مخطئ من لا يرى في انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد “داعش” ضرورة أمنية – اقتصادية ملحة لحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع. عسكرياً، تعاني القوات السورية الجديدة نقصاً في التكنولوجيا والقدرات الاستخباراتية اللازمة لملاحقة خلايا “داعش” التي عادت لتنشط في البادية السورية وجنوب البلاد. وقد لمسنا في كانون الأول/ديسمبر الجاري تصعيداً كبيراً في العمليات العسكرية “المنسقة” بين دمشق والتحالف، أثمرت غارات جوية أميركية على نحو 70 موقعاً للتنظيم وسط سوريا، ومداهمات مشتركة، وتصفية أو اعتقال عشرات القيادات في التنظيم.
تسعى دمشق اليوم إلى تحقيق أهداف تتجاوز البعد العسكري للمسألة، في مقدمها انتزاع شرعية دولية ما زالت تفتقر إليها، ستسعى تالياً إلى رفعها لمستوى “الشراكة الموثوقة”. وبهذا، يمكن دمشق أن تسحب البساط من تحت أقدام “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) بسهولة أكبر، ما دامت حجة محاربة الإرهاب التي تتمسك بها “قسد” ساقطة “في يد الحكومة”.
ولا ننسى أن الشرع أدرك جيداً في رحلته الأميركية الجديدة أن لا تدفق للاستثمارات من دون استقرار تام للوضع الأمني، وتطبيع العلاقات مع القوى الكبرى، وهذا ما توفره مظلة التحالف الدولي.
لكن… الثمن باهظ على ما يبدو. ففخ التدجين الاستراتيجي منصوب على بوابة دمشق، ولعبة السيطرة الأميركية – الإسرائيلية مستمرة. وفي مصطلح “التدجين” يكمن جوهر المقاربة الغربية – الأميركية تجاه دمشق. فبدلاً من محاولة إسقاط الشرع والغرق في فوضى سورية عارمة، اختار محور واشنطن – تل أبيب الاحتواء الفعال، أي تحويل الرئيس السوري من زعيم متمرد بنجم صاعد إلى “وكيل أمني” مقابل بقائه في السلطة، في لعبة مستعادة من أيام حافظ الأسد. إنها مقاربة أميركية قائمة على واقعية قاسية يحب دونالد ترامب ممارستها، خصوصاً مع العرب.
بعد لقاء الرياض الشهير في أيار/مايو الماضي، كان المطلوب أميركياً من الشرع ضبط المقاتلين الأجانب المنتمين لتنظيمات جهادية عابرة للحدود أو ترحيلهم، والاندماج في “اتفاقيات أبراهام” بتطبيع العلاقات مع إسرائيل أو على الأقل الدخول في اتفاقيات أمنية ملزمة تضمن هدوء الجبهة الجنوبية، وفتح ملفات الأمن السوري لأجهزة الاستخبارات الغربية لملاحقة فلول “القاعدة” و”داعش”. كان رفع العقوبات الاقتصادية في حزيران/يونيو الماضي “جزرة” واشنطن، فيما رفعت تل أبيب “عصا” التوغل العسكري ودعم الانفصاليين الدروز في الجنوب، بعدما ساءها أن يتهمها الشرع بـ “محاربة الأشباح وخلق الفتن في السويداء”. لم يكن هذا الاتهام ظلماً، فإسرائيل تلعب ورقة “الأقليات” كأداة تدجين قوية عبر السويداء، وهدفها منع دمشق من بسط سيطرتها الكاملة على الجنوب السوري، ما يجعلها بحاجة دائمة للتفاوض مع تل أبيب لضمان استقرار النظام العام.
ما سبق كله لا ينفي أن تغلغل الفكر الجهادي في بنية الدولة السورية الجديدة هو التحدي الأكبر لاستقرار النظام. فبينما يحاول الشرع تقديم نفسه “رجل دولة معتدل”، يبقى صلب القوة العسكرية التي يعتمد عليها مكوناً من عناصر وفصائل تشربت الفكر السلفي الجهادي سنوات طوال. وحين توصلت الحكومة السورية في نيسان/أبريل الماضي إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لدمج المقاتلين الإيغور والأوزبك والقوقاز في الجيش بدلاً من ترحيلهم، بحجة “منعهم من نشاطات إرهابية عابرة للحدود”، وبضمان تحويلهم إلى “سلفية مدخلية” تقوم على طاعة عمياء للحاكم ليكونوا “أدوات طيعة” في يد الدولة، وجد تنظيم “داعش” ثغرة للعودة من خلالها: الاستثمار في “خيانة” الشرع لقومه… فأطلق حملة إعلامية وأيديولوجية شرسة لتفكيك حاضنة الدولة، متهماً الشرع بـ “نقض البيعة” و”العمالة للصليبيين”، بلغة دينية تداعب مشاعر مقاتلين أحبطتهم صور الشرع في أحضان دونالد ترامب. ولترجمة حملته هذه أفعالاً، تراجع عن السعي إلى “سيطرة مكانية” مفضلاً التخريب الاجتماعي لاستنزاف النظام، ما يبرر للتحالف الدولي تدخله بشكل أوسع، وهذا يعني المزيد من تدجين الشرع وإضعافه، وحتى التخلص منه ما دام فاشلاً في ضبط الأمور. وحتى يتم للتنظيم ما يريده، مجرد الحديث عن عودة “داعش” يخيف رأس المال “الجبان” ويُبعده عن سوريا، فيسقط رهان الشرع على أن الرخاء الاقتصادي المامول هو مفتاح تجاوز الأزمات الأيديولوجية والطائفية، خصوصاً أن دمشق تقدم نفسها منصة للتعاون والنمو، وممراً تجارياً استراتيجياً لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب. أي هجوم كبير لـ”داعش” يعيد البلاد إلى نقطة الصفر، فيكون الشرع وحيداً أمام غضب شعبي مدني – أيديولوجي – جهادي لا يرحم.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










