شكلت قضية اللاجئين السوريين على مدار الأعوام العشرة الأخيرة أزمة إنسانية وسياسية، وأداة ضاغطة استخدمتها العديد من الدول في خدمة مصالحها الداخلية والخارجية، وذلك لارتباطها بالدول الإقليمية المجاورة لسوريا، وصولاً لأوروبا، الأمر الذي لم يخرجها من دائرة الاستثمار السياسي، على الرغم من الجانب الإنساني لمعاناتهم.
خلال السنوات الماضية لعبت التيارات الحزبية اليمينية في الداخل الأوروبي دوراً لافتاً في حشد الرأي العام الغربي ضد اللاجئين وتحديداً السوريين، مستخدمين بذلك الذرائع الجنائية المرتبطة بتواجدهم، والإسلام فوبيا في أي أحداث أمنية تعكر صفو الاستقرار الأوروبي، إلا أن طبيعة الحرب المعلنة على نظام الأسد والعقوبات عليه، روض الجموح اليميني ضد اللاجئين على اعتبار أن إرسالهم لبلدانهم مدعاة للموت في ظل نظام الأسد، الأمر الذي يخالف القانون والمواثيق الدولية.
إلا أنه مع سقوط نظام الأسد في الـ 8 من ديسمبر 2024، أخذت قضية اللاجئين السوريين تأخذ منعطفاً يهدد استقرارهم في أوروبا، والتي ارتفعت فيها الأصوات المطالبة بإعادتهم، لانتفاء السبب الرئيسي بلجوئهم وهو سقوط الأسد، ليعزز ذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس كأول مسؤول أوروبي رفيع المستوى، والذي أعلن عن تأييده لعودة اللاجئين السورين، على اعتبار “إعادة الإعمار في سوريا غير ممكنة من دون هؤلاء الناس، ومن يرفض العودة يمكن ترحيله مستقبلاً”.
ورقة سياسية
استثمر نظام الأسد خلال السنوات العشر الماضية في ورقة اللاجئين السوريين، كنتيجة للعقوبات الأوروبية والأميركية عليه، إذ سهل كافة الإجراءات لخروج الملايين من السوريين إلى دول الجوار، وأبرزها تركيا، الأردن، لبنان، العراق، وهو الأمر نفسه الذي أدارته تركيا في العمل على إنشاء المنطقة العازلة في الشمال والدخول في العمق السوري، ومن جهة أخرى بالضغط على أوروبا عبر فتح الحدود البحرية تجاه اليونان للحصول على مكتسبات سياسية وصفها الاتحاد الأوروبي بـ “الاستغلال السياسي” خلال اجتماع طارئ لوزراء الداخلية في مارس 2020، الأمر الذي نفته تركيا جملة وتفصيلاً.
وعلى الرغم من الميزانية الأوروبية الخاصة لمعالجة أزمة اللاجئين، إلا أنها استطاعت اللعب سياسياً في الورقة السورية، على اعتبار أن نظام الأسد سبباً رئيسياً فيها، وهو ما زاد في موقفها السياسي الضاغط تجاه اسقاط الأسد.
مع سقوط النظام، وصعود الإدارة الجديدة الحليفة لتركيا، وانفتاح العلاقات السورية الأوروبية بشكل متسارع ورفع العقوبات، يبدو أن ورقة اللاجئين لم تعد تمثل ديناميكية دولية في اللعبة الإقليمية، إضافة إلى أن البيئة السورية لم تعد تشكل خطراً على العديد من السوريين غير المندمجين أوروبياً للعودة، إذ تشير البيانات الصارة عن المكتب الاحصائي الاتحادي في فيسبادن ألمانيا ارتفاع أعداد السوريين العائدين إلى وطنهم بنسبة 35.3% حيث تم تسجيل نحو 21 ألفاً و800 حالة مغادرة بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2025، وهي مؤشرات تعطي مساراً جديداً لوجود رغبة جزئية في أوروبا بالعودة إلى سوريا.
قضية إنسانية
تشير الأرقام الصادرة عن مديرية العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية إلى عودة 450 ألف سوري من تركيا عبر مختلف المعابر الحدودية منذ التحرير، و215 ألفاً عبر معبر باب الهوى، و135 ألفاً عبر معبر السلامة، إضافة إلى 250 ألف لاجئ آخرين عادوا من دول الجوار، بينهم 120 ألفا من لبنان، و100 ألف من الأردن، و20 ألفاً من العراق، أما أوروبا فقد سارعت فيه معظم الدول بعد سقوط نظام الأسد إلى توقيف، وتعليق طلبات اللجوء السابقة داخل أراضيها، وتفعيل قرارات الترحيل بحق المخالفين.
وعلى الرغم من ذلك لا تزال الأصوات الأوروبية تستقرأ الوضع في سوريا بطريقة مختلفة، إذ ترى أن الظروف الأمنية غير مناسبة حتى الآن في سوريا، إضافة إلى أن البنية التحتية ماتزال هشة، الأمر الذي أعرب عنه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير برفضه للتصريحات المتعلقة بإعادة اللاجئين السوريين في ألمانيا على الفور إلى وطنهم المدمر.
بالإضافة إلى ذلك ثمة العديد من التحديات التي لا تشكل دافعاً لعودة الأعداد الكبيرة من اللجوء إلى سوريا، ومنها نسبة الولادات الكبرى في دول المغترب وحالة الاستقرار، وغياب قانون الأحوال الشخصية السورية بشكل فعلي، سوء الخدمات، النظام التعليمي، المدن المدمرة، انتشار بؤر الصراع في الساحل والسويداء وشمال شرق الفرات، وغير ذلك من الأسباب التي لا تشجع على الإطلاق العودة إلى سوريا.
قانون دولي
لا شك أن إعادة اللاجئين بشكل جماعي يتعارض مع القوانين الأوروبية، والاتفاقيات الدولية، كاتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين واتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية، التي تمنع إعادة الأشخاص إلى أماكن قد تهدد حياتهم أو حريتهم، الأمر الذي ينطبق على الحالة السورية، إضافة إلى أن الإجراءات القضائية للاعتراض على رفض قبول اللجوء لا تزال سارية، وتدعمها العديد من المؤسسات الحقوقية المعنية بشؤون اللاجئين.
وعليه يبقى الخطر المحدق على الآلاف غير الشرعيين الذي لم يتم قبول طلبات لجوئهم، أو ارتكبوا الجنايات داخل الأراضي الأوروبية، فهؤلاء غير مشمولين بقانون الحماية واللجوء، ما ينذر بترحيلهم وفقاً لأوامر قضائية.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










