طوال الشهر الماضي، كانت ثلاث أخبار رئيسية تغطي المشهد الإيراني على مستوى العالم: المحكمة الأميركية دانت “هادي مطر” المتورط في الهجوم على الروائي البريطاني سلمان رشدي قبل عدة أشهر، متأثراً بالفتوى الشهيرة للمرشد السابق للثورة الإسلامية في إيران آية الله الخميني، التي أصدرها في العام 1988، وحكمت عليه بالسجن لمدة 25 عاماً. الخبر الآخر كان يتعلق بما أظهرته تسريبات المفاوضات بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، وقبول الأخير بإمكانية تفكيك برنامجيه العسكريين، النووي والباليستي. فيما كانت المؤشرات الصناعية تؤكد تراجع الإنتاج الكهربائي في البلاد من 58 كيلوواط إلى 43 كيلوواط، وصار يُهدد بتثبيط نشاط آلاف المصانع والوحدات الاقتصادية في البلاد، وتالياً إخراج مئات الآلاف الآخرين من سوق العمل.
على العكس مما تظهر به، ثمة رابط وثيق بين الأخبار الثلاث، حتى يُمكن الجزم باستحالة عزلها عن بعضها بأي شكل، سواء في إيران أو أي نموذج آخر.
فالكيانات والأنظمة السياسية التي تبني خطاباتها وشرعية حُمكها والنصوص الإرشادية لرؤيتها السياسية على مزيج من الزعيق الإيديولوجي، المتطرف والمُختلق، مع مراكمة مهولة للعسكرة وأدوات التعنيف، ينتهي بها الأمر على خراب على مدّ النظر، مع استحالة قدرة الترسانتان الإيديولوجية والعسكرية على حفظ ذات هذه الأنظمة واستقرارها المستدام.
لكن لماذا تندفع مثل هذه الأنظمة، وبكل وضوح وإصرار، لفعل ذلك؛ رغم معرفتها بالمصير الحتمي البائس ستواجه به مستقبلاً، كنتيجة لما تفعله.
فما أصدره الإمام الخُميني بحق الروائي الهندي/البريطاني سلمان رشدي، حدث بعد شهر واحد من خروج إيران من أفظع حرب خاضتها ضد العراق لمدة ثمانية سنوات كاملة، أطاحت بكل أشكال البهاء التي كانت البلاد وقتئذ. فالبلاد الإيرانية ومجتمعاتها الداخلية كانت وقتئذ بحاجة كل شيء، خلا مثل تلك الفتاوي، التي ليس لها من عنوان وتصنيف، إلا بكونها ترفاً فائضاً من الإثارة الرعناء، ودعوة لتشييد الجدران بين الإيرانيين والعالم الخارجي، واختلاقاً وظيفياً لأزمة وقيم متطرفة، لا حاجة لها قط. فما علاقة الإيرانيين ونظامهم السياسي برواية أدبية، سواء أكانت ماسة بعقائد جزء من المجتمع أم لم تكن!، وهل مواجهة المنتجات الأدبية والمعرفية والثقافية الماسة بالعقائد تتم بالعنف والتحريض!، أم بمزيد من الدعوة للحوار والتفكيك الفكري والثقافي!.
يصح كل ذلك على البرنامجين العسكريين النووي والبالستي الإيراني، الذي هدر عشرات المليارات من الخزينة العامة الإيرانية طوال سنوات، وكان سبباً في عقوبات متعاقبة على الدولة الإيرانية، وخلق جدراناً من الحذر والتنابذ بين إيران وجوارها الإقليمي، ودون أن يكون لأي من هؤلاء الجيران أية عقيدة عسكرية عدوانية تجاه إيران، بما في ذلك إسرائيل نفسها. فإيران التي راكمت كل هذا العتاد العسكرية، والمستعدة راهناً للتخلي عنها مقابل لا شيء، صارت اليوم بلداً يفتقد القدرة على تقديم مياه الشرب للملايين من أبناء شعبه.
يبدو الأمر العجائبي هذا شبيهاً بالحكايات الأخاذة التي كانت “أمهات العائلات الفقيرة” ترويها ليلاً لأبنائها الصغار، بغية دفعهم لنسيان ما هُم به من جوع وبؤس في كل تفاصيل الحياة.
فالدراما الوطنية الإيرانية، مثل غيرها التجارب، والتي بنيت على تناقض رهيب بين وقائع الحياة اليومية المعاشة للشعب الإيراني، وبين تلك الأساطير والمهام والتطلعات الخرافية التي يصنعها النظام السياسي لهم، ثم يمشي بهم في تفاصيل وزواريب تلك الدراما، حتى يُغرقهم في فضاء مختلق من القضايا والمهام الكبرى، ليس للإيرانيين أية حاجة بهم، وهي لا تفعل شيئاً خلا مضاعفة شقائهم اليومي.
إلى جانب كوريا الشمالية، وكوبا إلى حد ما، فأن إيران هي آخر بلدان “الدراما الوطنية”. وهي كذلك بسبب الفارق المهول نوعية ما يتطلع إليه شعبها الداخلي من أفق سياسي واقتصادي ورمزي، وبين ما يقدمه نظامها السياسي من بؤس عميم، تغطيه بنوعية الأساطير المختلق هذه.










