تتعدد الملفات المتشابكة والمعقدة بين سوريا ولبنان منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وتبقى جميعها لا سيما ملف المعتقلين السوريين في لبنان دون حل رغم مرور أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، وسط اختلافات بين الجانبين بشأن مقاربة وتسوية هذه الملفات بما يحفظ الحقوق القانونية والدستورية لهما، وبشكل يقود إلى حل نهائي دون المساس بحقوق الإنسان والجانب السيادي.
ملف المعتقلين السوريين
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2024، طفى على السطح ملف المعتقلين السوريين في لبنان، ومحاولات إنهاء هذا الملف، وتبادلت الحكومة السورية الانتقالية والحكومة اللبنانية الزيارات والاجتماعات بشكل متكرر على مدى الأشهر الماضية من أجل ذلك، لكن لم يتم التوصل إلى حل نهائي وبقيت القضية معلقة في ظل خلافات بين الجانبين بشأن كثير من النقاط، وذلك رغم الإعلان عن قرب التوصل لاتفاق، ودعوات دولية بضرورة إنهائه.
والأسبوع الماضي، نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” عن مصادر لبنانية، أن زيارة الوفد القضائي اللبناني إلى العاصمة السورية دمشق لم تحقق النتائج المرجوة بشأن التوصل إلى معاهدة قضائية جديدة لتنظيم آلية تسليم السجناء السوريين الموقوفين في لبنان، وأطهرت تبايناً واسعاً في مقاربة الطرفين لبنود مشروع الاتفافية، حيث رفضت دمشق غالبية ما تضمنته، بوصفها لا تلبي الحد الأدنى من مطالبها بخصوص استعادة السجناء السوريين.
وقالت المصادر، إن لبنان متعاون مع دمشق في معالجة ملف السجناء السوريين، ويقدّر رغبة سوريا في استكمال محاكمة الموقوفين لديها أو تنفيذ العقوبات داخل أراضيها، لكنها أقرّت بأن مشروع الاتفاقية يقتصر على المحكومين، ولا يشمل مَن لا يزالون يخضعون للمحاكمة، لأن تسليم الموقوفين يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب اللبناني، وهو غير متاح حالياً، فيما قال مصدر سوري إن مشروع الاتفاقية “ملغوم”، ولا يمكن القبول به، كاشفاً عن خلافات مستحكمة حول بندين اعتبرت فيهما الحكومة السورية الانتقالية محاولة التفاف من الجانب اللبناني على نقاشات سابقة، يتمثل الأول بمنح الدولة المسلِّمة (لبنان) الحق في رفض تسليم أي محكوم أو موقوف من دون تقديم أي تبرير، الأمر الذي اعتبرته دمشق يتيح للبنان الحق بعدم تسليم أي سجين سوري دون مساءلة قانونية، فيما اعتبر السوريون البند الثاني تدخلاً في صلاحيات سلطاتهم، وخاصة المادة 10 التي أراد لبنان مطابقتها لاتفاقية مع باكستان، والتي تحرم الدولة المسلَّم إليها (سوريا) من منح عفو للمحكومين أو الموقوفين المسترجعين من لبنان، خلافاً لما تسمح به الاتفاقية مع باكستان.
وتسلط هذه التفاصيل، الضوء على الخلافات بين الجانبين وتباعد الرؤية بشأن مقاربة الملف، وتفتح الباب أمام احتمالات لسيناريوهات متعددة، ترتبط بشكل أساسي إلى جانب موقف وأوراق كل طرف، بالموقف الإقليمي والدولي ومدى دعم أطراف أخرى لموقف كل جهة، لاسيما في ظل التطورات التي تشهدها سوريا والمنطقة، وحديث المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك في أكثر من مناسبة عن إمكانية “ضم لبنان إلى سوريا” في حال تعثر حلحلة الملفات الداخلية اللبنانية وعلى رأسها سلاح “حزب الله”.
الملفات رهن العلاقات السياسية
وبشأن مستقبل العلاقة والملفات المعلقة بين سوريا ولبنان، يشدد الكاتب والباحث السياسي ميشال الشمّاعي المقيم في بيروت، على أن “العلاقات هي رهن بالعلاقات السياسية بين الحكومة اللبنانية والسورية، حيث أنه لا يمكن أن يكون هناك تواصل بين سوريا وأي فريق لبناني أو بالعكس دون الرسمي”، معرباً عن اعتقاده بأن “الملفات العالقة سيتم حلحلتها خلال الفترة المقبلة، ريثما يتم الانتهاء من إعادة تشكيل السلطة في البلدين بشكل كامل”، مؤكدأً في الوقت نفسه خلال تصريحات لـ”963+”، على أن “الملفات يمكن حلها بشكل منفصل، لكن إن تم الوصول إلى توقيع اتفاق رسمي بين الجانبين، عندها يمكن الوصول إلى حلول نهائية بشكل أسرع”.
ويشير الشمّاعي، إلى أنه “لا يمكن استمرار ملف السجناء والمفقودين والأسرى بالسجون السورية أيام نظام بشار الأسد، بل يجب الوصول إلى نهاية لهذا الملف”، معتبراً أن “الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تلعب دوراً في حل الملفات العالقة بين سوريا ولبنان، على اعتبار أن لها دور كبير بعد التغيير الذي حصل في منطقة الشرق الأوسط”.
ضباط النظام المخلوع
ويلفت، إلى أن “ملف عناصر وضباط النظام السوري المخلوع الذين فروا إلى لبنان يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً لسوريا، لا سيما عبر المعابر غير الشرعية التي يسيطر عليها حزب الله في الجانب اللبناني، إلى جانب ملف المعتقلين السوريين الذين جرى اعتقالهم في لبنان إرضاءً للنظام المخلوع، وعدم اتخاذ خطوات جادة من بيروت بشأن إطلاق سراحهم خاصةً معتقلي الرأي، وهو أمر مرتبط أيضاً بمدى نفوذ حزب الله داخل المؤسسات الوطنية اللبنانية”.
وحول ترسيم الحدود، يؤكد الشمّاعي، على أن “هناك القرار 1680، والأبراج التي بنتها بريطانيا، حيث يجب تعزيز أفواج الحدود بين البلدين والقوات الأمنية لحفظ أمن الحدود”، ويشدد بالوقت نفسه على أن “على السلطات اللبنانية التحرك واتخاذ التدابير المناسبة لتسليم ضباط النظام المخلوع إلى سوريا، على اعتبار أن أيديهم ملطخة بالدماء السورية، وبعض القادة اللبنانيين كالرئيس رفيق الحريري، وجبران تويني، وأنطوان غانم، ومحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة”.
وينوّه الشمّاعي، إلى أن “أول ما يجب إلغاؤه هو اتفاقية الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة بين سوريا ولبنان، والتي تم بموجبها احتكار المرافق اللبنانية، والسيطرة على كل مقدرات الدولة اللبنانية”، مشيراً إلى أنه “في حال استمرار الملفات العالقة بين البلدين، فإنه يتوجب على الحكومة اللبنانية أن تتخذ القرار الذي تراه مناسباً للدولة السورية وللبنان، وأن تقوم بالضغط من أجل التوصل إلى حلول مرضية للطرفين، حيث أنه لا يمكن أن تحدث أي مقاطعة بين الجانبين”.
وفي آب/ أغسطس الماضي، قال وزير الداخلية والبلديات اللبناني أحمد الحجار، إن الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يشكلون 30% من مجموع السجناء في البلاد، وأضاف أن عدد السجناء السوريين في لبنان بلغ نحو 2400 سجين، مشيراً إلى أن بيروت لا تتوجس خطراً تجاهها من سوريا، وأن التنسيق بين البلدين قائم في القضايا المشتركة.
ومطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قال مصدر أمني لبناني، إن الجيش منع عسكريين سوريين من التمركز على تلة متنازع عليها بين البلدين عند جرود عرسال الحدودية، وأشار إلى أن وحدة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية تقدر ب 20 عسكرياً تمركزت في محلة الحلوة في البقاع كانت تشغلها “منظمة الصاعقة”، وأن الجيش اللبناني يعمل على إعادتهم إلى سوريا، موضحاً أن بلاده لا تمانع التنسيق مع الأمنيين في سوريا، إلا أنها لا تقبل بدخول أي عسكري سوري إلى الاراضي اللبنانية على طول السلسلة الشرقية من جبال لبنان.
وكان الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، قد تقبّل يوم الأربعاء الماضي، أوراق اعتماد سفير الجمهورية اللبنانية لدى سوريا هنري قسطون، في قصر الشعب بحضور وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني، في خطوة تهدف إلى تصحيح العلاقات بين البلدين وفتح صفحة جديدة من التبادل الديبلوماسي، بحسب ما نقلت حينها الرئاسة السورية في بيان رسمي.










