بينما تتكدس أصناف الحلويات الدمشقية والمواد الغذائية المستوردة في واجهات المحال التجارية بأسواق “الحريقة” و”الشعلان”، يقف المواطن السوري أمامها كمتفرج في معرض للفنون، لا كمتسوق. المشهد السوري اليوم يقدم مفارقة اقتصادية كبرى، من وفرة في السلع، وانعدام في القدرة الشرائية، لتأتي أزمة تأخر الرواتب هذا الشهر لتزيد الطين بلة، ففي الوقت الذي تتضاعف فيه المصاريف مع اقتراب عيد الفطر، يجد الموظف نفسه في اليوم الخامس عشر من الشهر دون “سيولة” في يده.
لغة الأرقام.. الفجوة التي لا تُردَم
يقول الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم في تصريحات لـ”٩٦٣+” تبدو الأسواق السورية اليوم في مشهدٍ لافت للنظر، رفوف ممتلئة بالسلع التركية والأردنية ومئات الماركات المستوردة، وحركة بيع لا تنقطع في الشوارع التجارية، لكن ما إن يقترب المواطن من البائع حتى تُفصح الأرقام عن حقيقة مغايرة تماماً، فالراتب الذي لم يُصرف بعد، والسلة الغذائية التي باتت حلم رمضان لا واقعه، والموظف الذي يعيش في منتصف الشهر أسير انتظار لا يُعرف متى ينتهي، كلها مشاهد تكشف أن وفرة السلع لا تعني صحة الاقتصاد، بل قد تكون دليلاً على خلله العميق، فلا يمكن الحديث عن اقتصاد صحي دون النظر إلى ميزان “الدخل مقابل الإنفاق”.
وتشير التقديرات الحالية (وفقاً لمراكز دراسات اقتصادية محلية وتقاطعات الأسعار) إلى أن متوسط تكلفة المعيشة للأسرة السورية المكونة من 5 أفراد إلى ما يقارب 12 مليون ليرة سورية شهرياً لتأمين الاحتياجات الأساسية (غذاء، سكن، طاقة) في حين لا يزال متوسط رواتب الموظفين في القطاع العام يتراوح بين مليون إلى مليون 200 ألف ليرة سورية، أي نحن نتحدث عن راتب يغطي أقل من 10% من الاحتياجات الأساسية للأسرة.
اقرأ أيضاً: العيد ليس للجميع.. حكايات منسيّة خلف فرحة العيد – 963+
وهم الرفاه.. استيراد الاستهلاك لا استيراد الإنتاج
يتابع الجاسم إن امتلاء الأسواق بالبضائع ليس دليلاً على قوة الليرة أو متانة الاقتصاد، بل هو نتيجة لسياسة “توفير السلع بأي ثمن” مع نزيف القطع الأجنبي، فاستيراد الكماليات والسلع الجاهزة يستنزف ما تبقى من احتياطيات القطع الأجنبي، بدلاً من توجيهها لدعم مدخلات الإنتاج (المواد الأولية، الطاقة، الآلات)، إضافة إلى غياب الإنتاج المحلي، وتحول الاقتصاد السوري من “اقتصاد منتج” كان يحقق اكتفاءً ذاتياً في الغذاء والنسيج، إلى “اقتصاد ريعي/تجاري” يعتمد على الوساطة التجارية واستيراد الجاهز.
والوفرة في الأسواق تتحول إلى عبء على التاجر أيضاً؛ فالبضائع مكدسة، وحركة المبيعات في أدنى مستوياتها، مما يهدد بإفلاس صغار الكسبة، ويمكن أن يطلق على الاقتصاد السوري ” اقتصاد الحوالات” لأن الاعتماد على الحوالات هو المنقذ الوحيد للمواطنين وباتت “الحوالات الخارجية” من المغتربين هي المحرك الوحيد والوهمي للسوق، وهي لا تبني اقتصاداً، بل توفر “بقاءً على قيد الحياة” لجزء من الشعب.
ميزان التجارة الخارجية.. الخلل القاتل
يختم الجاسم: الاقتصاد القوي هو الذي يصدر أكثر مما يستورد، وفي الحالة السورية هناك عجز في الميزان التجاري، وفجوة هائلة بين الصادرات الخجولة (فواكه، بعض النسيج) والواردات الضخمة، وما تشهده الأسواق السورية من وفرة في السلع التركية ليس مؤشر عافية، بل شاهد على الخلل الهيكلي العميق في الاقتصاد.
وبحسب الإحصائيات التركية، بلغت الواردات السورية من تركيا وحدها 1.8 مليار دولار خلال سبعة أشهر من 2025، في مقابل صادرات سورية إلى تركيا لم تتجاوز 143 ألف دولار في الفترة ذاتها، والواردات التركية وحدها تساوي 12,500 ضعف الصادرات السورية إليها، رقم يختصر أزمة بأكملها، فاستيراد السلع الجاهزة يعني “توفير فرص عمل لعمال الخارج”، بينما يعاني الشباب السوري من البطالة أو الهجرة نتيجة توقف المصانع المحلية عن العمل بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة.
ويضيف: وما نعيشه اليوم هو حالة “ركود تضخمي” حادة، الأسعار مرتفعة جداً (تضخم) والأسواق متوقفة عن الحركة (ركود)، إن الرفاه الذي نراه على الرفوف هو “قشرة رقيقة” تخفي خلفها هيكلاً اقتصادياً يحتاج إلى جراحة عاجلة تبدأ من دعم الإنتاج الزراعي والصناعي لتقليل الاعتماد على المستورد، وربط الأجور بالواقع المعيشي بشكل حقيقي لا ترقيعي، وتوفير بيئة استثمارية تعيد تحريك المصانع المتوقفة.
وأخيراً لن يكون الاقتصاد السوري قوياً بمجرد امتلاء “الواجهات” بالبضائع، بل عندما يمتلئ “البراد” في منزل كل مواطن من عرق جبينه وإنتاج بلده.
اقرأ أيضاً: الشرع يصدر مرسومين بزيادة رواتب العاملين في القطاعين العام والمشترك – 963+
رمضان والعيد: عبء موسمي على هشاشة دائمة
في رمضان 2026، تُعاد القصة ذاتها بأسعار أعلى، فبينما ارتفعت الرواتب الاسمية مقارنةً بالعام الماضي، فإن أسعار المواد الأساسية تجاوزتها بمراحل، وبينما تعترف الحكومة بأن المشكلة في القدرة الشرائية لا في توافر السلع، تظل الموائد الرمضانية مؤشراً لا يُخطئ على واقع الدخل الحقيقي.
وفي مقارنة بسيطة على بعض السلع الغذائية الأساسية بين رمضان 2025 ورمضان 2026 نجد كيلو الأرز من 8,000 ل.س إلى 10,500 ل.س بنسبة زيادة +31% ، وكيلو لحم العجل من 100,000 ل.س إلى 155,000 ل.س بنسبة زيادة +55% ، وكيلو لحم الخروف من 135,000 ل.س إلى 180,000 ل.س بنسبة زيادة +33%، وكيلو الدجاج الحي من 19,000 ل.س إلى 27,000 ل.س بنسبة زيادة +42%، وكيلو السكر من 6,000 ل.س إلى 8,500 ل.س بنسبة زيادة +41%، وكيلو البندورة من 3,000 ل.س إلى 9,000 ل.س بنسبة زيادة +200%، وكيلو البطاطا من 2,500 ل.س إلى 6,500 ل.س بنسبة زيادة +160%.
وفي نهاية المطاف، تكشف المقارنة عن ارتفاع في الأسعار رغم توفر السلع ومفارقة موجعة، فسوريا اليوم تعيش وفرة في عرض السلع وشُحاً حاداً في الطلب الفعلي، فالأسواق مليئة لأن المستورد وجد سوقاً مفتوحة، لا لأن الاقتصاد أنتج ووزّع الثروة على مواطنيه، والموظف الذي لم يتسلم راتبه في منتصف الشهر هو الوجه الحقيقي لهذا الاقتصاد، لا الرف الممتلئ بالواجهة التجارية.
وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف شهر مارس 2026، لم يتسلّم كثير من موظفي القطاع العام رواتبهم بعد، وهذا ليس استثناءً، بل نمط متكرر في ظل خزينة تعتمد على الإصدار النقدي وليس على إيرادات حقيقية، يقول عامر الحسن، موظف في إحدى المديريات الحكومية في حماة لـ”963+”: “نحن في منتصف رمضان، والراتب لم يأتِ بعد، كيف أُعدّ إفطار أولادي؟”
اقرأ أيضاً: عندما يصبح الموظف والمهندس والمحامي فقيراً: قصة انهيار العمود الفقري للمجتمع السوري – 963+
مفارقة الوفرة والفقر
يرصد الباحث الاقتصادي رائد المشرف في تصريح لـ”963+” جوهر المعضلة في عبارة واحدة: الاقتصاد السوري “خرج من حالة الجمود لكنه لم يدخل في مسار تعافٍ منظم” فالتحسّن الطفيف في الليرة السورية، لم يكن ثمرة نمو إنتاجي، بل ارتبط بشح السيولة وتحويلات المغتربين وتخفيف للعقوبات، وهو ما يجعله تحسناً هشاً لا يصمد أمام أي ضغط، ويكشف عن وجود اقتصادين متوازيين في سوريا: اقتصاد رسمي يعاني من شُح الموارد ويعتمد على المساعدات والإصدار النقدي، واقتصاد غير رسمي يتحكم بالاستيراد والتوزيع وأسعار الصرف، والمفارقة أن الثاني يمنع الأول من الانهيار التام، لكنه يحول دون أي إصلاح حقيقي لأنه يقوم على مصالح لا تريد الاستقرار.
ويؤكد المشرف أن الاقتصاد القوي هو الذي يخلق فرص عمل لمواطنيه، ويحقق توازناً في ميزانه التجاري، ويحوّل الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة، وسوريا تمتلك المقومات أراضٍ زراعية خصبة كانت تُصدّر القمح والقطن، واحتياطيات نفط وغاز، ومناجم فوسفات، وكفاءات بشرية في الوطن والمهجر، ولكن الفجوة بين الموارد الكامنة والواقع المعاش واسعة جداً.
الاقتصاد الصحي لا يُقاس بحجم الاستيراد، بل بحجم الإنتاج والتشغيل والتصدير. ويختم “المشرف” أن سوريا بناتج محلي يساوي نحو 15% من حجمه عام 2010، وبعجز تجاري يتجاوز 2.8 مليار دولار، وبموظفين ينتظرون رواتبهم وأسعار رمضان تأكل ما تبقى من مدخراتهم، يعني أن سوريا لا تزال بعيدة عن الاقتصاد الذي يستحقه مواطنوها، والطريق الوحيد نحوه يمر عبر الإنتاج، لا الاستيراد، وأن وفرة السلع في الأسواق السورية مظهر مؤقت للرفاه، لا دليل على صحة اقتصادية، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحياة والمعيشة.










