بعد أكثر من عام على تحرير مناطق دير الزور من قبضة التنظيمات المسلحة، لا يزال الواقع الصحي في المنطقة هشاً للغاية، بل شهد تدهوراً أكبر مما كان عليه سابقاً. ورغم الوعود المتكررة من الجهات المعنية بتحديث وتحسين النظام الصحي، فإن الواقع على الأرض يظل مغايراً. تعاني المجتمعات المحلية من آثار الحروب والدمار، حيث فقدت الكثير من مقومات الحياة الأساسية، مما يزيد من معاناة السكان الذين يواجهون تحديات صحية واجتماعية واقتصادية يومية.
مدينة دير الزور، التي كانت يوماً ما مركزاً حيوياً للخدمات الصحية في شرق سوريا، باتت اليوم تعاني من نقص حاد في المستلزمات الطبية والأدوية والكوادر المؤهلة، إضافة إلى تدمير معظم البنية التحتية الصحية خلال سنوات النزاع.
معاناة
علي الحسين، رب أسرة من حي الجورة في مدينة دير الزور، يصف في تصريحات لـ”963+” الوضع الصحي لعائلته مقارنة بما قبل سنوات النزاع: “قبل الحرب، كنا نذهب إلى المشفى الوطني أو العيادات الخاصة، وكانت الأدوية متوفرة بأسعار معقولة. أما اليوم، فوالله العظيم، ابني الصغير عمره خمس سنوات يعاني من الربو، والدواء الذي كنت آخذه كلفته قبل عامين حوالي 5000 ليرة، واليوم سعره يتجاوز الـ 150,000، هذا إن وجدناه أصلاً.
ويضيف: مشكلتنا ليست مع الدواء فقط، بل نضطر إلى نقل المريض إلى مشفى آخر بسبب الازدحام في أقسام الطوارئ أو عدم وجود المستلزمات الطبية الأساسية، نشتريها من الصيدليات مثل المحاليل والمضادات. أكثر الأسر ليس لديها دخل ثابت، فأنا مثلاً كنت موظفاً حكومياً، أعيش أنا وعائلتي على الراتب، واليوم اضطر لبيع بعض أثاث المنزل لشراء الأدوية لابني. أصبحت أمراض الموت لا تكرهها بسبب المرض نفسه بل بسبب الفقر.
ويؤكد: يوجد منظمات، لكن الوصول إليها صعب، تحتاج وساطات وواسطة، وتوزيع ليس عادلاً. نسمع عن مساعدات تصل إلى أطراف معينة ولجان محلية دون غيرها. تقدمت مرتين للحصول على دعم لدواء ابني، ولم يصلني شيء، وآخرون استلموا أدوية وليسوا بحاجتها، وباعوها في السوق السوداء.
هذا الواقع المرير يتطلب تحسين الواقع الصحي بجدية، يشير الحسين. ويضيف: “أو اتركونا وشأننا، نعرف نتصرف. اتركونا من الوعود الإعلامية والتصريحات على القنوات. نحتاج مستشفيات تعمل، أدوية متوفرة بأسعار مدعومة، وكادر طبي يكون قريباً منا. والله مرضت قلوبنا من الحكي. فابسط الأمور الصحية، وهي تلقيح الأطفال، لا تزال شبه مقطوعة. الأمراض تنتشر بشكل كبير، وصوت المناشدات أعلى، لكن المسؤولين يعالجوننا بالوعود فقط. فنقول لهم أخيراً: لا تتركونا نموت بأمراض كان يمكن علاجها. نحن بشر، ولنا الحق في حياة كريمة. طفل صغير لا إثم له أن يموت فقط لأن الدواء غير متوفر أو البنية الصحية مهدمة. أرجو الانتباه إلينا”.
من ناحيته، يقول الناشط المحلي سعد العساف، وهو ناشط وطبيب متطوع من دير الزور لـ”963+”: “الوضع الصحي في دير الزور كارثة بكل موضوعية. لدينا اليوم خمسة مستشفيات فقط تعمل بشكل جزئي في كل محافظات دير الزور، التي كانت تضم قبل 2010 أكثر من 25 مشفى ومركزاً متخصصاً. البنية التحتية الصحية دُمرت بشكل شبه كامل. هناك نقص حاد في الأسرة الطبية، فمثلاً المشفى الوطني سابقاً كان يعمل بـ 450 سريراً، اليوم لا يعمل إلا بـ 50 سريراً”.
ويضيف: الوعود كثيرة، تلقينا وعوداً عدة من الإدارة الصحية الجديدة ومنظمات الأمم المتحدة، أنشأوا بعض العيادات المتنقلة، استوردوا دفعات من الأدوية، لكن للأسف هذه الإجراءات لا ترقى إلى حجم الكارثة. توزيع الأدوية بشكل مركزي وغير منظم، فتصل الأدوية متأخرة أو تنتهي صلاحيتها. وما حدث مؤخراً أن حمولة دواء كاملة دخلت إلى المنطقة، لكن 40% منها غير صالح للاستخدام بسبب سوء التخزين.
ويشير إلى أن الأمراض المعدية في ارتفاع كبير، لدينا حالات ملاريا بسبب تراكم المياه الراكدة، والتهاب الكبد الوبائي منتشر بشكل غير مسبوق، تُسجل عشرات الحالات في مناطق متفرقة من دير الزور. لو لم نتدخل سريعاً، كانت كارثة كبيرة. كما أن مرضى السكري والضغط وأمراض الكلى يعانون بشدة. مركز غسيل الكلى الوحيد يعمل بطاقة أكبر من طاقته بأكثر من الضعف.
ويؤكد أن الكادر البشري هو الأزمة الأعمق. معظم الأطباء والممرضين غادروا المحافظة بسبب الظروف الأمنية سابقاً وغياب الحوافز حالياً. الذين بقوا يعملون في ظروف استثنائية وإجهاد. طبيب واحد في العناية المشددة يغطي 20 مريضاً بدلاً من أربعة أضعاف، لا إنسانية. لا توجد برامج تدريبية ولا تطوير مهني. الحركة التطوعية موجودة لكنها محدودة وإمكانياتها صغيرة.
ويطالب بإعادة تأهيل البنية التحتية الصحية تدريجياً مع إعطاء الأولوية للمستشفيات الرئيسية. ثانياً: إنشاء صندوق دعم صحي محلي بتمويل دولي ومحلي. ثالثاً: برامج تدريب مكثفة للكوادر المحلية، خصوصاً التمريض والقبالة. رابعاً: مراقبة توزيع الأدوية بآليات شفافة ومشاركة مجتمعية. خامساً: حملات توعية صحية جادة عبر وسائل الإعلام والمساجد والمدارس. إذا لم يتحرك أحد الآن، فبعد عام سنكون أمام مأساة إنسانية لا تحمد عقباها”.
أضرار ومعوقات
من جانبه، يقول الدكتور مانع العبد، إداري في مشفى هجين العام في تصريحات لـ”963+”: “المشفى يعتبر من المشافي الكبيرة في المحافظة. تعرض سابقاً لأضرار جسيمة نتيجة القصف واستهدافه من قبل التنظيمات المسلحة. استطعنا إعادة تشغيله بمبادرة ذاتية من الكوادر الطبية المحلية وأهالي المدينة بالتعاون مع بعض المنظمات، لكننا نعمل حالياً بطاقة 15% فقط من إمكانياته الطبيعية. لدينا مثلاً 40 سريراً فقط، بينما كنا نملك قبل الحرب أكثر من 300 سرير.
ويضيف: نواجه معضلات كثيرة يومياً، منها نقص الأدوية والمستهلكات الطبية، نقص الوقود للمولدات الكهربائية، نقص الكوادر المؤهلة. أحياناً نضطر لرفض مرضى بسبب عدم وجود سرير أو أدوية، وأكثر ما يعنينا هو عمليات الطوارئ، نقص في التخدير والمضادات الحيوية والمحاليل. ثلاث مرات خلال الشهرين الماضيين كنا على وشك إغلاق قسم العمليات تماماً بسبب عدم توفير أدوات التعقيم الضرورية.
ويتابع: الكهرباء قد تنقطع لساعات متواصلة، والمولدات تعمل بتقنين شديد بسبب غلاء المحروقات. فتعطل قبل أيام جهاز التنفس الصناعي في العناية المشددة أثناء انقطاع التيار، واضطررنا للدفع اليدوي للمريض لأكثر من ساعة حتى تم تشغيل مولد احتياطي. هذه اللحظات لا تنسى، تشعرك بالعجز أحياناً. الجهات الرسمية توعدنا بتخصيص ميزانيات لكنها قليلة جداً وتصلنا متأخرة، والمنظمات الدولية تتفهم الحاجة لكن إجراءاتها بطيئة ومعقدة. أكثر ما يزعجنا أحياناً الاجتماعات والتنسيقات الطويلة دون نتائج. فنحن أطباء نريد أن نعالج الناس، لا نتفرغ للكتب والتقارير الإدارية.
ويشير إلى أن الذين لم يعيشوا تجربة مستشفى في منطقة محاصرة ومركبة لن يفهموا معنى اليأس الذي يأتي للطاقم الطبي. نرى بأعيننا أطفالاً يموتون بسبب أمراض يمكن علاجها، نرى أمهات يلدن على الأرض. نحن بحاجة إلى وقفة جادة وإعادة بناء حقيقية للقطاع الصحي، ليس من خلال التصريحات الصحفية، بل من خلال دعم ملموس وفوري. وأناشد كل من يقرأ هذا التقرير، إذا كان بإمكانك أن تقدم مساعدة أو تسلط الضوء على قضيتنا، فلا تتأخر. الأرواح التي تفقد اليوم كانت ناجية لولا الظروف القاسية”.
في المقابل، صرّح مسؤول في مديرية الصحة بدير الزور (رفض الكشف عن اسمه) قائلاً لـ”963+”: “نحن نتفهم تماماً حجم المعاناة التي يعيشها الأهالي، لكن يجب النظر إلى الصورة الكاملة. نحن نعمل في ظروف استثنائية وصعبة للغاية. البنية التحتية الصحية كانت مدمرة بنسبة تجاوزت 80% عندما تولينا مهامنا. إعادة الإعمار ليست بلمسة زر، تحتاج وقتاً وتكاليف ضخمة.
ويضيف: استطعنا إعادة تأهيل ثمانية مراكز صحية في مناطق مختلفة من دير الزور، أدخلنا أجهزة طبية جديدة إلى مشافي دير الزور وكمال الميادين، أبرمنا اتفاقيات مع منظمات دولية لتأمين السلاسل الباردة للأدوية والتلقيح، وأطلقنا حملات تحصين واسعة استهدفت أكثر من 100 ألف طفل تحت سن الخمس سنوات، كما أنشأنا غرفة طوارئ مركزية تعمل على مدار الساعة لتوجيه المرضى.
يقرُّ المسؤول بوجود نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية وتراجع الدعم الدولي، موضحاً أن القطاع الصحي يتلقى أقل من ثلث احتياجاته الفعلية. وأشار إلى وجود تجاوزات واتهامات بالمحسوبية في توزيع المساعدات، مؤكداً تطوير نظام تسجيل إلكتروني وتشكيل لجان رقابية لمعالجة الثغرات وملاحقة أي حالات فساد عبر شكاوى رسمية.
ويضيف أن إعادة تأهيل القطاع الصحي في دير الزور تحتاج سنوات ضمن خطة لإعمار المستشفيات والمراكز الصحية، مع توقع تحسن جزئي خلال أشهر. كما دعا المواطنين إلى الصبر والتعاون، وناشد الجهات المحلية والدولية الإسراع بدعم القطاع الصحي لأن الوضع لا يحتمل مزيداً من التأخير.










