شهدت منصات التواصل الاجتماعي مثل “يوتيوب” و”تيك توك” و”إنستغرام” في السنوات الأخيرة، انتشاراً واسعاً لمقاطع الفيديو المُنتجة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح بإمكان أي شخص إنشاء محتوى مرئي بسهولة وسرعة دون الحاجة إلى مهارات تقنية عالية أو موارد بشرية كبيرة.
ويعود هذا الانتشار الكبير إلى التطور الهائل في أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت متاحة للجمهور، مما سمح للمستخدمين بإنتاج مقاطع فيديو تبدو احترافية من حيث الجودة الشكلية، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى القيمة الحقيقية أو الأصالة الإبداعية.
وقد أدى هذا التوجه إلى قيام العديد من منشئي المحتوى بالاعتماد الكلي على هذه التقنيات في سعيهم لتحقيق الربح السريع من خلال برامج الشراكة التي تقدمها هذه المنصات.
وفي ظل هذا الانتشار الواسع للمحتوى المُولد آلياً، قررت منصة “يوتيوب” – وهي إحدى أكبر المنصات العالمية لمشاركة الفيديو – اتخاذ إجراءات صارمة للحد من هذه الظاهرة.
اقرأ أيضاً: السفر عبر الزمن.. بين الواقع والخيال – 963+
فقد أعلنت المنصة مؤخراً عن تحديث جوهري لسياساتها الخاصة ببرنامج شركاء يوتيوب (YouTube Partner Program)، والذي يسمح للمبدعين بتحقيق دخل من مقاطع الفيديو الخاصة بهم.
وجاء هذا القرار بناءً على تقارير عديدة أشارت إلى تزايد المحتوى المكرر أو منخفض الجودة الذي يعتمد بشكل كلي أو شبه كلي على تقنيات الذكاء الاصطناعي دون إضافة أي جهد إبداعي حقيقي.
ومن المقرر أن تدخل هذه التحديثات حيز التنفيذ اعتباراً من 15 تموز/يوليو 2025، حيث ستشمل تغييرات مهمة في طريقة تقييم المحتوى المؤهل للربح.
وتؤكد السياسة الجديدة ليوتيوب على ضرورة أن يكون المحتوى “أصلياً” و”أصيلاً” لكي يكون مؤهلاً لتحقيق الدخل، بينما سيتم استبعاد المقاطع التي يتم إنتاجها بكميات كبيرة أو تلك التي تعتمد على إعادة تدوير المحتوى الموجود مسبقاً دون إضافة قيمة حقيقية.
كما ستقوم المنصة بتحديث أدواتها وخوارزمياتها لاكتشاف هذا النوع من المحتوى بشكل أكثر دقة، حيث سيتم تصنيف المحتوى الذي يعتمد بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي دون تدخل إبداعي بشري كافي ضمن فئة “المحتوى المزيف” أو “منخفض الجودة”.
ومن الجدير بالذكر أن هذه التغييرات لن تؤثر بشكل كبير على المنشئين الذين يقدمون محتوى أصلياً يعكس جهداً إبداعياً حقيقياً، لكنها ستشكل تحذيراً واضحاً لأولئك الذين يعتمدون بشكل كلي على الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتواهم.
اقرأ أيضاً: سوريا من العزل إلى الذكاء الاصطناعي – 963+
وقد أثار هذا القرار نقاشاً واسعاً في أوساط مجتمع المنشئين، حيث أعرب بعضهم عن مخاوفهم من أن تشمل هذه السياسة أنواعاً معينة من المحتوى التي تعتمد جزئياً على الذكاء الاصطناعي في بعض عناصرها، مثل مقاطع الفيديو التي تستخدم التعليق الصوتي المُولد آلياً أو تلك التي تعيد استخدام لقطات من أعمال أخرى ضمن سياق تحويلي.
إلا أن مسؤولي يوتيوب أوضحوا أن التحديث يهدف في المقام الأول إلى استهداف المحتوى الذي يتم إنتاجه بكميات كبيرة دون أي جهد إبداعي يذكر، مع التأكيد على أن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في عملية الإبداع لا يمثل مشكلة طالما أن المحتوى النهائي يحمل بصمة المبدع الحقيقية ويقدم قيمة للمشاهدين.
ويعكس هذا التوجه من قبل يوتيوب مخاوف أوسع في صناعة المحتوى الرقمي حول التأثيرات السلبية لتقنيات الذكاء الاصطناعي على جودة المحتوى المعروض للمستخدمين. ففي الماضي، كان إنشاء محتوى فيديو يتطلب جهداً كبيراً سواء في التصوير أو المونتاج أو الكتابة، إلا أن الأدوات الحديثة مكنت أي شخص من تجميع مقاطع من مصادر مختلفة، وإضافة تعليق صوتي آلي، ونشر المحتوى في دقائق معدودة.
وقد أدى هذا إلى ظهور ما يسمى بـ”مخلفات الذكاء الاصطناعي”، وهي المحتويات التي تفيض بها المنصات اليوم، والتي تستهلك موارد الخوادم وتلوث تجربة المستخدمين دون تقديم أي فائدة حقيقية.
ومن ناحية أخرى، يشكل هذا القرار تحدياً كبيراً للمنشئين الذين بنوا استراتيجياتهم بالكامل على إنتاج محتوى معتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث سيضطرون الآن إما إلى تعديل أساليبهم أو مواجهة خطر الإقصاء من برنامج الشراكة. كما أن هذا القرار قد يشكل سابقة لمنصات أخرى قد تحذو حذو يوتيوب في فرض قيود مماثلة، مما قد يعيد تشكيل المشهد الرقمي بأكمله في السنوات المقبلة.










