يستمر غياب الإعلام الرسمي السوري، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وسط حديث عن معوقات عديدة متعلقة بأمور لوجستية وتقنية إلى جانب العقوبات الغربية المفروضة على البلاد، وكان لهذا الغياب تداعيات تتعلق بالحصول على المعلومات من وسائل رسمية بالنسبة للسوريين خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة، وفتح الباب أمام فيض واسع من وسائل التواصل الاجتماعي لتكون مصدراً أساسياً.
وشهدت سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد تطورات متسارعة سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً وعلى مستوى التحركات الديبلوماسية الحكومية والخارجية، كان السوريون خلالها يحصلون على معلوماتهم فيما يتعلق بالأحداث التي تشهدها البلاد من وسائل إعلام عربية وصفحات ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، ما فتح الباب أمام انتشار الأخبار المضللة وتضخيم أحداث معينة ونشر خطابات التحريض والكراهية، ومحاولة تمرير أطراف عديدة بروباجندا معينة خدمة لمصالحها.
خطط حكومية للنهوض بالإعلام
وزير الإعلام في الحكومة السورية الانتقالية حمزة المصطفى، أعلن أمس الأحد، أنه زار مقر الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والاطلاع على سير العمل في إذاعة دمشق التي تبث بكامل طاقتها، وقال إنه ناقش خططاً واعدة للنهوض بها وإعادة مجدها القديم ومكانتها في الوعي الجمعي السوري، مضيفاً أنه “قريباً جداً سوف تبث إذاعة دمشق بترددات مختلفة لتشمل كامل الجغرافيا السورية، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، وذلك بعد زيارته لمقر قناة “الإخبارية السورية” التي تتجهز لانطلاق البث.
وعزا مدير العلاقات العامة في وزارة الإعلام علي الرفاعي خلال تصريحات صحفية أواخر آذار/ مارس الماضي، “تأخر انطلاق القنوات التلفزيونية الرسمية بعد تحرير البلاد من النظام، إلى تحديات تقنية وسياسية معقدة، على رأسها العقوبات المفروضة على الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، والتي تعيق البث عبر الأقمار الصناعية مثل “نايل سات”.
اقرأ أيضاً: في سوريا… اقتصاد متقطع الأوصال جغرافياً
وذكر، أن “القنوات الرسمية تواجه أيضاً مشكلات داخلية تتعلق بتهالك المعدات ونظام التشغيل البدائي ونقص الكوادر الإعلامية المؤهلة، بسبب تفشي الفساد والمحسوبيات في القطاع”، معتبراً أن “إطلاق قناة تلفزيونية حديثة يتطلب عادةً عاماً كاملاً من التحضيرات، ما يجعل المهمة أكر صعوبة في بيئة إعلامية تعرضت للدمار والتهميش على مدى السنوات الماضية”.
غياب الإرادة السياسية
الصحفي نبيل شوفان، المقيم في العاصمة الفرنسية باريس، يعتبر أن “سبب استمرار غياب الإعلام الرسمي السوري، هو غياب الإرادة السياسية، حيث أنه من المحتمل أن يكون لدى السلطات رغبة بتأجيل إطلاق هذا الإعلام على اعتبار أنها تحت المراقبة الدولية وأمام أعين الدول الغربية، خوفاً من أن تتعرض لانتقادات على هذه الوسائل، ووضع عيوبها أمام الرأي العام العالمي”.
اقرأ أيضاً: التفاهمات الميدانية كمدخل لإعادة بناء الدولة السورية
وإلى جانب ذلك، “فإن من بين الأسباب الأخرى أيضاً غياب الكوادر الإعلامية الحقيقية ونقص الخبرات الإعلامية والتقنية بسبب طول فترة حكم النظام السابق وعدم وجود صحافة حقيقية، في ظل عدم قدرة الصحفيين على العمل وفق المعايير الدولية للصحافة على مدى أكثر من خمسين عاماً، لذلك اكتفى الصحفيون بقراءة وتحرير البيانات الرسمية، بعيداً عن تطوير قدرات إعلامية قادرة على القيام بتقارير وتحقيقات ونقل مشكلات المجتمع”، وفق ما يقول شوفان في تصريحات لموقع “963+”.
ويضاف إلى ذلك، العقوبات الاقتصادية التي تمنع السلطات الجديدة من تمويل المؤسسات الإعلامية، عبر شراء أجهزة وتطوير مشاريع إعلامية وإعادة هيكلة التلفزيون الرسمي، واستئناف النشاط الإعلامي بما يواكب هذه المرحلة الحساسة، مشيراً إلى غياب تام للرقمنة بالإعلام السوري في ظل استمرار العقوبات وعدم الاعتراف بمؤسسات الحكومة الجديدة.
تأثير كبير لغياب الإعلام الرسمي
الصحفي السوري زياد الريّس، يؤكد أن “غياب الإعلام الرسمي كان له تأثير ومساوئ كثيرة، وهذا الغياب يرتبط بعدة أسباب أبرزها بنية الإعلام، حيث أن هناك خشية من أن يكون هذا الإعلام الرسمي لا يعكس حالة المرحلة، خاصةً أنه في المرحلة السابقة كانت هناك حكومة مؤقتة ولديها مهام عديدة، ولا تملك سيطرة كاملة على جميع المؤسسات، لذا تم إرجاء الأمر إلا أن تمت هيكلة الجهاز الإعلامي ككوادر بشرية وتعريف الهوية السورية وبيان السياسة التحريرية”.
غياب الإعلام الرسمي كان له تأثير كبير من حيث انتشار الكثير من الإشاعات والقصص وخطابات التحريض والتخوين والأخبار الكاذبة المؤثرة، إلى جانب ادّعاء بعض الأشخاص أنهم مسؤولون بشكل غير صحيح، وفق ما يشير الريّس في تصريحات لموقع “963+”، ويقول، إن “غيابه انعكس بشكل مباشر على حالة هيكلية مؤسسات الدولة، حيث لم تستطع الحكومة التواصل مع الشعب لتشرح له هذه الهيكلية بل تنقل له من أشخاص إما مستفيدين أو متضررين من هذه العملية، لذلك كان هناك أحياناً إساءة لوجهة نظر الحكومة وإظهارها وكأنها تعمل بطريقة غير مهنية”.
ومع سقوط النظام أبدى أكاديميون وسياسيون وصحفيون ونشطاء سوريون، تفاؤلهم بالوصول إلى إعلام وطني يمتاز بالمهنية وقادر على أن يكون ناقل للحقيقة، بعيداً عن الإعلام الرسمي السابق الذي كان يوصف بأنه متحدث باسم النظام وأداة لتوجيه الرأي العام والترويج لبربوجندا تخدم أجندات من هم في هرم السلطة.
اقرأ أيضاً: سوريا تبحث عن بدائل لطباعة عملتها: بين الضرورة الاقتصادية والتحالفات السياسية
ويلفت شوفان، إلى أن “السلطات الجديدة لا تزال تعتمد على المقربين منها وتنهل من تجربتها في إدلب، أو أنها ما تزال حبيسة هذه التجربة، فيما يستمر عدم انفتاحها على جميع التجارب الإعلامية والخبرات والكوادر السورية التي تطورت خلال سنوات الأزمة”.
وأشار، إلى أن “غياب الإعلام الرسمي أثر على الأوضاع بشكل عام في سوريا، حيث انتشرت الشائعات والمعلومات المضللة والفيديوهات المزيفة، إذ أنه في ظل غياب صوت رسمي حقيقي يوثق الأحداث ويرسل الصحفيين إلى المواقع وتكون هناك سردية عامة، ستكون هناك فرصة أمام أي أحد لنقل المعلومة ولو بشكل مضلل، بما في ذلك أطراف خارجية لتعزيز أهدافها الخاصة”، لافتاً إلى أنه “جرى الحديث عن معلومات مضللة تم نشرها بشكل ممنهج، ما أدى بمناطق حساسة كمنطقة الساحل إلى استفحال الأحداث الدامية.
وبشأن دور المؤسسات الرسمية والهيئات والوزارات بإطلاق الإعلام الرسمي، يرى الريّس، أن “لها دور كبير لأن الكوادر الإعلامية الوطنية هم أبناء هذه المؤسسات، وبالتالي يفترض أن هذه المؤسسات أفرزت هيكلية إعلامية كاملة تدعم الإعلام الوطني من خلال كوادر متخصصة، وتعيين ناطقين باسمها”، لافتاً إلى أن “الإعلام الوطني يجب أن يتميز بالمهنية وليس بالاستقلالية الغير موجودة بالإعلام”.
الإعلام وأحداث الساحل السوري
ومع غياب القنوات التلفزيونية الرسمية خلال الأحداث التي شهدها الساحل السوري مطلع آذار/ مارس الماضي، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي، وما تحمله من تضليل كبير وتضخيم وتغيير للحقائق إلى مصدر أساسي للمعلومة، ووجهت اتهامات لوسائل الإعلام والمواقع المقربة من الحكومة بما في ذلك وكالة الأنباء الرسمية (سانا)، بتبني الخطاب الرسمي وعدم نقل الأحداث بحيادية وموضوعية.
وتؤكد دراسات عديدة، أنه ومنذ مطلع الألفية الجديدة، تحولت وسائل الإعلام إلى أحد أبرز الموجهين والمشكلين للرأي العام، وأصبحت تملك تأثيراً كبيراً بالجمهور، وساهمت بشكل كبير في تغيير مجرى الأحداث في العديد من الملفات التي شهدها العالم، لذلك بات امتلاك إعلام رسمي يمتاز بالمهنية وقادر على مواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم ضرورة ملحة.










