في تموز/يوليو 2015، توصلت مجموعة الدول الست (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا) وإيران إلى اتفاق وصف بـ”التاريخي” بعد مفاوضات بدأت في عام 2006. أكد أوباما حينها أن الاتفاق “يقطع أي طريق أمام إيران للحصول على أسلحة نووية”، بينما وصفه الرئيس الإيراني حسن روحاني بأنه “فصل جديد” في علاقات إيران مع العالم. لكن هذا الاتفاق واجه معارضة شديدة من المحافظين في كلا البلدين، ما مهّد لانسحاب الولايات المتحدة منه لاحقاً في عهد الرئيس دونالد ترامب.
اليوم، المفاوضات الأميركية – الإيرانية جارية على قدم وساق بين الدوحة وروما، في مسعى حثيث قد يُفضي إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني. فهل نقف على أعتاب نسخة جديدة من الاتفاق النووي التاريخي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عام 2015؟
اقرأ أيضاً: انتهاء الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران – 963+
المحادثات غير مباشرة، وصفها المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأنها “بناءة”، لكنه أكد أن طهران غير مستعدة للتفاوض بشأن إنجازاتها التقنية والنووية. إلا أن علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، صرح بأن المفاوضين الإيرانيين ذهبوا إلى روما “بصلاحيات كاملة للتوصل إلى اتفاق متوازن، وليس الاستسلام”، فيما قال وزير الخارجية الإيراني علي باقري كني (عراقجي) إن إيران تدعو الأطراف المشاركة في المحادثات إلى اغتنام الفرصة للتوصل إلى اتفاق نووي “معقول ومنطقي”، مشدداً على ضرورة أن يؤدي أي اتفاق إلى رفع العقوبات الجائرة المفروضة على بلاده.
بالنظر إلى المعطيات الحالية، يمكن القول إن هناك فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكنه لن يكون نسخة طبق الأصل من اتفاق 2015. ثمة اختلافات جوهرية في السياق والظروف والمواقف التفاوضية. فإيران اليوم تمتلك قدرات نووية أكثر تطوراً مقارنة بعام 2015، وتصر على حماية “إنجازاتها التقنية” غير القابلة للتفاوض من وجهة نظرها. كما أن التجربة المريرة لانسحاب واشنطن من الاتفاق السابق جعلت طهران أكثر تشدداً في مسألة الضمانات.
اقرأ أيضاً: انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران – 963+
الإطار الإقليمي والدولي: حسابات متداخلة
تجري المفاوضات وسط تغييرات جيوسياسية عميقة. الحرب الروسية – الأوكرانية، وتصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، وإعادة التموضع الأميركي في الشرق الأوسط كلها عوامل تدفع واشنطن إلى محاولة “تبريد” الملف الإيراني لمنع انفجار جبهة جديدة في المنطقة.
كما أن السعودية، عبر اتفاقها الأخير مع إيران بوساطة صينية، أرسلت إشارات إلى واشنطن بأن استقرار المنطقة بات مرتبطاً بإيجاد مقاربات جديدة تجاه طهران، وليس فقط عبر سياسة “الضغط الأقصى”. من هنا، تبدو الإدارة الأميركية حريصة على إحياء قنوات التفاوض ولو بصيغة أقل طموحاً من اتفاق 2015.
من جانب آخر، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى لعب دور الوسيط الحيادي لضمان أن أي اتفاق جديد لن يُقوض المساعي الأوروبية لإعادة التواصل الاقتصادي مع إيران، خاصة في ظل حاجة أوروبا لمصادر طاقة بديلة عن روسيا.
اقرأ أيضاً: انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران – 963+
مفاوضات تواجه تحديات
تواجه مفاوضات أميركا وإيران تحديات جدية، عنوانها الأساسي إسرائيل… في مقدمها: “القلق الإسرائيلي من “شرعنة” البرنامج النووي الإيراني وهذا القلق يعكسه تحذير إسرائيلي من أن النتيجة قد تكون كارثية، إذ سيشعر الإيرانيون بأنهم قادرون على المناورة والتفاوض من دون تقديم تنازلات جوهرية، إضافة إلى خشية إسرائيلية من أن الاتفاق قد لا يتضمن تفكيكاً كاملاً للبرنامج النووي الإيراني. التهديد العسكري الإسرائيلي كخلفية مستمرة رغم إعلان بعض المسؤولين الأميركيين عن جدية التفاوض، فإن إسرائيل تفضل الخيار العسكري على اتفاق “سيء” قد لا يزيل التهديد النووي الإيراني، ولا تستبعد شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية في حال فشل الديبلوماسية”.
ومن التحديات: “الضربات الإسرائيلية السابقة أضعفت قدرات إيران: هذا الواقع يعزز حساسية المفاوضات ويجعل طهران أكثر حرصاً على ضمانات قوية في أي اتفاق. الاعتبارات السياسية الداخلية، فكل من إدارة الرئيس الأميركي الحالي تواجه انتقادات من المعارضة الجمهورية التي ترفض أي تسوية مع إيران، وتعتبر أن أي اتفاق جديد سيمنح طهران الموارد اللازمة لدعم حلفائها الإقليميين مثل حزب الله والحوثيين، مما يعقّد البيئة السياسية الداخلية لأي تفاهم.
ورغم أن الظروف اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه في عام 2015، فإن المصالح المشتركة للطرفين – تقليص المخاطر النووية من جهة، ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران من جهة أخرى – قد تدفع إلى اتفاق جديد، وإن بدا أكثر حذراً ومحدودية. ومع ذلك، سيظل نجاح الاتفاق مرهوناً بمدى قدرة واشنطن وطهران على تجاوز الضغوط الداخلية والخارجية وصياغة تفاهم يراعي حساسية الموقف الإقليمي المتفجر.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 25 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










