عقدت الجولة الأخيرة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في عُمان، وهي الأعلى مستوى منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عام 2018، كمحاولة لإعادة رسم معادلة القوى في المنطقة، وسط تحفّظات “إسرائيلية” ومخاوف من تداعيات أي اتفاق على الأمن الإقليمي.
وتصر طهران على رفض الحوار المباشر، إذ قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: “المفاوضات المباشرة غير مقبولة لإيران”، ما يعكس تشبّثها بمنهجية تفاوض تراها ضمانة لعدم انزياح أجندة المحادثات نحو مطالب أميركية جانبية، خصوصاً في ظل تنامي التحديات الاقتصادية الداخلية.
وبحسب بقائي، التركيز ينصبّ على “رفع العقوبات الجائرة” كشرط مسبق لأي تفاهمات، وهذا تحوّل في الأولويات الإيرانية، من الملف النووي إلى ضغوط معيشية تواجهها بسبب الحظر الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران – 963+
مرونة محسوبة
إلى ذلك، باتت طهران تطرح نفسها طرفاً يسعى إلى “حل الخلافات بالحوار”، وهذه مرونة محسوبة تهدف إلى كسب التعاطف الدولي. ويتجلى هذا الانزياح في قبول إجراء جولات متتالية من المفاوضات، رغم تأكيدها أن “شكل وأطر التفاعل لم تتغيّر”. ويُعتبر هذا التحوّل استجابة للضغوط الشعبية المتصاعدة بسبب الأزمة الاقتصادية، حيث تُقدّر خسائر إيران السنوية من العقوبات بأكثر من 50 مليار دولار.
من الناحية الأميركية، ثمة تحوّل من سياسة الضغط إلى ديبلوماسية المخاطر المُدارة، إذ وصفت واشنطن مفاوضات عُمان بأنها “خطوة إلى الأمام”، في إشارة إلى قبولها بالمسار غير المباشر بعد سنوات من سياسة “الضغط الأقصى”.
ويعكس هذا التحوّل إدراكاً أميركياً بفشل العقوبات المنفردة في تحقيق أهدافها. من جهة أخرى، يُمكن تفسير هذا التحوّل في إطار الاستعدادات الانتخابية، حيث يسعى ترامب إلى تحقيق إنجاز ديبلوماسي يُعزّز فرصه في السباق الرئاسي المقبل، مع الحذر من انتقادات الحزب الديموقراطي والمحافظين الذين يرون في أي تفاهم مع إيران “مكافأة للسلوك العدائي”.
إلى ذلك، لا بد من التذكير بأن إدارة جو بايدن السابقة توصلت إلى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران تُكلّف الولايات المتحدة نحو 100 مليار دولار سنوياً، وهذا المنطق الاقتصادي-الأمني يفسّر قبول واشنطن بالتفاوض غير المباشر، رغم علمها بأنه يمنح طهران هامشاً للمناورة. الهدف اليوم هو “تجنّب الفوضى الإقليمية التي قد تنعكس على المصالح الأميركية”، وهذا يُشير إلى أولوية تحقيق استقرار مؤقت في المنطقة على حساب الحسم في الملف النووي.
على هامش الطرفين المتحاورين، تقف إسرائيل مراوحة بين المعارضة العلنية والمناورات الخلفية. فالموقف الرسمي في تل أبيب هو رفض أي تفاوض مع إيران لأنه “فرصة لتعزيز النظام الإيراني”، ودعم سياسة العقوبات القصوى.
اقرأ أيضاً: انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران – 963+
مخاوف عميقة
ويعكس هذا الموقف مخاوف عميقة في إسرائيل من أي اتفاق قد يسمح لطهران بتخصيب اليورانيوم ولو بنسب منخفضة، حتى لو ظلّ ذلك ضمن الأغراض المدنية. إلى ذلك، تعمل إسرائيل على مسارات متوازية لتفخيخ المفاوضات، إذ كثّفت جهودها لإقناع أعضاء الكونغرس بفرض عقوبات جديدة على إيران.
وهذا التعقيد يطرح احتمالات مختلفة. الاحتمال الأكثر ترجيحاً اليوم هو عقد اتفاق محدود، يُنتج رفعاً جزئياً للعقوبات عن إيران بعد موافقتها على تجميد بعض أنشطتها النووية، مثل تخفيض مخزونها من اليورانيوم المخصّب إلى 60%، مقابل إعفاءات محدودة في قطاعي النفط والبنوك.
وبذلك، يستطيع الجانبان الادعاء أنهما حققا انتصاراً ديبلوماسياً، من دون حلّ المشكلة جذرياً، إذ لا ضمان ألا تستمر إيران في تطوير برنامجها الصاروخي. والاحتمال الثاني، وهو مرجح أيضاً مع بعض التحفظ، يقوم على تدخل استهداف عسكري إسرائيلي استباقي لمنشآت نووية إيرانية، منعاً لأي اتفاق لا يبت في صالحها، ما يُعيد المنطقة إلى ساحة المواجهة، مع تداعيات خطيرة على أمن الملاحة في مضيق هرمز.
اقرأ أيضاً: “نيويورك تايمز“: خامنئي وافق على المفاوضات مع واشنطن خشية حرب شاملة – 963+
أما الاحتمال الأخير فيقضي بالعودة الأميركية إلى سياسة المواجهة الشاملة، وبذلك تشهد العلاقات الأميركية – الإيرانية تصعيداً غير مسبوق، وتعود واشنطن إلى فرض عقوبات “ذكية” تستهدف القطاع التقني الإيراني، فترد طهران بتسريع نشاطها النووي لتخصيب اليورانيوم بنسبة 90% خلال أشهر، فتقترب أكثر من امتلاك سلاح نووي.
أخيراً، وصف مراقبون المفاوضات بـ”الحامية على حافة الهاوية”، في ظل فجوة ثقة تاريخية وصراع مصالح إقليمي. فبينما تسعى إيران إلى تحقيق مكاسب اقتصادية عاجلة، تحاول واشنطن إدارة الأزمة من دون التورط في مواجهة مكلفة، وتستمر إسرائيل في أداء دور المُعطّل الخفي انطلاقاً من إدراكها أن أي تقارب أميركي – إيراني يُهدّد تفوّقها الاستراتيجي في المنطقة.










