لم يكن مقتل الجنود الأميركيين في تدمر خرقاً أمنياً عابراً بالنسبة لواشنطن، بل نقطة تحول جوهرية في مسار التعاطي الأمني مع دمشق، إذ تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الإدارة السياسية الأميركية دعمها التام وتأكيدها لدمشق على محاربة الإرهاب، وداعش على وجه الخصوص، إلا أن ذلك لا يٌقرأ بهذه الطريقة في أروقة المؤسسات الأمنية والدفاعية الأميركية، خاصة وأن منفذ الهجوم هو أحد عناصر الأمن العام السوري، ما يعني أن القيادة العسكرية الأميركية في سوريا باتت مكشوفة في أي عملية مشتركة مع الجانب السوري، ويتطلب منها ذلك المزيد من الحرص في أي عملية مشتركة.
وفي نفس السياق، شكلت العملية الأمنية في تدمر حرجاً كبيراً لدمشق، والتي كانت قد بدأت أولى خطواتها في العمليات المشتركة مع الجانب الأميركي لمحاربة تنظيم داعش في منطقة البادية، إلا أن طبيعة الحادثة أوصلت رسالة مفادها أن العديد من أفراد الأمن مخترقون من التنظيم نفسه، وبالتالي حقق الهجوم بالحد الأدنى شرخاً استخباراتياً بين القوات الأميركية والسورية المشاركة في العملية.
قلق استراتيجي
تختلف وزارة الحرب الأميركية في قراءاتها للملف الأمني في سوريا عن السياسة الخارجية للبيت الأبيض والتي يمثلها المبعوث الأميركي توماس براك، إذ يبحث البنتاغون في الجوانب الأمنية التفصيلية للوضع العسكري في سوريا بشكل سري ومستقل في بعض الأحيان، واستطاع أن يُنشأ حلفاء استراتيجيين موثوقين داخل الأراضي السورية، ممثلين بقوات سوريا الديمقراطية شمال شرق الفرات، وجيش سوريا الحرة محيط قاعدة “التنف” العسكرية، وطوال السنوات العشر الماضية لم يحدث أي خرق أمني من داخل صفوف هذه القوات المتعاونة مع الجانب الأميركي، ما يشير إلى أن دمشق تساهلت أو تأخرت في تدقيق ملفات المقاتلين المنضمين لصفوف قوات التحالف لمكافحة الإرهاب.
إضافة إلى ذلك شكلت التصريحات الصادرة عن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية صدمة في الأوساط الأمنية حيث تحدث عن 5000 عنصر في منطقة البادية يتم العمل على تقييمهم، ومنهم جرى اكتشاف منفذ الهجوم على القوات الأميركية، وبالتالي بات التعاون مصدر قلق كبير للقوات الأميركية في الفترة الأولى ريثما يتم التدقيق والتحقق من هوية المنتمين لقوات الأمن العام في منطقة البادية، وغيرها من المناطق.
إجراءات أمنية
أقر تصويت مجلس النواب الأميركي بالموافقة على مشروع ميزانية وزارة الحرب، والذي بموجبه تم رفع العقوبات قيصر عن سوريا، إلا أن القانون يحمل بندين رئيسيين متعلقين بتجديد الميزانية السنوية بشكل مستقل لقوات سوريا الديمقراطية، وجيش سوريا الحرة، وهما قوات عسكرية على الأراضي السورية وموثوقة بالنسبة للإدارة الأميركية تدريباً وتسليحاً، وعليه يبدو أن البنتاغون سيركز في عملياته المقبلة على شركائه الرئيسيين في عملياته، ريثما تستطيع دمشق إيجاد صيغة أمنية موثوقة لأي عملية مشتركة، لا سيما وأن الشراكة في بداياتها وتأخذ شكلاً سياسياً لا عسكرياً، إذ أن التكلفة على دمشق ستكون باهظة جدا في حال تكرار هكذا خرق من داخل صفوف قواتها الأمنية.
بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن تعمل القيادة المركزية الأميركية على استراتيجية جديدة للتعامل مع القوات السورية، من حيث طبيعة الدوريات المشتركة، والمعايير الخاصة لقبول قوات الأمن العام السوري المشاركة في عمليات التحالف، ووضع صيغة تبادل استخباراتي مكثفة لتقصي العناصر، والقادة أصحاب المرجعيات المتطرفة، خاصة وأن وزارة الداخلية السوري هي الجهة المعنية بشكل مباشر عن التعاون مع قوات التحالف، وهو السبب الذي رفعت من أجله واشنطن اسم وزير الداخلية أنس خطاب إلى جانب الرئيس السوري عن لوائح العقوبات.
أوراق رابحة
لا شك أن الحادثة الأمنية في تدمر أعطت مبررات جديدة للعديد من الأطراف غير المتحالفة مع دمشق في الداخل السوري، وأبرزها قوات سوريا الديمقراطية والتي يجري العمل على ادماجها في الجيش السوري، إذ باتت قسد أكثر تصلباً بمواقفها بالاندماج ككتلة مستقلة في الجيش السوري، تحسباً من أي اختراقات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية لم تسلم القوات الأميركية منها.
إضافة إلى ذلك عززت الأقليات من رواياتها بوجود عناصر متطرفة داخل المنظومة الأمنية والعسكرية، وقضية التساهل من قبل دمشق بمحاسبة المتطرفين، والمتسببين بالانتهاكات، وهي الرواية التي تضغط تجاهها إسرائيل، من حيث وجود مخاوف تهدد أمنها القومي، وهو ما أكده السيناتور الأميركي ليندسي غراهام الحليف لدمشق، بأن إسرائيل محقة في حماية نفسها والأقليات، وهناك أدلة متزايدة على أن قوات الأمن السورية أكثر تطرفا مما يتم وصفها.
عقيدة عسكرية
لا شك أن مثل هذه الأحداث تضر بالمصالح السورية الأميركية، وصورتها أمام المجتمع الدولي، وفي هذا السياق يبدو واضحاً أن دمشق أمام مسارين إجباريين لا اختياريين، الأول متعلق بالغربلة العسكرية والأمنية لعناصرها، وإجراء دراسات أمنية مكثفة عنهم، إضافة إلى وضع شروط أكثر دقة وتشدد في قبول المنتسبين الجدد.
أما المسار الثاني يتعلق بتغير العقيدة العسكرية والأمنية، وانتقالها من دينية في الأكاديميات العسكرية إلى وطنية جامعة، الأمر الذي سينعكس بأدق التفاصيل على الجيش والقوات الأمنية، وهو في النهاية أحد أبرز المطالب الأميركية من الرئيس الشرع، إلا أن ذلك قد يصطدم بالعديد من المعوقات، خاصة وأن الجيش الوطني يعني أن تنصهر فيه كافة المكونات السورية دون أن تقتصر على مكون سوري واحد.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










