هل نصف من يسقطون في غزة قتلى، ضحايا، أو شهداء؟ سؤال أقام القيامة شهراً كاملاً في لبنان، وبعض الدول العربية الأخرى التي لا يسوقها سائق إسلامي، بعد “غزوة 7 أكتوبر” والرد الإسرائيلي المستمر عليها منذ عامين كاملين. وصل الأمر في لبنان أن تبادل اليمين و”حزب الله” المعايرة: من ينال من قداسة شهدائنا، لن نوفر شهداءه.
لن نخوض في ما تقوله النصرانية في هذا الأمر، إلا أن من يختم القرآن كله، لن يجد فيه لقاء بين كلمتي شهادة وموت: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، 196]، وما قال الله شهداء. وبعد غزوة أحد، قال عمر لأبي سفيان: “لسنا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”، وما قال شهداؤنا في الجنة. فالشهيد حي لا يموت من باب “والله على ما نقول شهيد”، وهو الشاهد على حدث: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء، 15]، أي جيئوا بأربعة شهداء، كما في ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة، 282].
إلا أن الإسلام السياسي أسبغ سمة القداسة على قتلاه، تفريقاً عن باقي القتلى. ووصل الأمر بالراحل حسن نصرالله أن وصف المتهمين بقتل رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري بأنهم “قديسون”، بمعنى أن لا يد تمسّهم.
إن الحديث عن استغلال المقدس في السلطة ليس جديداً في تاريخنا. مع انتهاء عصر صدر الإسلام، ثم اندثار الدولة الأموية، عاد التقديس السياسي مع العباسيين، إذ ارتبطوا رأساً ببلاد فارس، وكان أهلها على التشيّع. لكن، ما يميز تجربة الإسلام السياسي المعاصر هو دقة التوظيف وحرفية الاستثمار في المشاعر الدينية: تحويل مفاهيم مقدسة كالجهاد والحاكمية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى شعارات انتخابية وأدوات سنية للتعبئة السياسية، ومثلها “الوفاء لدماء الشهداء” أداة شيعية للمتاجرة الانتخابية في جنوب لبنان وبقاعه.
لعل النموذج الإيراني هو أشد النماذج فجاجة في استغلال المفهوم الديني للحاكمية، إذ تم تطوير نظرية “ولاية الفقيه” لتصبح نظاماً سياسياً كاملاً يحكم بلداً بأكمله. فهناك، يصبح الفقيه ناطقاً باسم الله. فآية الله الخميني قرر في لحظة سلطة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي برمته، فمنح الفقيه سلطات مطلقة تعادل “سلطات النبي”، فكانت الجمهورية الإسلامية في إيران، تحكم باسم الله بينما يبحث 30 مليون إيراني عن قوتهم في حاويات القمامة.
في النموذج السني، طور سيد قطب مفهوم الحاكمية ليصبح “عصب فكرة الإسلام السياسي”، فقسم العالم إلى معسكرين: “حزب واحد لله لا يتعدد، وأحزاب أخرى كلها للشيطان والطاغوت”، علماً أن الحزب الذي يدعي تمثيل الله يمارس فساد الأحزاب الشيطانية نفسها. وإن ذكرنا هذا بشيء فإنما يذكرنا بالإله جانوس في الإرث الرُّوماني، وكان حارسًا لباب السّماء، وله وجهان: واحد يؤدي إلى النعيم وآخر إلى الجحيم.
عند أهل السنة والجماعة أم عند الشيعة، لا يقوم الإسلام السيّاسي إلا بشرعية الحكم التي يسترزقها من الشريعة. ولا تصان هذه الشريعة إلا بدولة إسلامية. ووظيفة هذه الدولة الإسلامية جهاديةٌ: حراسة الشريعة، كما قال الماوردي. لكنّ قراءة التاريخ الإسلامي نفسه، وتاريخ الحركات الإسلامية التي حكمت والتي ما زالت تحكم، تجزم بأن الشريعة هي من يحرس الدولة الإسلامية، لا العكس، وهي دولة تسعى إلى أن تكون نداً للدولة القومية الأوروبية، وتفشل في ذلك.
بناءً عليه، لا نغالي إن خلصنا إلى أن الإسلام السياسي في الأرض وعرضها يقوم على وهم الدولة الإسلامية، وانفراط عقد هذه الدولة يؤدي إلى انهيار المقدس الذي بنى عليه الإسلام السياسي فكرة الحكم كلها، بعد التقائه – بالممارسة – مع المدنس في ازدواجية فكرية قاتلة. وهكذا، تتميز تجربة الإسلام السياسي العربي بالتناقض البنيوي الذي يعتريها؛ إذ كيف يمكن حركة تدعي تطبيق شرع الله أن تمارس ديموقراطية تقوم على سيادة الشعب؟ وكيف يمكن حزب “إلهي” أن ينخرط في مساومات سياسية دنيوية؟
في نهاية المطاف، يعيّن الإسلاميون الله محامياً سياسياً عنهم، فيما تكشف تجربتهم عن “مأساة الإسلام السياسي”. فالحركات التي ادعت حمل راية الدين انتهت إلى تشويه صورته أمام العالم. وبدلاً من أن تكون نموذجاً للعدالة والرحمة، أصبحت رمزاً للفشل والاستبداد.
وعود على بدو، نية التقديس لا تكفي، فنفس الإسلاميين أمارة بالسوء السياسي، والشريعة لا تفترق كثيراً عن الشيوعية أو أي عقيدة أخرى؛ ما كان فشلها السياسي عيباً فيها، إنما في من فرضوا أنفسهم حراساً عليها، ومنفذين لأمرها.










