على الضفة اليمنى لنهر الفرات، وعلى بعد أمتار معدودة من الحدود العراقية، تقف مدينة البوكمال اليوم عند مفترق طرق، فالمدينة التي خرجت للتو من سنوات الحرب تجد نفسها الآن في قلب نقاش اقتصادي جديد: المطالبة بإدراج البوكمال ضمن خطة زمنية معلنة لإنشاء المناطق الحرة، مع مؤشرات تنفيذ واضحة (دراسة جدوى، تخصيص أرض، بنية تحتية)، بدل بقاء المشروع “نية” غير مؤطرة زمنياً كما جرى في محاولات سابقة، هل يمكن أن تتحول البوكمال من نقطة عبور حدودية مضطربة إلى منطقة حرة تُنعش التجارة السورية العراقية وتعيد لدير الزور موقعها التاريخي كحلقة وصل تجارية بين بلاد الشام والعراق؟
موقع تجاري بامتياز
تحتل البوكمال موقعاً جغرافياً نادراً: فهي آخر نقطة يمر بها نهر الفرات داخل الأراضي السورية قبل أن يعبر إلى العراق، وهي في الوقت نفسه المدخل البري الطبيعي لسوريا من الجهة الشرقية، وهذا الموقع المزدوج – نهري وحدودي – جعل من المدينة على مر التاريخ محطة تجارية مهمة تربط سهل الفرات السوري بالسهل العراقي، قبل أن تتحول في العقد الأخير إلى واحدة من أكثر المناطق تضرراً في الشرق السوري.
يقول الخبير الاقتصادي محمود الويس في تصريح لـ”963+” أن ما يميز البوكمال اليوم عن أي مرحلة سابقة هو أن معبرها الحدودي – القائم/البوكمال – أعيد فتحه رسمياً أمام حركة المسافرين والشاحنات منتصف عام 2025، بعد إغلاق متقطع دام سنوات طويلة، ولم يكن ذلك الافتتاح معزولاً، بل جاء ضمن إعادة تفعيل تدريجية لشبكة المعابر الحدودية الثلاثة بين البلدين: فبعد القائم-البوكمال، أُعيد فتح معبر الوليد-التنف في نيسان 2026 بعد إغلاق دام أحد عشر عاماً، ثم معبر ربيعة-اليعربية في الشهر نفسه بعد انقطاع تجاوز العقد. هذه الخطوات مجتمعة أعادت رسم خريطة التبادل التجاري البري بين سوريا والعراق لأول مرة منذ سنوات.
ويؤكد أن الأثر لم يبق نظرياً، فبحسب مسؤولين عراقيين، كانت نسبة تصل إلى 65% من استهلاك محافظة الأنبار العراقية تعتمد تقليدياً على البضائع القادمة من سوريا عبر معبر القائم، وهي نسبة تراجعت بشكل حاد خلال سنوات الإغلاق قبل أن تعاود الصعود مع استئناف الحركة، كذلك توقعت هيئة المنافذ الحدودية العراقية أن يرفع افتتاح معبر ربيعة وحده حجم التبادل التجاري بنسبة 20% خلال الأشهر الأولى من تشغيله، وهو مؤشر يمكن قياسه على معبر البوكمال بوصفه المعبر الأكثر نشاطاً حالياً بين البلدين.
يشير الويس كيف أنه على الأرض، غيّر افتتاح المعبر معادلة التكلفة بالنسبة للتجار، فقد أصبح بإمكان التجار جلب بضائعهم مباشرة عبر البوكمال، وهو ما ينعكس – بحسب شهاداتهم – على استقرار أو تراجع أسعار بعض السلع الأساسية في السوق المحلية. لافتاً إلى أن الفكرة ليست جديدة، فالحديث عن منطقة حرة في البوكمال ليس طارئاً على النقاش الاقتصادي السوري.
ويؤكد أن اليوم يتغير السياق، فقانون جمارك سوري جديد صدر مطلع الفترة الحالية، ينظم عمل الأمانات الجمركية وحركة البضائع والرسوم عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، وهو ما يوفر إطاراً تشريعياً أحدث يمكن أن تُبنى عليه أي منطقة حرة جديدة، كما أن المنطقة الصناعية القائمة أصلاً في البوكمال والتي تشهد حركة تجارية “ممتازة جداً” وتخدم أكثر من 70 قرية تابعة للمدينة، تمثل نواة بنيوية يمكن البناء عليها بدلاً من البدء من الصفر، ويرى أن تطوير المعبر وإنشاء ميناء جاف إلى جانب المنطقة الحرة هو ما يؤمّن فعلياً “عوائد مرتفعة” للمنطقة، بما يتجاوز مجرد كونها نقطة عبور.
لماذا منطقة حرة تحديداً؟
يؤكد الباحث الاقتصادي سليمان النقشبندي في تصريحات لـ”963+” أن المنطقة الحرة، بخلاف المعبر الجمركي العادي، تسمح بتخزين البضائع العابرة وإعادة تصديرها أو تجميعها أو تصنيعها جزئياً دون إخضاعها فوراً للرسوم الجمركية الكاملة، وهو ما يمنحها وظيفتين اقتصاديتين متكاملتين بالنسبة للبوكمال، الوظيفة الأولى – الترانزيت الإقليمي: مع إعادة تفعيل معابر البوكمال والتنف وربيعة في وقت متقارب، تتحول شرق سوريا إلى ممر بري متكامل يربط العراق – ومن خلفه دول الخليج – بالمتوسط السوري وأوروبا، ومنطقة حرة في البوكمال يمكن أن تلتقط جزءاً من هذه الحركة العابرة، بدلاً من أن تمر البضائع دون أن تترك أثراً اقتصادياً محلياً، والوظيفة الثانية – التصنيع والتجميع المحلي، فوجود المنطقة الصناعية القائمة يعني أن أي منطقة حرة يمكن أن تُستخدم لتجميع أو تصنيع جزئي للمواد الأولية العراقية أو الخليجية قبل إعادة تصديرها، بدلاً من الاكتفاء بدور “الممر” الذي لا يوظّف يداً عاملة محلية ولا يحقق قيمة مضافة تُذكر.
ويضيف النقشبندي أنه بناءً على تجارب المناطق الحرة السورية والإقليمية المماثلة، يمكن حصر الفوائد المرتقبة من منطقة حرة في البوكمال في محاور رئيسية أهمها تشغيل القوى العاملة المحلية، فمنطقة دير الزور الشرقية تعاني من معدلات بطالة مرتفعة بعد سنوات الحرب، ومنطقة حرة نشطة تعني فرص عمل مباشرة في التخزين والنقل والخدمات اللوجستية، وأخرى غير مباشرة في قطاعي النقل والخدمات المحيطة بالمعبر، إضافة إلى زيادة الإيرادات العامة، وحتى مع الإعفاءات الجمركية الجزئية التي تميز المناطق الحرة، فإن الرسوم على الخدمات والتخزين والترانزيت تمثل مصدر دخل مستقراً للخزينة العامة والإدارة المحلية، وهو ما أكده مسؤولون عراقيون بشأن الأثر المتوقع على الإيرادات غير النفطية من إعادة تفعيل المعابر المقابلة، وكذلك خفض تكلفة السلع للمستهلك، وكما تبين من تجربة إعادة فتح المعبر نفسه، فإن تبسيط الإجراءات الجمركية وتقليص الرسوم المزدوجة ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.
ويؤكد أن إعادة تموضع دير الزور على خريطة النقل الإقليمي مع مشاريع إقليمية أوسع تمر عبر العراق باتجاه تركيا وأوروبا، فإن ربط البوكمال بهذه الشبكة يمنح المحافظة بأكملها موقعاً تفاوضياً أفضل في أي استثمارات لوجستية مستقبلية.
ويلفت إلى استقطاب الاستثمار الخاص، فالإطار القانوني الواضح للمناطق الحرة، مقارنة بالتجارة غير الرسمية التي سادت خلال سنوات الإغلاق، يشجّع رؤوس الأموال المحلية والعراقية على الاستثمار في التخزين والخدمات بدل الاكتفاء بالتهريب أو التجارة العابرة غير المنظمة – وهي ظاهرة وثّقتها تقارير أمنية متكررة عن أنفاق وشبكات تهريب في ريف البوكمال خلال سنوات الانقطاع.
ويحذر النقشبندي من أن إنشاء منطقة حرة في البوكمال يتطلب أولاً معالجة التحديات الأمنية، وإزالة الألغام، ومكافحة التهريب، وتأهيل البنية التحتية، إلى جانب تعزيز التنسيق الجمركي والأمني مع العراق.
ويؤكد أن البوكمال ستحتاج إلى ميزة تنافسية واضحة – سواء في الكلفة أو السرعة أو الخدمات مع إعادة تفعيل معبري التنف وربيعة في الوقت نفسه تقريباً، حتى لا تتوزع حركة التجارة بشكل يُضعف جدوى إقامة منطقة حرة مخصصة لها.
ويشدد على أهمية مستوى التنسيق مع الجانب العراقي، وفتح قناة تواصل مباشرة مع غرفة تجارة الأنبار العراقية – نظراً للعلاقات التجارية والعائلية التاريخية بين البوكمال والقائم – لإعداد مذكرة تفاهم ثنائية غير حكومية تمهّد لتسهيلات جمركية متبادلة، يمكن أن تُستخدم لاحقاً كأساس لاتفاق حكومي رسمي، مع اقتراح آلية “نافذة موحدة” للتجار على الجانبين لتبسيط إجراءات العبور، بالاستناد إلى التجربة العملية لتجار المنطقة الذين وثّقوا الفارق بين الرسوم المزدوجة عبر معبر سيماكا والتيسير النسبي عبر البوكمال بعد إعادة فتحه.
ويؤكد النقشبندي على ضرورة إطلاق برنامج تأهيل وتدريب للتجار وأصحاب المستودعات المحليين على إجراءات العمل داخل منطقة حرة (التخزين المؤقت، إعادة التصدير، الفوترة الجمركية)، تفادياً لتكرار حالات الاعتماد على قنوات غير رسمية شهدتها المنطقة خلال سنوات الإغلاق، وحصر وتصنيف الورش والمنشآت القائمة في المنطقة الصناعية الحالية لتحديد ما يمكن دمجه مباشرة ضمن حدود أي منطقة حرة مستقبلية، بدل إنشاء بنية موازية بتكلفة إضافية، وإعداد دليل استرشادي مبسّط (ورقي ورقمي) موجّه للتجار الصغار يشرح الفرق بين التجارة عبر المعبر العادي والتجارة عبر منطقة حرة، وأثر ذلك على التكلفة والأرباح، لتوسيع قاعدة المستفيدين إلى ما هو أبعد من كبار التجار.
ويقترح مرحلية التنفيذ تبدأ بمنطقة حرة “مصغّرة” محدودة النطاق ملحقة بالمنطقة الصناعية القائمة، بدل انتظار مشروع شامل قد يتأخر لسنوات، على أن يجري التوسع تدريجياً مع تحسّن الوضع الأمني والبنيوي.
ويختم النقشبندي: يمتلك البوكمال مقومات تؤهلها لمنطقة حرة، لكن تحويلها إلى مركز اقتصادي يتطلب قراراً حكومياً واضحاً ومعالجة التحديات الأمنية والبنيوية.










