تدخلت الدولة العميقة بالولايات المتحدة في قضايا قانونية عدة، تشمل أحداثاً وتحولات بارزة مثيرة للجدل والشبهات حول تأثير قوى سرية وغير معلنة على السياسات والمصالح الأميركية، في مقدمها اغتيال الرئيس جون كيندي في عام 1963، ويُعتبر من أبرز القضايا التي أثارت شكوكاً حول تدخل أجهزة الاستخبارات وعناصر الدولة العميقة في تقويض المسؤولين الذين يشكلون تهديداً لمصالحها. وهناك أيضاً فضيحة ووترغيت (1972-1974)، التي ترتبط بالرئيس ريتشارد نيكسون، حيث أظهرت فضيحة التجسس على الحزب الديموقراطي الأميركي وتسريب معلومات من مصادر داخل المؤسسات الحكومية ساهم في الكشف عن الفضيحة، وكان الصحفي المعروف بـ “ديب ثروت” أحد المصادر الرئيسية.
هناك أيضاً تدخل أجهزة الاستخبارات الأميركية في السياسة الخارجية، حيث تُستخدم في التجسس والتخريب والعنف تحت غطاء مكافحة الإرهاب، مع توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل عدة أدوار سياسية وعسكرية. وثمة مزاعم عن تأثيرات للدولة العميقة على الانتخابات الأميركية، لا سيما خلال فترات ظهور وانتخابات دونالد ترامب، حيث اتُهمت أجهزة حكومية وخبراء بتنظيم حملات ضغط وتضليل تهدف إلى التأثير على نتائج الانتخابات. وهناك شبكة معقدة من العلاقات بين البيروقراطية الحكومية، أعضاء الكونغرس، ووسائل الإعلام، إلى جانب الجماعات الخاصة التي تمارس الضغط السياسي (اللوبي) لتعزيز مصالحها داخل العاصمة واشنطن.
قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه دائماً محارباً للدولة العميقة، وهدد بفضح التجسس والفساد المزعوم للمؤسسات الحكومية، مع تبني سياسات لإعادة هيكلة الإدارة وتقليل نفوذ الموظفين غير المنتخبين. بالتالي، تظهر تدخلات الدولة العميقة في الولايات المتحدة في قضايا تتراوح بين تجسس داخلي، فضائح سياسية كبرى، التأثير على السياسة الخارجية، ومحاولات التأثير على العملية الانتخابية، مما يجعلها عنصراً مثيراً للجدل في الساحة السياسية الأمريكية.
نهج ترامب
يجادل جون مايكلز، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا، بأن الهياكل الحكومية الأميركية “شفافة تقريبًا بالكامل” مقارنة بالدول النامية. وتتميز البيروقراطية الأميركية من الدول العميقة التقليدية بخمس طرق رئيسية: ليست نخبوية، ليست خفية، ليست موحدة، تعمل كحاجز دفاعي وليس كقوة هجومية، وتعمل ضمن حدود دستورية.
يرى العالم السياسي ستيفن والت أن لا وجود لدولة عميقة في أميركا، مشيرًا إلى أن “إلى الحد الذي توجد فيه نخبة ثنائية الحزب للسياسة الخارجية، فهي تختبئ في العلن”. ومع ذلك، يشير أستاذ جامعة تافتس مايكل غلينون إلى فشل الرئيس السابق باراك أوباما في إغلاق خليج غوانتانامو رغم وعود الحملة بأنه دليل على وجود “حكومة مزدوجة” مقيدة.
يشمل نظام الخدمة المدنية ضمانات مثل قانون “هاتش”، والعمليات الإدارية لمعالجة السلوكيات السيئة. لكن الحماية الحالية تجعل من الصعب فصل الموظفين الفيدراليين. ففي السنة المالية 2020، كانت نسبة الفصل 0.25% فقط من الموظفين المحصنين. توفر هذه الحماية الوظيفية مجالًا للمقاومة لكنها أيضًا توفر الاستقرار والخبرة عبر الإدارات.
يشمل نهج ترامب لتفكيك الدولة العميقة المزعومة إعادة تصنيف المناصب ضمن الجدول “F” – وتحويل عشرات الآلاف من المناصب المهنية إلى تعيينات سياسية، وتأليف وزارة كفاءة الحكومة بقيادة إيلون ماسك لتخفيض الإنفاق وتصغير الخدمة المدنية، وتطهير إنفاذ القانون الفيدرالي – إعادة هيكلة FBI وDOJ ومحاكم FISA، نقل الوكالات – نقل المكاتب الفيدرالية من واشنطن العاصمة، توسيع السيطرة الرئاسية على الإنفاق – تجاوز الكونغرس عبر الاحتجاز.
المعارضة البرلمانية والقانونية
عارض المشرعون الديمقراطيون بشدة مزاعم الدولة العميقة والتغييرات المتعلقة بالكوادر. وانتقد السيناتور ديك دوربين مرشح ترامب كاش باتيل باعتباره “موالياً متطرفاً لـ MAGA قد يجعل بلادنا أقل أمانًا”. أدت “قائمة الأعداء” التي تضم 60 عضوًا مزعومًا من الدولة العميقة إلى اتخاذ أفراد إجراءات وقائية، بينها نقل العائلات.
ظهرت تحديات قانونية ومقاومة من الموظفين الفيدراليين كتكتيكات رئيسية للمعارضة. وسجل أكبر اتحاد للعمال الفيدراليين زيادة قياسية في العضوية، حيث انضم 4,000 عضو جديد في فبراير 2025 فقط. نظم الموظفون الفيدراليون احتجاجات ويتابعون إجراءات قانونية بينما يعملون على تشكيل الرأي العام.
يجادل الموظفون المدنيون المهنيون وأنصارهم بأنهم يوفرون ضوابط أساسية على السلطة الرئاسية ويعملون كحماة للمؤسسات الديمقراطية. يبرزون دورهم في ضمان الاستمرارية والخبرة والالتزام بالقانون عبر تغيرات الإدارات السياسية. يرى البعض أن أنشطة المقاومة ليست معارضة حزبية بل دفاع عن المبادئ الدستورية والمعايير الديموقراطية.
نقاش الدولة العميقة يعكس في النهاية توترات أوسع بين المساءلة الديمقراطية والخبرة الإدارية، السيطرة السياسية والاستقرار المؤسسي، والسلطة المنتخبة والكفاءة المهنية. رغم أن ادعاءات المؤامرة المنظمة تفتقر إلى أدلة ملموسة، تبقى التوترات الكامنة حول السلطة البيروقراطية والسيطرة السياسية والحكم الديمقراطي مركزية في الخطاب السياسي الأمريكي.










