في خطوة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ المالية العامة السورية، بدأت وزارة المالية التحضير لإصدار صكوك سيادية، كأداة تمويلية جديدة تسعى من خلالها الحكومة إلى تأمين موارد غير تضخمية، وسط تحديات اقتصادية معقدة وتضاؤل الخيارات التقليدية للتمويل، وبحسب ما أُعلن عقب اجتماع لجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية برئاسة وزير المالية محمد يسر برنية، فإن المشروع لا يقتصر على تأمين التمويل، بل يتعداه إلى محاولة تأسيس بنية مالية أكثر تطوراً، عبر إيجاد مؤشر مرجعي لتسعير الأصول، وتفعيل أدوات السياسة النقدية لدى مصرف سوريا المركزي.
في المكاتب الحكومية، تبدو الفكرة متماسكة: أدوات مالية، أصول، عوائد، وسيولة يمكن ضبطها. لكن في السوق، حيث تُتخذ قرارات الادخار بشكل يومي وتحت ضغط الحاجة، تختلف المعادلة. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومة تحويل هذه الأداة من فكرة نظرية إلى سوق حقيقية قادرة على جذب المستثمرين؟
ما هي الصكوك السيادية؟ ولماذا الآن؟
يقول الخبير المالي عبدالناصر إسماعيل في تصريحات لـ”963+” إن الصكوك السيادية هي أدوات مالية تشبه السندات الحكومية، لكنها تتوافق مع مبادئ التمويل الإسلامي، إذ تقوم على ربط التمويل بأصول حقيقية أو مشاريع إنتاجية، بدل الاعتماد على الفائدة، بمعنى آخر، فإن الدولة لا تقترض أموالاً مقابل فوائد، بل تطرح حصصاً في مشاريع أو أصول، يحصل المستثمرون مقابلها على عوائد مرتبطة بالأداء الفعلي لتلك الأصول.
أما لماذا الآن؟ فيرى إسماعيل أن التوجه نحو الصكوك يأتي في ظل ضغوط مالية متزايدة، حيث تعاني الموازنة العامة من عجز مزمن، ومحدودية الإيرادات العامة، وتضخم مرتفع مرتبط جزئياً بالتمويل النقدي، وضعف الوصول إلى أسواق التمويل الخارجية، وفي وقت أصبحت فيه أدوات التمويل التقليدية، مثل التمويل بالعجز أو التوسع النقدي، مرتبطة بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية، وفي هذا السياق، تبدو الصكوك محاولة لإيجاد بديل عن التمويل التضخمي، عبر جذب مدخرات محلية وربما إقليمية، وربط التمويل بأصول حقيقية.
ويشير إلى أن البحث عن “تمويل غير تضخمي” يعكس إدراكاً رسمياً لمحدودية الاستمرار في طباعة النقود أو الاعتماد على مصادر داخلية تقليدية، لافتاً إلى أنه إذا طُبّقت الصكوك بطريقة شفافة ومرتبطة بمشاريع إنتاجية حقيقية، فقد تشكل خطوة نحو كبح التضخم وتحسين كفاءة الإنفاق العام، لكن نجاحها يعتمد على ثقة المستثمرين ووضوح البيئة التشريعية.
وعن سؤال: ما الذي يمكن أن تموّله الصكوك؟ يجيب إسماعيل في التجارب الدولية، تُستخدم الصكوك عادة لتمويل مشاريع البنية التحتية (طرق، كهرباء، مياه) ومشاريع الطاقة، وتطوير أصول حكومية قائمة.
ويرجح أنه في الحالة السورية، ستتجه الحكومة نحو ربط الصكوك بأصول قائمة (مثل عقارات أو مرافق عامة)، بدل مشاريع جديدة تحتاج إلى استثمارات ضخمة ومخاطر أعلى، لكن هذا الخيار يطرح إشكالية تقييم الأصول، في ظل غياب سوق عقارية ومالية شفافة يمكن الاعتماد عليها لتحديد الأسعار بشكل دقيق.
ويوضح أن أحد أبرز التحديات التي تواجه أي إصدار محتمل هو مستوى ثقة المستثمرين، حتى المستثمر المحلي اليوم يبحث عن ملاذات آمنة خارج النظام المالي التقليدي، مثل الدولار أو العقار، وإقناعه بالاستثمار في صكوك حكومية يتطلب ضمانات حقيقية، وشفافية عالية، وإطاراً قانونياً واضحاً، كما أن غياب سوق ثانوية نشطة لتداول الصكوك قد يحدّ من جاذبيتها، إذ يفضّل المستثمرون أدوات يمكن تسييلها بسهولة.
ويختم إسماعيل بأن الفكرة بحد ذاتها إيجابية، لأنها تنقل التمويل من كونه استدانة نقدية إلى استثمار في أصول، لكن التحدي الحقيقي هو: هل توجد أصول ومشاريع قادرة على توليد عوائد في الاقتصاد السوري الحالي؟
الصكوك: أداة مجرّبة إقليمياً…فما شروط نجاحها في سوريا؟
لا تُعد الصكوك السيادية أداة جديدة عالمياً، إذ شهدت انتشاراً واسعاً خلال العقدين الماضيين، خاصة في دول الخليج وشمال أفريقيا.
يعرض الخبير المصرفي محمد حداد في تصريحات لـ”963+” تجارب عدد من دول العالم، ففي مصر، أصدرت الحكومة أول صكوك سيادية دولية عام 2023 بقيمة 1.5 مليار دولار، واستقطبت طلبات تجاوزت 6 مليارات دولار، ما عكس شهية استثمارية مرتفعة رغم التحديات الاقتصادية، أما السعودية، فقد بنت سوقاً متكاملة للصكوك، إذ تجاوزت إصداراتها المحلية والدولية عشرات المليارات سنوياً، وأصبحت هذه الأدوات جزءاً رئيسياً من إدارة الدين العام.
ويؤكد حداد أن نجاح الصكوك في هذه الدول لم يكن مرتبطاً بالأداة بحد ذاتها، بل بوجود بيئة قانونية واضحة، ومؤسسات مالية نشطة، وثقة المستثمرين، وبدون هذه العناصر، تفقد الصكوك ميزتها الأساسية.
وعن سؤال: هل يمكن أن تدعم الليرة السورية؟ يجيب حداد من الناحية النظرية، يمكن للصكوك أن تلعب دوراً في تخفيف الضغوط التضخمية، إذا نجحت في امتصاص السيولة من السوق، كما يمكن أن تمنح مصرف سوريا المركزي أداة جديدة لإدارة السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة، وهي أداة شبه غائبة حالياً في الاقتصاد السوري.
ويشير إلى أن أحد الأهداف التي ركزت عليها وزارة المالية هو تمكين مصرف سوريا المركزي من تفعيل “عمليات السوق المفتوحة”، وهي أداة أساسية تستخدمها البنوك المركزية حول العالم للتحكم بالسيولة، وفي حال نجاح إصدار الصكوك، يمكن للمصرف المركزي بيع وشراء هذه الأدوات لتنظيم حجم السيولة في السوق، ما يساعد في ضبط التضخم واستقرار سعر الصرف، غير أن هذا الدور يظل مشروطاً بوجود سوق مالية منظمة وشفافة، وهو ما لا يزال في طور التأسيس في الحالة السورية.
ويحذر بالوقت نفسه أنه إذا لم تُدار الصكوك ضمن سياسة نقدية ومالية منسقة، فقد تتحول إلى مجرد أداة دين إضافية، دون أثر حقيقي على الاستقرار النقدي، فرغم الإمكانات النظرية، تواجه التجربة السورية مجموعة من القيود البنيوية، كغياب سوق مالية متطورة، وضعف الإطار التشريعي المنظم للأدوات المالية الحديثة، ومحدودية الشفافية في إدارة الأصول العامة، إضافة إلى بيئة استثمارية عالية المخاطر.
من سيشتري الصكوك؟
لا يبدو أن الصكوك السيادية ستكون مجرد أداة مالية جديدة، بل اختباراً أعمق لعلاقة الدولة بالمواطن، فهل يمكن إقناع مدخر صغير، اعتاد الهروب إلى الدولار، بأن يضع أمواله في أداة حكومية؟ وهل تستطيع الحكومة تقديم الضمانات والشفافية اللازمة لبناء هذه الثقة؟
وبين الخطط الرسمية وتردد المواطنين، تتحدد ملامح تجربة قد تعيد تشكيل سلوك الادخار والاستثمار في سوريا أو تعيد إنتاج الشكوك نفسها بصيغة جديدة.
وترى الباحثة الاقتصادية لينا خضور في تصريحات لـ”963+” أن الصكوك قد تشكل فرصة لبدء بناء سوق دين محلية، وهو عنصر أساسي لأي اقتصاد يسعى إلى الاستقرار المالي على المدى الطويل، ولا يمكن النظر إلى الصكوك السيادية كحل سريع للأزمة المالية، بل كأداة ضمن حزمة إصلاحات أوسع تشمل تحسين الإيرادات، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الشفافية، والإجابة لن تتحدد عند لحظة الإصدار، بل في كيفية إدارة هذه الصكوك، ودرجة الثقة التي ستبنيها تدريجياً في سوق لا يزال في طور التشكل.
وتؤكد أن نجاح الصكوك يبدأ من المواطن، لا أن المستثمر الكبير، وإذا لم يثق الأفراد بها كوعاء ادخاري، فسيبقى حجمها محدوداً، فالكتلة النقدية المتاحة لدى الأفراد تتجه أساساً نحو الدولار أو العقار، بسبب غياب الثقة بالأدوات المالية المحلية، كما أن الصكوك قد تجذب شريحة جديدة من المستثمرين، فهناك طلب كامن على أدوات استثمار متوافقة مع الشريعة، خاصة إذا كانت مدعومة بأصول حكومية.
وتختم خضور بأن إصدار الصكوك السيادية في سوريا يعكس محاولة للانتقال من إدارة مالية تقليدية إلى أدوات أكثر تعقيداً وارتباطاً بالأسواق، ولكن بين الطموح النظري والتطبيق العملي، تبقى التحديات كبيرة، ما يجعل من هذه الخطوة اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات المالية على الابتكار ضمن بيئة اقتصادية شديدة الحساسية، وفي ظل غياب تفاصيل تنفيذية واضحة حتى الآن، يظل السؤال مفتوحاً: هل تتحول الصكوك إلى أداة فاعلة لدعم الاقتصاد، أم تبقى مجرد إطار نظري يصعب تطبيقه على أرض الواقع؟










