مع اختتام الدورة الثلاثين من مهرجان الشعر الكردي، وبعد أيام قليلة على انطلاق مهرجان كرصور الشعري بثلاث لغات (الكردية–العربية–السريانية)، تردّد السؤال همساً بين المنظمين والمشاركين: أين الشباب؟ ففي الصفوف الأمامية لقاعة المهرجان، جلس شعراءٌ جاوزت تجاربهم عقوداً طويلة من الكتابة، تتبادل أعينهم القصائد والذكريات، وتتشابه ملامحهم كما لو أنها خارجة من دفتر واحد. أما المقاعد الخلفية، فكان الفراغ سيّد المشهد، حاضراً بثقله الصامت، كعلامة استفهام لا تحتاج إلى شرح.
وخلال شهر واحد فقط، احتضنت مدينة القامشلي مهرجانين أدبيين يعكسان غناها الثقافي وتنوّعها اللغوي، في محاولة لترسيخ التعددية التي لطالما شكّلت أحد ملامح المدينة. غير أن الغياب شبه الكامل لفئة الشباب، حضوراً ومشاركة، تحوّل إلى ظاهرة مقلقة تستدعي التوقف عندها، لا بوصفها تفصيلاً عابراً، بل بوصفها مؤشراً على خلل أعمق في العلاقة بين الجيل الجديد والمشهد الثقافي.
وبحسب ملاحظات ميدانية، لم تتجاوز نسبة الحضور الشاب في بعض الأمسيات عشرة في المئة من إجمالي الجمهور، وغالباً ما اقتصر وجودهم على مشاركين محددين، أو طلاب جامعيين حضروا بدافع أكاديمي لا أكثر. ويكتسب هذا الغياب دلالته من كونه غير مألوف؛ ففي دورات سابقة من مهرجانات مشابهة، أو في فعاليات ثقافية أخرى كالأمسيات الموسيقية والمعارض الفنية، كان الحضور الشاب أكثر وضوحاً، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية حول طبيعة الخلل الحاصل اليوم.
اقرأ أيضاً: الأخوان ملص لـ”963+”: الفن كفعل ذاكرة ونجاة ومساءلة – 963+
ويرى الشاعر مروان علي، أحد منظمي مهرجان كرصور الشعري، أن السؤال في مكانه تماماً، ويقول لـ”963+”: “غياب الشعراء الشباب عن المهرجانات ليس في صالح الحركة الثقافية عموماً، ولا في صالح التجربة الشعرية الجديدة تحديداً”.
ويضيف علي أنه يسعى في كل دورة إلى دعوة تجارب شعرية شابة، لا بالمعنى العمري، بل من حيث حداثة النص والرؤية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق الشعراء الشباب أنفسهم، من خلال انزوائهم وابتعادهم عن المشهد.
وبرأيه، لا يمكن أن يكون الحل محصوراً بالدعوات وحدها، بل يحتاج إلى دور أكثر فاعلية من المؤسسات الثقافية ودور النشر والدوريات، عبر فتح المجال أمام الأصوات الجديدة، وتأسيس جوائز شعرية مخصّصة للشباب، وإصدار دوريات شعرية بإدارة وتحرير شبابي، مستشهداً بتجربة جائزة يوسف الخال التي أطلقتها مجلة الناقد في التسعينيات، وأسهمت في تقديم عشرات الأسماء الجديدة للمشهد الشعري العربي.
في المقابل، يرى متابعون أن أسباب ابتعاد الشباب عن المهرجانات الأدبية متداخلة، تبدأ من تغيّر أنماط التلقي الثقافي، حيث ينجذب الجيل الجديد إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، على حساب الأشكال التقليدية للأمسيات الشعرية، ولا تنتهي عند غياب التجديد في البرامج، وتكرار الأسماء المكرّسة، والنقص الواضح في إشراك أصوات شابة قادرة على التعبير عن أسئلة الجيل الجديد، فضلاً عن فجوة لغوية وتعبيرية تجعل بعض الشباب عاجزين عن رؤية أنفسهم في اللغة المطروحة أو القضايا التي تتناولها القصائد، إضافة إلى ضعف الترويج، واعتماد وسائل إعلان تقليدية لا تصل إلى المنصات التي يتواجد فيها الشباب فعلياً.
من جهته، يربط الشاعر دليار أوسي (30 عاماً) ضعف حضور الشباب بتداعيات الحرب وتراجع الجهات الداعمة، قائلاً لـ”963+”: “لا يُمنح الشباب مجال حقيقي للمشاركة، والجهات التي كانت تهتم بنا تراجعت بشكل ملحوظ. أحياناً نسمع عن المهرجان بعد انتهائه عبر فيسبوك”.
ويضيف: “نشعر أحياناً أن هذه المهرجانات تعيد إنتاج خطاب موجّه لجيل سابق، لا يعبر عنا”.
اقرأ أيضاً: دوجانا عيسى لـ “963+”: الفن مسؤولية قبل أن يكون شهرة – 963+
أما الكاتب والناقد خالد جميل من هولير، فيرى أن جزءاً من المشكلة يعود إلى الشباب أنفسهم، معتبراً أن الرهبة والتردد والشعور بالعجز أمام الواقع تدفعهم إلى الانسحاب بدل المبادرة، ويقول لـ”963+”: “ليس من المعقول أن ينتظر الشباب من يفتح لهم الطرق. عليهم إثبات حضورهم دون انتظار ظرف أو جهة قد لا تأتي”.
وفي هذا السياق، يرى منهل خلف عضو لجنة التقييم في ديوان الأدب في شمال وشرق سوريا، في تصريحات لـ”963+” أن استقطاب الشباب يحتاج إلى مقاربة أوسع، تبدأ بتقديم حوافز مادية ومعنوية، وتمرّ عبر تشجيع القراءة وبناء أرضية ثقافية مستدامة، ولا تكتمل دون تنسيق حقيقي بين الجهات الثقافية، وتنظيم الفعاليات بفواصل زمنية مناسبة لتجنّب التضارب والإرهاق.
ويؤكد الشاعر أحمد العبد، أن تكرار الأسماء ذاتها يفاقم المشكلة، قائلاً لـ”963+”: “المهرجانات تستقطب دائماً الأشخاص أنفسهم. من دون وجوه جديدة سنبقى بعيدين عن المشهد الثقافي”.
من جانبها، تشير الشاعرة ألكسندرا محمد (23 عاماً) إلى عامل لا يقل أهمية، يتمثل في توقيت الأنشطة وعدم مراعاتها لضغوط العمل والمعيشة، وتقول لـ”963+”: “غبت عن الأنشطة لفترة طويلة بسبب تعارضها مع عملي. يجب أن تكون الفعاليات مناسبة لظروف الجميع”.
وتذهب شمس عنتر، عضوة اللجنة التحضيرية للمهرجان الكردي، إلى أن بعض الشباب استسلموا أمام التحديات والتنمر، مؤكدة أن الحل يكمن في العمل المؤسساتي طويل الأمد، والتشجيع المستمر، وتنظيم مسابقات حقيقية تفتح الأبواب أمام الجميع دون استثناء.
وتتلاقى هذه الآراء عند نقطة واحدة: أن استمرار هذا الغياب قد يقود إلى نتائج مقلقة، تبدأ بانقطاع السلسلة الثقافية بين الأجيال، وتمرّ بتحوّل المهرجانات إلى مناسبات نخبوية مغلقة، ولا تنتهي بتراجع دور الشعر كأداة تعبير حيّة، وفقدان المدينة أحد ملامح هويتها الثقافية المتجددة.
وتقول الشاعرة رشا شمعون (٣٥ عاماً) في هذا السياق لـ”963+”: “المهرجانات تفتح مجال للاستماع واكتساب خبرات جديدة من الاقلام المشاركة في النشاط، ومن الضروري الشباب يشاركوا لانو بالنهاية المستقبل دائما لهل فئة. ولكن أنا مثل أي شخص عندي ظروف والتزامات لذلك من فترة طويلة لم احضر اي نشاط ثقافي”.
ويمكن أن نقول في لحظة ما “حين جلس الفراغ ليستمع إلى القصيدة ومهرجانات شعرية متعددة، وجمهور يتقدّم في العمر، وشباب يبتعد بصمت عن القاعة ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح المؤسسات الثقافية في إعادة ربط الشباب بالمشهد الشعري، عبر التجديد والانفتاح والدعم الحقيقي؟ أم أن الفراغ في الصفوف الخلفية سيستمر في الاتساع، عاماً بعد عام؟ سؤالٌ لا يخص القامشلي وحدها، بل المشهد الثقافي بأكمله.










