تشهد الساحة السورية في شباط/فبراير 2026 تصاعداً في التهديدات الأمنية، وسط جهود مكثّفة من وزارة الداخلية لمواجهة تنظيم “داعش” الذي يحاول استغلال الفُرص الأمنية والانقسامات السياسية بهدف إعادة ترتيب صفوفه وتنفيذ عمليات مسلحة في عدة محافظات شرقية.
وفي أحدث بيانات وزارة الداخلية، أكد وزير الداخلية أنس خطّاب أن قوات الأمن مستمرة في تنفيذ عمليات واسعة النطاق لتفكيك خلايا التنظيم ومطاردة عناصره في مختلف أنحاء البلاد، لا سيّما في المناطق التي شهدت تحسّناً نسبياً في الأمن والاستقرار، مشدّداً على التزام الأجهزة الأمنية بـ”مواجهة التهديدات وملاحقة العناصر الإرهابية دون انقطاع”، رغم تكبّدها خسائر في صفوفها خلال العمليات الأمنية الجارية.
وتشهد في هذا السياق محافظتا الرقة ودير الزور تصعيداً ميدانياً من قبل تنظيم “داعش” على الرغم من الإجراءات الأمنية المكثفة. ففي الرقة، أعلن بيان رسمي لوزارة الداخلية عن استهداف حاجز أمني غربي المدينة من قبل خلايا تنظيم “داعش”، ما أسفر عن مقتل أربعة من عناصر قوى الأمن الداخلي وإصابة آخرين، بينما تمكنت القوات من تحييد أحد المهاجمين وتواصل تمشيط المنطقة للقضاء على بقية العناصر في سلسلة هجمات متتابعة خلال يومين متتاليين.
وفي ريف دير الزور الشرقي، تعرض مقر للجيش السوري في محيط مدينة الميادين لهجوم من قبل عناصر التنظيم، ما أدى إلى مقتل جندي سوري أثناء تنفيذ العملية، وفق مصادر أمنية رسمية في سياق ما يبدو تصعيداً جديداً للتنظيم ضد مواقع القوات الحكومية.
وتُظهِر هذه التطورات أن التنظيم لا يزال قادراً على إجراء عمليات هجومية وتجنيد خلايا نشطة، رغم الضغوط الأمنية الداخلية، ما أدّى بوزارة الداخلية إلى تكثيف انتشار وحدات الأمن الداخلي وتنفيذ عمليات نوعية للقبض على المتورطين وإحباط هجمات أخرى.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تتصاعد فيه المخاوف من استغلال التنظيم للفراغات الأمنية، لا سيّما في المناطق الشرقية التي كانت قد شهدت تحسّناً نسبياً في الاستقرار، الأمر الذي يعقّد الجهود الحكومية في إعادة الأمن الشامل ويمثّل تحدياً أمام السلطات السورية لضمان أمن المواطنين والممتلكات في هذه المحافظات الحساسة.
اقرأ أيضاً: نقل “داعش” وإعادة ترتيب المخيمات.. مرحلة حاسمة في إدارة ملف معقد
تصاعد التهديد وتداعياته
يقول طلعت طه، محلل سياسي وخبير الشؤون العربية، ويقيم في القاهرة لـ”963+”: إن أبا حذيفة الأنصاري يحاول الآن التصعيد في سوريا، ويشير إلى أن ذلك يشكل تهديداً كبيراً لسوريا الجديدة أو للحكومة الجديدة، أو لما يُعرف بحكومة الشرع الجديدة.
ويضيف أن هذا التنظيم يسعى إلى استغلال الفراغ الأمني والانقسامات السياسية، ولذلك يريد أن يعيد تموضعه مرةً أخرى في أماكن حيوية.
ويوضح أنه يهدف، بطبيعة الحال، إلى تنفيذ هجمات مسلحة ضد قوات الحكومة السورية، إلى جانب استهداف المناطق السكنية والمدنيين.
كما يلفت إلى أنه يحاول أيضاً تجنيد أفراد جدد لصالح التنظيم، الذي يُعرف بمسمى “داعش”.
ويعتقد أن ذلك قد يؤدي إلى احتمالية دخول دول أخرى بحجة القضاء على “داعش”، باعتبارها منظمةً إرهابيةً، فيقولون إنهم سيتدخلون في الشأن السوري، وهو ما قد يفضي إلى تدخل دولي أوسع في الأراضي السورية من جانب قوى خارجية.
وينوه كذلك إلى أن ذلك يؤثر على الاقتصاد السوري المنهار، الذي يحاول الصعود أو الصمود في مواجهة التحديات الحاضرة والقادمة، ويعلل بأن هذا التصعيد يهدد الاقتصاد ويهدد البنية التحتية، كما يهدد أي استثمارات قادمة إلى سوريا، إذ قد يتم منعها أو على الأقل تعطيلها.
ويرى أن الواجب الآن على المجتمع السوري، وعلى الدولة السورية، هو التحالف مع الدول المجاورة والصديقة من أجل محاربة “داعش” ومحاربة كل أشكال “الإرهاب”.
اقرأ أيضاً: واشنطن ودمشق: مرحلة ما بعد القواعد
خيارات دمشق
يقول أيمن الدسوقي، الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، والمقيم في دمشق لـ”963+”: إن تنظيم “داعش” يواصل تصعيده ضد القيادة السورية الجديدة ممثلةً بالرئيس الشرع، رغم الانتكاسات التي طالته في الآونة الأخيرة إثر الحملات التي شنتها الحكومة السورية ضد خلاياه، بدعم وتنسيق من قبل قوى غربية وإقليمية.
ويشير إلى أن التنظيم وجد في التطورات على الساحتين المحلية والإقليمية فرصةً للتصعيد العملياتي، إذ إن عملية الدمج بين “قسد” والحكومة السورية ما تزال في بداياتها وتعتريها الشكوك، كما أن القوات الأميركية بصدد إعادة تعريف تموضعها في الجغرافية السورية.
في حين تواجه القوات العسكرية والأمنية للحكومة السورية عبء السيطرة والضبط الأمني لجغرافية عانت وما تزال من التهميش، وما تزال ساحةً للتنافس الخارجي، في وقت ينتظر فيه الإقليم خيارات الولايات المتحدة الأميركية تجاه إيران.
ويوضح أن هذا التصعيد تجلّى في عمليات هجومية خاطفة ضد أهداف تابعة للأمن والجيش السوري، تمثلت في عمليات اغتيال وهجمات على أهداف ثابتة كالحواجز، في بيئة يدرك التنظيم طبيعتها الجغرافية وديناميكيتها المحلية.
ويرى أنه لعل التنظيم يراهن على أن أعداء الحكومة السورية ومعارضيها كثر في تلك الجغرافية، بما يمنحه حلفاء ودعماً أكبر لشن عمليات إضافية.
كما لا يستبعد أن يلجأ التنظيم إلى استهداف النشاط الاقتصادي الحيوي في تلك المنطقة والمراكز الخدمية، أملاً في شلّ قدرة الحكومة السورية على التعافي وتأليب السكان المحليين ضدها.
ويعتقد أن خيارات الحكومة السورية تتمثل في زيادة التعاون والتنسيق الأمني الإقليمي من جهة، والحصول على دعم السكان المحليين من جهة أخرى، بما يقتضيه الأمر من الاستماع إلى مطالبهم واحتوائهم.










