في تطور خطير يعيد إلى الأذهان ذكريات وحشية السنوات الماضية، شهدت معظم الأراضي السورية خلال الأيام الأخيرة تصعيداً أمنياً وعسكرياً غير مسبوق من قبل تنظيم “داعش”. فبعد سنوات من إعلان هزيمته الجغرافية، يطل التنظيم برأسه من جديد مستغلاً حالة التحول السياسي والأمني التي تعيشها البلاد.
يأتي هذا التصعيد بالتزامن مع كلمة مسجلة للمتحدث باسم التنظيم “أبو حذيفة الأنصاري” قبل أربعة أيام، وصف فيها الحكومة السورية الحالية بأنها “حكومة مرتدة وملحدة ولا تختلف عن حكومة الأسد”، ودعا عناصر التنظيم إلى تكثيف العمليات ضد القوات الحكومية. ولم تكن هذه الدعوة مجرد تهديد عابر، بل أعقبها تحرك ميداني سريع.
ففي الأيام الثلاثة الماضية وحدها، شهدت مناطق شرق الفرات وتحديداً في البادية السورية والرقة ودير الزور وتدمر ما يقرب من 12 هجوماً مسلحاً، وظهور بعض عناصر التنظيم في وضح النهار في مناطق متفرقة من تدمر ودير الزور والرقة، وقاموا برفع رايات التنظيم في تحدٍ صريح لسلطة الدولة، مما أثار هلعاً واسعاً بين صفوف المدنيين الذين عاشوا تحت حكم التنظيم لسنوات.
هذا النشاط المتجدد يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة التنظيم على إعادة بناء صفوفه واستغلاله للفراغ الأمني الناتج عن إعادة هيكلة القوات المسلحة السورية، وتأثير ذلك على مستقبل الاستقرار في البلاد.
اقرأ أيضاً: “داعش” يعود إلى شرق سوريا.. ما تأثيره على المشهد الأمني؟ – 963+
عودة ناعمة لـ”داعش”
ويصف العميد المتقاعد والخبير في شؤون الجماعات المتطرفة نوري الفريح المشهد قائلاً لـ”963+”: “إن ما يحدث هو عودة ناعمة لداعش، لكنها خطيرة. فما نشهده في الأيام الأخيرة هو تحول في استراتيجية التنظيم، فقد فقد قدرته على السيطرة على الأرض كما كان في 2014، لكنه يعود الآن كتنظيم سبات يستخدم تكتيكات حرب العصابات. خطوة المتحدث باسمهم كانت بمثابة إعلان حرب جديدة، والـ12 هجوماً الأخيرة هي مجرد جس نبض للقوات الحكومية. الأهم من ذلك، ظهورهم نهاراً في تدمر ودير الزور ورفع الرايات هي رسالة نفسية بامتياز، هدفها طمأنة أنصارهم بأن التنظيم لم يمت، وبث الرعب في صفوف المدنيين”.
ويضيف: “هناك عدة عوامل تساعد على عودة نشاط داعش بهذا الشكل، فالعوامل متداخلة: أولاً، الفراغ الأمني الكبير في البادية السورية الشاسعة التي يصعب السيطرة عليها. ثانياً، إعادة انتشار القوات الحكومية وانشغالها بملفات أخرى مثل التفاوض مع قوات سوريا الديموقراطية والقوات الدرزية، ما خلق ثغرات استغلها التنظيم. ثالثاً، المصادر تشير إلى أن التنظيم استفاد من حالة الفوضى التي أعقبت سقوط النظام السابق لتهريب قيادات وعناصر من مخيمات الاحتجاز في شمال شرق سوريا، خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي الجزئي وفقدان السيطرة على بعض السجون. هؤلاء هم الخبرات التي يعيد التنظيم بناء نفسه من خلالها الآن”.
ويرى العميد أن “المرحلة القادمة ستكون صعبة، فـ داعش يعتمد على خلايا نائمة وخبراء تفجير واغتيالات. أتوقع أن يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تستهدف نقاط التفتيش وخطوط الإمداد والنفط. فالتنظيم تعلم من أخطاء الماضي ولن يحاول التمركز في منطقة محددة، بل سيبقى متحركاً في الصحراء لضرب القوات الحكومية ثم الاختفاء”.
من جهة أخرى، يقول قيادي في وزارة الدفاع السورية، رافض الإفصاح عن اسمه لأسباب أمنية: “إن وزارة الدفاع والقوى الأمنية تتابع التهديدات عن كثب وتتعامل معها بجدية. فنحن في حالة جهوزية كاملة. ما يحدث من تصعيد إعلامي وخطوات استفزازية من فلول التنظيم صحيح، والأيام الأخيرة شهدت تحركات وهجمات خاصة في الرقة ودير الزور حيث استشهد عدد من جنودنا ومدنيون وأصيب آخرون. لكن قواتنا تقوم الآن بعمليات تمشيط واسعة النطاق في المواقع المستهدفة وفي البادية السورية، ونحن ندرك خطورة هذه الخلايا النائمة ولدينا معلومات استخباراتية دقيقة نعمل على أساسها”.
ويضيف القيادي لـ”963+”: “لا صحة لما تروجه بعض الجهات بأن انشغالنا بدمج قوات سوريا الديموقراطية في الجيش السوري صرف انتباهنا عن خطر داعش. بالعكس تماماً، عملية الدمج هي جزء من تعزيز الأمن الوطني واستقرار البلاد، فهذه العملية تهدف إلى توحيد الجهود العسكرية تحت قيادة مركزية واحدة، مما يسهل مكافحة الإرهاب، لأن كل الأراضي السورية ستخضع لسيطرة الدولة. نحن ننسق مع جميع الأطراف لضمان عدم وجود أي ثغرة يمكن للإرهابيين التسلل من خلالها. الانهيار الأمني الذي نتج عن سقوط النظام السابق وانسحاب قوات التحالف دون ترتيب كافٍ خلق فراغاً ونحن نعمل على ملئه بسرعة”.
اقرأ أيضاً: “داعش” يتبنّى هجوماً غرب الرقة والداخلية تعلن تحييد خلية وملاحقة المتورطين – 963+
“حل جذري”
يقول الناشط علي العيسى من مدينة الرقة لـ”963+”: “الخوف والذعر يعودان بقوة. الناس لم تنسَ وحشية داعش، رؤية رايتهم ترفع من جديد حتى لو لدقائق، وسماع أصوات الرصاص في الليل والنهار يعيد لهم ذكريات الإعدامات والذبح والرق الأبيض. هناك حالة من عدم الثقة بالأوضاع الأمنية، المدنيون يشعرون أنهم بين فكي كماشة: إما هجمات داعش الانتقامية أو الاشتباكات المسلحة التي قد تودي بحياة أبرياء. في الهجمات الأخيرة خلال اليومين السابقين، استشهد مدنيون بالإضافة إلى العسكريين، وهذا يزيد من حالة الاحتقان”.
ويضيف: “الناس تريد حلاً جذرياً، مجرد عمليات تمشيط مؤقتة لن تجدي نفعاً. نحتاج إلى استقرار اقتصادي وتوفير فرص عمل للشباب حتى لا تكون فرصة التجنب سهلة أمام التنظيم. كما أن وجود قوات أمن محلية مدربة من أبناء المنطقة تعرف تفاصيلها وخباياها وتعمل بالتنسيق مع الحكومة المركزية سيكون أكثر فعالية”.
أما أبو أحمد الذي رفض الكشف عن اسمه واقتصر على الكنية فيروي لـ”963+”: “قبل يومين كنت في السوق، وفجأة سمعت دوي إطلاق نار كثيف باتجاه أحد الحواجز العسكرية على أطراف مدينة تدمر، استمر الاشتباك لدقائق. في اليوم التالي سمعنا أن مجموعة مسلحة استهدفت سيارة للجيش بالقرب من الحادث. لكن الأمر الأكثر رعباً كان في وضح النهار، حيث رأينا مجموعة من ثلاثة إلى أربعة شباب ملثمين على متن دراجات نارية يرفعون الراية الداعشية السوداء في أحد الشوارع الفرعية قبل أن يختفوا بالسرعة. الناس عادت لتتذكر السنوات الماضية، ونحن المدنيون نقطف الثمرة مرة أخرى”.
ختاماً المشهد في سوريا يشهد منعطفاً خطيراً. تنظيم “داعش” الذي استغل دائماً حالات الفوضى والفراغ السياسي والأمني يجد في المرحلة الانتقالية الحالية أرضاً خصبة لإعادة بناء صفوفه.
وبينما تؤكد الحكومة السورية على قدرتها على وأد هذا الخطر، تبقى التساؤلات قائمة حول قدرة الجيش الذي يعيد هيكلة نفسه على مواجهة حرب عصابات في صحراء مفتوحة.
ويبقى صوت المدنيين الأكثر تعبيراً عن حقيقة المأساة، إنهم يخشون العودة إلى عصور الظلام في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات السياسية الكبرى. الأيام القادمة كفيلة بإثبات ما إذا كانت المرحلة الجديدة لـ”داعش” ستكون وميضاً سريعاً ينطفئ، أم أنها الشرارة الأولى لحرب طويلة ومتعبة تعيد البلاد إلى دوامة العنف من جديد.










