إن انتقال آلاف عناصر “داعش”، سواء بعمليات نقل رسمية منسقة دولياً أو بالتسلل غير المنظم عبر الثغرات الحدودية في البادية، يفرض على العراق إعادة صياغة استراتيجيته الأمنية والقضائية والاجتماعية. لم تعد المسألة مجرد ملاحقة خلايا نائمة، بل تتعلق بإدارة أزمة “جيش قيد الاحتجاز” وتحصين مجتمع محلي ضد أيديولوجية تحاول استغلال الفراغ الناتج عن تغيير النظم السياسية في الجوار.
أدى الهجوم العسكري الذي شنته الحكومة السورية في يناير 2026 ضد معاقل “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) في محافظات حلب والرقة والحسكة إلى تفكيك منظومة الإدارة الذاتية التي كانت تشرف على آلاف المعتقلين. لم يكن هذا الانهيار مجرد انتقال للسلطة، بل أحدث فجوة عملياتية في حراسة السجون والمعسكرات، ما دفع بالقيادة المركزية الأميركية إلى اتخاذ قرار استراتيجي بنقل قرابة 7,000 من العناصر الأكثر خطورة إلى مراكز احتجاز داخل الأراضي العراقية.
تتجلى خطورة هذه المسألة في أن “داعش” أعلن في فبراير 2026 عن “فصل جديد من المقاومة”، مستهدفاً استغلال عدم دراية القوات السورية الجديدة بالتضاريس المعقدة في وادي نهر الفرات والبادية، ما انعكس مباشرة على قدرة عناصره على اختراق الحدود العراقية والانضمام إلى الشبكات المتخفية في الأنبار ونينوى وصلاح الدين.
اقرأ أيضاً: عودة نشاط تنظيم “داعش” في سوريا: تصعيد أمني وخطوات استفزازية قرب البادية السورية – 963+
استراتيجية الاحتواء
يمثل ملف 7,000 عنصر منقولين إلى العراق معضلة قانونية دولية، حيث يفتقر العراق حالياً إلى تشريعات وطنية تجرم “الجرائم الدولية” مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب بشكل مستقل عن قانون مكافحة الإرهاب. تصر بغداد على أن محاكمة هؤلاء العناصر ستتم وفق القانون العراقي لعام 2005، الذي ينص على عقوبة الإعدام للانتماء إلى تنظيم إرهابي، وهذا يثير انتقاد المنظمات الحقوقية الدولية إذ تخشى من غياب معايير المحاكمة العادلة واستخدام اعترافات تحت الإكراه.
من منظور استراتيجي، يواجه القضاء العراقي ضغوطاً من اتجاهين: أولاً، المجتمع الدولي الذي يرفض استعادة مواطنيه الإرهابيين، ويحاول دفع العراق ليكون “سجاناً عالمياً” مقابل تعويضات مالية ودعم لوجستي؛ وثانياً، الحاجة المحلية لضمان عدم تحول مراكز الاحتجاز إلى بؤر للتجنيد وإعادة التوجيه الأيديولوجي، كما حدث في معسكر بوكا التاريخي.
لحل هذه المعضلة، تبرز الحاجة إلى “تأميم ملف المحاكمات” مع توفير رقابة دولية، والعمل على انتزاع اعترافات قضائية تساهم في تفكيك الهياكل المالية واللوجستية للتنظيم التي لا تزال تعمل في الخفاء. كما أن غياب الاتفاقيات الثنائية مع الحكومة السورية الجديدة بشأن تبادل الأدلة الجنائية قد يعيق إدانة العناصر في الجرائم التي ارتكبت على الأراضي السورية قبل انتقالهم للعراق.
المسار الاجتماعي: إعادة التأهيل والاندماج في مخيم الجدعة
لا يقتصر الحل على الإجراءات الأمنية والقضائية، بل يمتد ليشمل “القوة الناعمة” المتمثلة في إعادة تأهيل عوائل عناصر “داعش” العائدة من مخيم الهول. يعد مركز الجدعة (J1) في نينوى المختبر الرئيسي لهذه السياسة، حيث يخضع العائدون لبرامج مكثفة تمتد من 4 إلى 6 أشهر، تهدف إلى تفكيك الأيديولوجيا المتطرفة من خلال جلسات إرشاد نفسي، ودورات محو الأمية، وتدريب مهني يركز على الحرف اليدوية والمهارات التقنية.
تشير الدراسات الميدانية في عام 2026 إلى أن “الوصمة الاجتماعية” لا تزال تشكل العائق الأكبر أمام اندماج هذه العوائل، حيث تخشى المجتمعات المحلية في الأنبار وصلاح الدين من عمليات الثأر أو عودة هؤلاء الأفراد كخلايا نائمة. هنا يأتي دور “المصالحة العشائرية”؛ حيث يؤدي شيوخ العشائر دوراً حاسماً في توقيع اتفاقيات محلية تضمن سلامة العائدين مقابل براءتهم العلنية من فكر التنظيم وخضوعهم للمراقبة الأمنية المستمرة.
اقرأ أيضاً: “داعش” يعود إلى شرق سوريا.. ما تأثيره على المشهد الأمني؟ – 963+
الأبعاد الفكرية والدينية: دور الحوزة والمؤسسات الدينية في المواجهة
مع إعلان التنظيم عن “فصل جديد” من نشاطه، برزت أهمية الخطاب الديني المضاد كحائط صد أخير. تلعب حوزة النجف الأشرف دوراً محورياً في تطوير “الفكر السياسي والاجتماعي” الذي ينبذ التكفير ويعزز قيم الدولة والمواطنة. تتضمن الاستراتيجية الفكرية المقترحة:
– إطلاق برامج إرشادية مشتركة بين المؤسسات الدينية في النجف وكربلاء والأنبار لتوحيد السردية الوطنية ضد الفكر الداعشي.
– استخدام المنصات الرقمية لمخاطبة الشباب، خاصة أولئك الذين يتم استهدافهم عبر شبكات متطرفة مثل شبكة “764” التي تنشط في تجنيد القاصرين عبر الإنترنت.
– تفعيل دور “اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف” في وضع خطط عمل محلية بالمحافظات الأكثر عرضة للاختراق، مع التركيز على التعليم وبناء الهوية الوطنية.
إن مكافحة التطرف في “العصر الرقمي” تتطلب استباق التكنولوجيا، وهو ما أكدته المؤتمرات الدولية في بغداد عام 2026، حيث تم التشديد على ضرورة مراقبة المحتوى التحريضي وتطوير خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على اكتشاف لغة التجنيد في مراحلها الأولى.
تكامل المسارات لحل مستدام
إن حل مسألة “داعش” بالعراق بعد التطورات السورية الأخيرة ليس مجرد جهد عسكري محدود، بل هو “استراتيجية أمة” تتطلب تناغماً بين كافة مؤسسات الدولة. إن النجاح في تأمين الحدود بالتقنيات الحديثة، متبوعاً بمحاكمات قضائية شفافة، وبرامج إعادة تأهيل اجتماعي مدروسة، وتنمية اقتصادية حقيقية، هو الكفيل بتحويل التهديد الحالي إلى فرصة لترسيخ السلم الأهلي.
على الدولة العراقية أن تبقى يقظة تجاه “الذئاب المنفردة” والخلايا التي تحاول الانغماس في المدن السورية والعراقية الكبرى، مع استمرار الضغط العسكري الاستباقي في مناطق “الفراغات الأمنية”.
إن الهدف النهائي هو الوصول إلى حالة من “المناعة المجتمعية” حيث يصبح الفكر المتطرف غريباً ومنبوذاً، وتصبح الحدود جداراً تقنياً وبشرياً منيعاً يحمي تجربة الاستقرار العراقي الناشئة.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










