رغم تراجع محور الممانعة وتدهور قدرات إيران العسكرية والإقليمية، تظل انتخابات العراق أساسية لإيران لأسباب اقتصادية وسياسية واستراتيجية عميقة. فالعراق ليس حليفاً تكتيكياً بل عصب البقاء الاقتصادي والاستراتيجي للنظام الإيراني.
في حتمية اقتصادية، يمثل العراق أهم مصدر للعملة الصعبة والإيرادات غير المشروعة للنظام الإيراني وسط العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه. شبكة تهريب وقود ثقيل متطورة تُدِر على إيران وفصائلها الموالية ما بين مليار وثلاثة مليارات دولار سنوياً. هذه الشبكة تزدهر بشكل خاص منذ توليّ محمد شياع السوداني رئاسة الوزراء العراقية في 2022، وتعتمد على سيطرة الميليشيات الموالية لإيران – خاصة عصائب أهل الحق – على الهياكل الحكومية والنقاط الحدودية. وإضافة إلى التهريب، تجني إيران نحو مليار دولار سنوياً من الأرباح النفطية غير المشروعة من خلال تمويل الفصائل الموالية لها في القطاع النفطي العراقي، وفقدان السيطرة السياسية على بغداد يعني فقدان هذه الإيرادات الحيوية في لحظة تشهد الخزانة الإيرانية فيها ضغوطاً كبيرة.
سياسياً، حدث تحول جذري في المعادلة الإقليمية: فشلت استراتيجية محور الممانعة التي بنت عليها إيران عقوداً من الاستثمارات العسكرية والسياسية في تحقيق أهدافها الأساسية: فـ”حزب الله” في لبنان بلا قيادة فعلية بعد مقتل حسن نصرالله، كما أجبره القرار 1701 على الانسحاب من 190 من أصل 265 موقعاً عسكرياً في جنوب لبنان، وتسليمها للجيش اللبناني؛ وفقدت “حماس” قدرتها على العمل كقوة عسكرية منظمة بعد تدمير إسرائيلي دقيق استمر أكثر من عام؛ وانهار نظام الأسد في سوريا كلياً، ما قطع خط إمداد حيوي لنقل الأسلحة إلى أذرع إيران؛ والحوثيون في اليمن مستنزفون بهجمات جوية متكررة رغم استمرار نشاطهم المحدود. وما بقي لإيران إلا العراق، حيث تحافظ على حضور سياسي وعسكري وحقيقي، وفقدان العراق يعني فقدان أخيراً الممر الاستراتيجي الرئيسي للنفوذ الإيراني في المنطقة.
كشفت الحرب الإسرائيلية على إيران في حزيران/يونيو 2025 حقيقة مرّة: لم تقف الميليشيات الموالية لإيران إلى جانب طهران رغم كل الاستثمارات، فاكتفت الفصائل العراقية بإطلاق نحو 40 مسيّرة فقط، وفضّلت تجنب المشاركة المباشرة، ما أثار تساؤلات في طهران عن درجة ولائها والتزامها. اليوم، يسعى النظام الإيراني إلى إعادة تنظيم العلاقات مع الفصائل العراقية وضمان تحصين نفوذه قبل أن يضعفه أي تطور سياسي آخر. إنها فرصة إيران لإعادة تأكيد هيمنتها على الفصائل الموالية لها وإجبارها على الاختيار بوضوح بين الولاء للنظام أو الانجراف نحو خيارات براغماتية.
إلى ذلك، يشير تفتت التحالفات الشيعية التاريخية إلى تحول نحو الاهتمامات المحلية بدلاً من الولاء الإيديولوجي لإيران. الفصائل الشيعية الموالية لإيران منقسمة ومتنافسة على أساس قوائم انتخابية مختلفة، وهذا الانقسام انعكاس لضعف إيران نفسها.
دولياً، تواجه إيران ضغطاً أميركياً متصاعداً على العراق مع توقع إدارة ترامب أن تتخذ موقفاً أقسى إزاء النفوذ الإيراني. فقد حظرت الولايات المتحدة تحويل عملات أجنبية من بنوك عراقية موالية لإيران، ووصول الشركات الموالية لإيران إلى شبكات الائتمان، كما منعت إمدادات الكهرباء الإيرانية للعراق. هذه الضغوط تُقيّد الخيارات المتاحة أمام إيران.
إزاء ذلك، تحولت استراتيجية إيران من الاعتماد على القوة العسكرية إلى الاعتماد على الآليات الحكومية والمؤسسية. وزيارات علي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى العراق ولبنان تجسّد هذا التحول نحو الديبلوماسية. إلا أن طهران تخشى أن تنجرف الفصائل الموالية لها نحو التطبيع مع الخيار الأميركي. في المقابل، فوز السوداني بولاية ثانية – وهذا قد يحدث رغم محاولات إيران تقويض موقفه – إشارة إلى أن استراتيجية “الموازنة” بين طهران وواشنطن ممكنة، وهذا يهدد نموذج الولاء الكامل الذي كانت إيران تفرضه.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










