تنفس السوريون الصعداء حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا. فكل حياتهم مربوطة بهذه العقوبات. لكن، السؤال الأساسي هنا: هل يتيح القانون الأميركي لترامب إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا؟وتقول المحامية مي مجمود، المستشارة في القانون الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن، لـ”963+” إن الموقف المفاجئ الذي أعلنه ترامب في الرياض “لا يعدو كونه موقفاً سياسياً، نزل فيه عند رغبة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهو يعرف تمام المعرفة أن دون إلغاء العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا عقبات كبيرة، لا تمحى بجرة قلم”.
وتضيف شارحةً في مكالمة هاتفية: “للأسف، ليست العقوبات الأميركية على سوريا مفروضةً بأوامر تنفيذية، وإلا كان سهلاً على الرئيس ترامب اعتبارها كأنها لم تكن، من دون ضرورة الرجوع إلى الكونغرس. فهذه العقوبات مفروضة بموجب قانونين سمّهما المشرع الأميركي، وهما ’قانون قيصر‘ و’قانون مكافحة الإرهاب‘، وإلغاؤها بمرسوم رئاسي غير جائز قانوناً، وللكونغرس وحده أحقية الإلغاء، من خلال سنّ قانون جديد، يعدّل في القوانين السارية المفعول أو يُلغيها”.
اقرأ أيضاً: نائب في الكونغرس الأميركي ينقل رسالة من الشرع إلى ترامب – 963+
خمس مراحل
وبحسب محمود، الطريق طويلة: “الأمر مرهون باقتراح عضو في الكونغرس بمشروع قانون لإلغاء العقوبات على سوريا، يُحال إلى لجنة الشؤون الخارجية أولاً وإلى لجنة الأمن القومي ثانياً. إن عاد اقتراح القانون مصادقاً عليه من اللجنتين، يصوّت عليه مجلسا النواب والشيوخ، ويوقعه الرئيس أخيراً، ويحال بمراسيم تطبيقية إلى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) وإلى وزارات الخارجية والخزانة والاقتصاد والتجارة، وهذا قد يستغرق 4 إلى 5 أعوام، وعلى الكيانات التجارية الأميركية، أو المتعاملة مع كيانات أميركية، انتظار صدور القرار الرسمي من الكونغرس الأميركي، قبل التعامل مع أي كيانات سورية. وإن عاد القرار سلبياً، يمكن ترامب تعليق العقوبات مدة تصل إلى 3 أعوام، بعد تقديم المبررات الداعمة”.وماذا لو كان إعلان ترامب ذراً للرماد في العيون؟ ربما، كما تقول محمود، قائلةً: “حينها، تعود الحكومة السورية المؤقتة إلى مسار التخفيف التدريجي للعقوبات”.وينقسم هذا المسار، بحسبها، إلى 5 مراحل: “المرحلة الأولى هي مرحلة الاستجابة الإنسانية، اي المطالبة بتوسيع العمليات الإنسانية لمساعدة المتضررين، وإن تضاربت الاستجابة مع العقوبات، فيمكن تعليقها جزئياً أو لمدة محددة، وهذا حدث سابقاً؛ المرحلة الثانية هي مرحلة التقويم: بعد 6 أشهر من الاستجابة الطارئة، يمكن تقويم الوضع ميدانياً، فإما تمدّد رخص الاستجابة أو يوسّعها نطاقها، ويمكن أن تطول هذه المرحلة حتى السنتين”.المرحلة الثالثة هي مرحلة تعليق العقوبات إن أتت نتائج التقويم مرضية، والمرحلة الرابعة هي مرحلة الرفع الجزئي عن قطاع محدد أو مؤسسة محددة أو شخصيات محددة، والمرحلة الخامسة والأخيرة هي مرحلة الرفع الكامل.
وفي عام 2023، ومع اشتداد الأزمات الإنسانية في سوريا، أُقرّت تراخيص جديدة تسمح بتسهيلات في قطاعات الغذاء والدواء والخدمات الطبية، لكن من دون أي رفع رسمي أو جزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة بموجب “قانون قيصر”.
بالمقابل، استمرت وزارة الخزانة في تحذير المؤسسات الدولية من التعامل مع كيانات مرتبطة بالنظام السوري، مؤكدة أن العقوبات لا تزال سارية وفعالة.
اقرأ أيضاً: الشيباني يبحث مع أعضاء بالكونغرس الأميركي الأوضاع في سوريا – 963+
جدل قانوني وسياسي
وجاء إعلان ترامب في عام 2025 عن رفع العقوبات ليعيد الملف إلى واجهة الجدل القانوني والسياسي داخل الولايات المتحدة. إذ أعقب الإعلان حالة من الاستنفار داخل وزارة الخزانة التي طلبت من مكتب OFAC إعداد تقييم قانوني مفصل للخيارات المتاحة.
وفي غضون أسابيع، أُصدر ترخيص عام مؤقت يسمح بالتعامل المحدود مع جهات سورية غير مرتبطة بالنظام، ضمن قطاعات إنسانية محددة، ولمدة ستة أشهر قابلة للتجديد.
بالتوازي، طرح أحد النواب الجمهوريين مشروع قانون بعنوان “قانون الشراكة الإنسانية مع سوريا”، يهدف إلى تعديل “قانون قيصر” وتوسيع صلاحيات الرئيس في تعليق أو رفع العقوبات عند تحقق ظروف إنسانية استثنائية أو تقدّم ملموس في المسار السياسي.
غير أن المشروع قوبل بمعارضة قوية في مجلس الشيوخ، خاصة من لجنة العلاقات الخارجية التي رأت فيه “محاولة لتجاوز الكونغرس دون تقديم تنازلات حقيقية من النظام السوري”.
الخارجية الأميركية علّقت على هذه التطورات في نيسان/ أبريل 2025، مؤكدة أن السياسة تجاه سوريا “لم تشهد تغييراً جذرياً”، وأن أي تعديل في نظام العقوبات يجب أن يتم عبر مسار تشريعي واضح، مع ضمانات لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وفي الداخل السوري، رحبت الإدارة السورية الانتقالية في الشمال بالإعلان، واعتبرته “فرصة لتحريك عجلة الاقتصاد وتخفيف الضغوط عن المدنيين”، فيما بدأت المجالس المحلية دراسة جدوى الانفتاح التجاري والاستيراد، في حال ثبات الوضع القانوني الجديد.
ولكن وعلى أرض الواقع، لم تظهر آثار ملموسة للإعلان حتى منتصف 2025، حيث لا تزال البنوك العالمية مترددة، والشركات تتعامل مع سوريا كمنطقة عالية المخاطر القانونية. ويعود ذلك إلى غياب قانون رسمي يُلغي “قيصر” أو يجمّده بشكل دائم.
وفي أيار/ مايو 2025، أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريراً حذّرت فيه من رفع العقوبات دون تحقيق تقدم فعلي في ملفات العدالة الانتقالية والمساءلة، معتبرة أن خطوة كهذه قد تؤدي إلى “إفلات النظام من العقاب”، داعية إلى ربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات واضحة تشمل إطلاق سراح المعتقلين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والانخراط في عملية سياسية جدية برعاية الأمم المتحدة.
وحتى الآن، يبقى إعلان ترامب خطوة سياسية لم يُترجم إلى تغيير تشريعي دائم، وسط انقسام داخلي في واشنطن، وترقب دولي، وانتظار سوري لمعرفة ما إذا كانت هذه المبادرة مقدمة لانفراجة حقيقية، أم مجرّد حلقة جديدة في سلسلة الوعود السياسية غير المكتملة.










