدرته على ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تقوم على المواطنة قبل الانتماءات الفرعية، والقانون قبل القوة، والمساءلة قبل الطاعة.
ويضيف أن البرلمانات الانتقالية ليست مجرد محطة بين نظامين، بل لحظة تأسيس حقيقية؛ فإما أن تفتح الطريق أمام دولة يشعر مواطنوها أنهم شركاء فيها، وإما أن تتحول إلى محطة جديدة في دورة الصراع، ليبقى السؤال الأهم أمام مجلس الشعب السوري: ليس فقط من يمثل، بل أي سوريا يريد أن يسهم في بنائها.
رقابة على السلطة التنفيذية
بدوره، يرى المفكر السوري عبد الله تركماني، أن مجلس الشعب السوري بصيغته الحالية يبدو أقرب إلى مجلس تابع للرئيس، معتبراً أن ذلك يحد من قدرته على أداء الوظائف التقليدية المنوطة بالبرلمانات.
ويوضح تركماني في حديثه لـ”963+” أن الدور الأساسي لأي برلمان يتمثل في الرقابة على السلطة التنفيذية ومحاسبتها، إلى جانب تمتعه باستقلالية تشريعية، إلا أنه استدرك بالقول إن المجلس الحالي، من حيث المبدأ، “لن يكون قادراً على القيام بهذا الدور”.
ويضيف أن الرئيس الشرع أصدر خلال الأشهر الماضية عدداً كبيراً من المراسيم التي أصبحت نافذة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، متسائلاً عما إذا كان مجلس الشعب سيتمكن من مراجعة تلك المراسيم أو تعديلها.
ويتابع متسائلاً: هل يستطيع المجلس إصدار قانون عصري ومرن ينظم تشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني؟ وهل سيكون قادراً على إقرار تشريعات تعترف بالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان.
وفي معرض حديثه عن تجارب الدول الخارجة من النزاعات، يلفت تركماني إلى أن العديد منها عرف أشكالاً متنوعة من البرلمانات بعد التحولات السياسية، مشيراً إلى أن التجارب الأكثر نجاحاً اعتمدت على الجمعيات التأسيسية أو البرلمانات التوافقية بوصفها مدخلاً لإنجاح المرحلة الانتقالية.
ويشدد تركماني على أنه، بصورة عامة، يمكن القول إن سوريا لم تسلك المسار الذي أثبت نجاحه في تجارب انتقالية أخرى، والقائم على تشكيل جمعية تأسيسية توافقية تقود البلاد نحو مرحلة انتقالية مستقرة.
وفيما يتعلق بتشكيل مجلس الشعب، يوضح أن الظروف الاستثنائية التي تعيشها سوريا بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الصراع، وغياب السجلات المدنية، ووجود أعداد كبيرة من السوريين في الخارج، قد تبرر اللجوء إلى آليات غير انتخابية مباشرة في تشكيل المجلس.










