في أعقاب اختطاف الولايات المتحدة رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، أطلقت إدارة ترامب مصطلحاً جديداً: “مبدأ دون رو” (Donroe Doctrine)، في إشارة مباشرة إلى مبدأ مونرو الذي يعود إلى عام 1823. إلا أن هذا استحضار خاطئ، يكشف عن سوء فهم متعمد للمصطلح الأصلي. فوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يستخدم مبدأ مونرو ستاراً قانونياً لتغطية تدخل عسكري يفتقر إلى أي أساس قانوني، لا دولي ولا دستوري. فهل يمنح مبدأ مونرو واشنطن الحق بشن عمليات عسكرية ضد دولة سيادية؟ والإجابة، بكل بساطة، لا.
في 2 ديسمبر 1823، ألقى الرئيس الأميركي جيمس مونرو خطاباً أمام الكونغرس ضمنه تحذيراً موجهاً إلى القوى الأوروبية. لكن هذا التحذير لم يكن قانوناً، ولا معاهدة، ولا كان جزءاً من الدستور الأميركي، إنما كان إعلاناً عن سياسة خارجية، لا أكثر ولا أقل. فحينها، كانت أميركا ضعيفة عسكرياً، فلا بحريتها قوية، ولا جيشها قادر على فرض إرادتها على القارة. وكانت بريطانيا هي الأقوى. وهكذا، كان مونرو يعلن عن موقف ديبلوماسي، وما كان يطبق تهديداً عسكرياً. فبعد انتهاء الحروب النابليونية في 1815، سرت شائعات بأن الأوروبيين يخططون لاستعادة مستعمراتهم في أميركا اللاتينية، فأعلنت الولايات المتحدة أن أي محاولة من هذا النوع خطرة على السلام الأميركي. لم تكن هناك التزامات عسكرية مباشرة، بل كانت وسيلة ديبلوماسية بحتة لتحديد نطاق الحراك السياسي.
إلا أن التحول الحقيقي جاء مع الرئيس ثيودور روزفلت الذي أضاف “مبدأ روزفلت” في 1905. فمبدأ روزفلت أكد حقّ الولايات المتحدة في التدخل في شؤون دول أميركا اللاتينية لفرض النظام. وروزفلت استخدم هذا المبدأ لتبرير التدخل الأميركي في الدومينيكان وهايتي ونيكاراغوا وغيرها بحجج مختلفة: الدين الخارجي، عدم الاستقرار، الحاجة لحماية الممتلكات الأميركية… كان الهدف الفعلي واضحاً: تثبيت النفوذ الأميركي وتأمين المصالح الاقتصادية للشركات الأميركية. وهكذا، أطاحت الولايات المتحدة الرئيس المنتخب جاكوبو أربنز في غواتيمالا لأن إصلاحاته هددت مصالح شركة يونايتد فروت الأميركية (1954)، ودعمت الانقلاب العسكري في البرازيل الذي أنتج ديكتاتورية دامت 21 سنة (1964)، وعملت بجد لإسقاط سلفادور الليندي في تشيلي ما عبّد الطريق أمام دكتاتورية أوغستو بينوشيه الوحشية (1973).
وها نحن نشهد استعادة لهذه السياسات الإمبراطورية القديمة تحت شعار جديد: Project 2025، وهو وثيقة شاملة من مؤسسة “هيريتدج” المحافظة، نشرت في 1424 صفحة، وتحتوي على استراتيجية واضحة لـ “إعادة تأكيد وفرض مبدأ مونرو”، محددة فنزويلا كـ “تهديد أمني إقليمي” و”ديكتاتورية استبدادية يسارية”. أما الأهداف بحسب الوثيقة نفسها، فهي استعادة الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، واستخراج الموارد الطبيعية، ومنع الصين وروسيا من بسط نفوذها، والسيطرة على طرق الهجرة والتهريب. وهذا كله لا يمت لحماية الديموقراطية أو حقوق الإنسان باي صلة.
النقطة الأساس التي يتجاهلها الأميركيون هي أن مبدأ مونرو ليست قانوناً دستورياً أميركياً. وبموجب الدستور الأميركي، الكونغرس—وليس الرئيس—يملك الحق في إعلان الحرب أو تصريح العمليات العسكرية الواسعة النطاق ضد دول سيادية. وأياً كانت مثالب مادورو، وهي كثيرة، فإنها لا تبرر تجاوز الكونغرس في قرار اختطاف رئيس دولة. وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، الذي صادقت عليه الولايات المتحدة، يُحظر استخدام القوة العسكرية ضد دول أخرى، إلا بتفويض من مجلس الأمن، أو إذا كانت دفاعاً ضد هجوم مسلح فوري أو وشيك، أو بموافقة الحكومة الشرعية للدولة المستهدفة. هذه الشروط كلها لا تنتطبق على فنزويلا. وربّ قائل: “لكن الأميركيين فعلوها من قبل”. ففي 1989، غزت الولايات المتحدة بنما واعتقلت رئيسها الجنرال مانويل نورييغا، مستخدمة الحجج نفسها: حماية الأميركيين، محاربة المخدرات، استعادة الديموقراطية. تذكيراً، غزو بنما لم يُصرح به تحت القانون الدولي، وأدانته الأمم المتحدة، تماماً كما يحدث الآن مع فنزويلا.
المشكلة الأعمق تكمن في أميركا وليس في فنزويلا: إذا قبل الأميركيون أن لرئيسهم السلطة لشن عمليات عسكرية ضد دول سيادية بناءً على اختياره الخاص لمبدأ سياسي قديم وغير ملزم قانوناً، فقد فتحوا الباب الباب واسعاً لفوضى دستورية عارمة، فهذه سابقة قابلة للتكرار في اي مكان وزمان. وما يحدث ليس جديداً من حيث الجوهر، لكنه مقلق من حيث التصعيد والوضوح. فترامب لم يكن غامضاً، وقال علناً إنه يريد الهيمنة في نفط فنزويلا، وإنه سيحكم فنزويلا بنفسه “حتى يتمكنوا من إجراء انتقال آمن وصحيح”. هذا ليس كلاماً عن الديموقراطية، بل عن الهيمنة الاقتصادية والعسكرية.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










