في مشهد إعلامي يتسم بالتعقيد والتعددية، تتقاطع أدوار الإعلام الرسمي السوري مع وسائل الإعلام المستقلة التي نشأت في قلب الحرب السورية. ورغم اختلاف المرجعيات، تبرز الحاجة اليوم إلى تعزيز التكامل لا التنافس، في خدمة الصالح العام والمهنية الإعلامية.
وحافظ الإعلام الرسمي المدعوم من الحكومة على تواجده عبر مؤسساته المتنوعة، بينما واجه الإعلام المستقل تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل والحماية والاعتراف القانوني. ومع ذلك، استطاعت المواقع الإخبارية ووسائل الإعلام الخاصة ترسيخ حضورها في الداخل والخارج، عبر أصوات فردية ومؤسسات ناشئة سعت لكشف الحقيقة ومساءلة السلطة.
اقرأ أيضاً: وسائل التواصل مصدر للمعلومات.. لماذا يغيب الإعلام الرسمي السوري؟ – 963+
لا حيادية مطلقة
قال رئيس المكتب التنفيذي لاتحاد الصحفيين السوريين، محمود الشحود، في تصريحات وردت في العدد التاسع من صحيفة “963+”، إنه “لا بد أن يحظى الإعلام باستقلالية تمكنه من أداء الدور الذي يفترض أن يلعبه في خدمة الناس. وهنا أتحدث عن الإعلام الرسمي والإعلام المستقل أو الخاص على حد سواء، فكل منهما يلعب دوراً وظيفياً مكملاً للآخر، حيث يعمل الإعلام المستقل على توعية الناس والإشارة إلى مواطن الضعف أو الخطأ، كما يتجه الإعلام الحكومي نحو توعية السكان بأداء المؤسسات العامة والخاصة وخططها المستقبلية”.
وأضاف: “لا يوجد اتفاق كامل على مفهوم الحيادية، فليس هناك حيادية مطلقة. الإعلام الوطني سواء كان خاصاً أو عاماً يعمل على خدمة الدولة وشعبها، وقد يُهذّب المعلومة لحماية المصلحة العامة. ومع ذلك نؤمن بأهمية التنسيق، وقد وضعنا هذا ضمن أولويات اتحاد الصحفيين، ونعمل على بناء علاقات قوية ومفتوحة مع مؤسسات الدولة للدفاع عن حقوق الصحفيين، وتوفير بيئة عمل حرة وفق المواثيق العالمية، مع مراعاة خصوصية الوضع السوري”.
اقرأ أيضاً: وزارة الإعلام السورية: الموافقة على جميع العناوين المقدمة من الناشرين – 963+
التحديات كثيرة
عرض الصحفي صخر إدريس سكرتير عام رابطة الصحفيين السوريين الأسبق، صورة الواقع من منظور الإعلام المستقل
وأشار في تصريحات لـ”963+”، “التحديات لا تزال كثيرة، وقد لعب كل من غياب بيئة قانونية حاضنة وانقسام السرديات السياسية دوراً في عرقلة تطوير الإعلام المستقل، بالإضافة لمخاطر أمنية وتمويلية”.وتابع: “أبرز التحديات تتمثل في التمويل المسيس وتبعثر العاملين والعاملات في القطاع حول العالم، وهو ما أدى إلى حرف بعض المؤسسات الصحفية والإعلامية عن مسار الاستقلالية، هذا إلى جانب المخاطر الأمنية المباشرة وغير المباشرة التي تعرض لها الصحفيين أثناء تأدية عملهم أو بسببه”.
وعن العلاقة بين الإعلام المستقل والرسمي في سوريا، قال إدريس: “إذا وجدت الإرادة، فهناك فرصة حقيقية لتكامل الأدوار. الإعلام المستقل يمتلك مرونة عالية، فيما يمتلك الإعلام الرسمي بنية مؤسساتية قوية، ويمكن التعاون بينهما من خلال أعمال مشتركة وتبادل الخبرات، مؤكداً على أهمية دور رابطة الصحفيين السوريين في توفير تدريبات ومساعدات قانونية ونفسية، وبناء شراكات مع منظمات دولية لدعم الصحفيين ميدانياً.
والعام الماضي، قالت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان في بيان أصدرته بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة إنَّها وثَّقت مقتل 717 من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام منذ آذار / مارس 2011 بينهم 53 بسبب التعذيب على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا.
اقرأ أيضاً: وزير الإعلام السوري: البلاد بحاجة لمدونة أخلاقيات إعلامية موسعة – 963+
الإعلام الفصائلي أو المناطقي
روى الصحفي محمد المذيب، العامل في عدد من وسائل الإعلام الخاصة مسيرته التي بدأت منذ انشقاقه عن قوات النظام المخلوع عام 2011، قائلاً: “بدأت العمل الصحفي في درعا نهاية عام 2011 عند انشقاقي من الجيش. كان من المستحيل التحدث بصورتي واسمي الحقيقيين حتى عام 2013، حيث كان أول ظهور لي على القنوات الإخبارية”.
وأضاف في العدد التاسع من صحيفة “963+”، “اعتقلت بعد اتفاق التسوية في درعا أثناء محاولتي الدخول إلى إدلب. وُجهت لي عدة تهم منها التحريض على أعمال إرهابية، والاتصال بالعدو. وكان قد حُكم علي بالإعدام غيابياً قبل اعتقالي بأربع سنوات، وبعد اعتقالي حُكمت بالأشغال الشاقة المؤبدة. بقيت ثلاث سنوات في السجن، منها سنتان ونصف في سجن صيدنايا. أُطلق سراحي بعد دفع عائلتي 160 ألف دولار كرشوة”.
وأكد محمد المذيب على متابعة العمل الإعلامي في محافظة درعا بعد خروجه من السجن لكن باسم مستعار، ليعلم بعد ذلك أنه أُدرج على قائمة الاغتيالات من قبل الأمن العسكري، حيث قام بمغادرة سوريا إلى لبنان، ثم العراق، فليبيا، وأخيراً إلى أوروبا عبر البحر.واختتم الصحفي السوري حديثه بالقول، “الإعلام المستقل ما زال مهمشاً في درعا وسوريا عموماً، رغم فعاليته الكبيرة خلال الثورة. الدعم ينصبّ غالباً على الإعلام الفصائلي أو المناطقي، حيث شهدنا خلال السنوات الماضية اغتيالات طالت إعلاميين مستقلين.
نشرت هذه المادة في العدد التاسع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 2 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد التاسع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










