منذ هزيمة تنظيم “داعش” عسكرياً في سوريا والعراق، ما يزال ملف عناصره المعتقلين وعوائلهم أحد أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً على الإطلاق. حيث أن التنظيم الذي سيطر على مساحات واسعة في منتصف العقد الماضي، تراجع بشكل كبير بعد جهود عسكرية طويلة بقيادة التحالف الدولي ومشاركة قوى محلية في سوريا والعراق. ومع كل ذلك ماتزال خلاياه النائمة على محدوديتها إلى جانب آلاف المعتقلين وعوائلهم يشكلون تحدياً أمنياً وإنسانياً في المنطقة.
في هذا السياق، برزت عمليات نقل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق بمشاركة القوات الأميركية والتحالف الدولي، وسط تصريحات رسمية من واشنطن وبغداد وقلق حقوقي من الجهات الدولية.
وتشير بيانات رسمية عراقية إلى أن بغداد استقبلت آلاف المعتقلين الذين يحملون جنسيات متعددة من سوريا، ويجري احتجازهم في مرافق خاصة مستحدثة، فيما ستتم إحالتهم إلى القضاء العراقي المختص لمحاكمتهم على جرائم “الإرهاب”.
ويعكس هذا التحرك رغبة العراق في استثمار خبراته السابقة بمواجهة تنظيم “داعش” عام 2017، وتحمّل جزء من الأعباء الأمنية والقضائية، خصوصاً أن أغلب الدول لم تستجب لاستعادة رعاياها المرتبطين بالتنظيم من المخيمات ومراكز الاحتجاز بالإضافة إلى الأوضاع غير المستقرة التي تعيشها مناطق شمال شرق سوريا والتي كانت تعتبر الأكثر تواجداً لمعتقلي التنظيم وعوائلهم.
وتعد المخيمات مثل مخيم “الهول” نقطة جذب قد يستخدمها تنظيم “داعش” لإعادة بناء الشبكات الأيديولوجية وتجنيد أتباع جدد، في ظل ظروف معيشية وإنسانية سيئة. وقد شددت بعض الأطراف والجهات الدولية منها الأمم المتحدة في تصريحاتها الرسمية على أن تفكيك هذه المخيمات أو إعادة تنظيم إدارتها يُعد خطوة أساسية لمنع أي استغلال أمني لها في المستقبل.
وأفادت وكالة “رويترز”، أن عدد السكان في مخيم الهول تراجع بشكل كبير إلى أقل من ألف عائلة بعد سيطرة الجيش السوري على المنطقة، وهو تغير كبير مقارنة بالأعداد السابقة التي تجاوزت عشرات الآلاف، حيث بدأت الحكومة السورية منذ أيام بنقل بعض العائلات إلى مخيمات جديدة في ريف حلب.
اقرأ أيضاً: من التنسيق إلى القرار: ما هي انعكاسات انخراط سوريا المباشر في التحالف الدولي
تجربة مؤلمة وتحول مهم
يقول الصحفي السوري علي الأمين في تصريحات لـ “963+”، إن عملية نقل عناصر تنظيم “داعش” من السجون في شمال شرقي سوريا إلى العراق تمثل تحولاً مهماً في إدارة هذا الملف المعقد، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام أسئلة سياسية وأمنية وقانونية لا تقل حساسية عن المرحلة السابقة. ويوضح أن هذه الخطوة تعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن بقاء آلاف المعتقلين في بيئة أمنية هشة داخل سوريا يشكل خطراً مستمراً، سواء من حيث احتمالات الفرار أو إعادة تشكل خلايا التنظيم.
ويضيف الأمين، أن العراق يمتلك تجربة مؤلمة ومباشرة مع التنظيم، وهو ما يمنحه خبرة قضائية وأمنية في التعامل مع هذه القضايا، إلا أن نقل المعتقلين يجب أن يترافق مع ضمانات واضحة تتعلق بالمحاكمات العادلة والشفافية، حتى لا يتحول الملف إلى مصدر توتر حقوقي جديد. ويشير إلى أن الاقتصار على الحلول الأمنية دون مقاربة قانونية وإنسانية شاملة قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.
وفي ما يخص مخيمات عوائل التنظيم، يرى الأمين أن تفكيك هذه المخيمات أو إعادة تنظيمها خطوة ضرورية، لأنها تحولت خلال السنوات الماضية إلى بيئة مغلقة قابلة لإعادة إنتاج التطرف، خاصة في ظل غياب برامج تأهيل حقيقية للأطفال والنساء. لكنه يشدد على أن التعامل مع هذه الفئة يجب أن يميز بوضوح بين من تورط في أعمال إجرامية ومن كان ضحية للظروف أو للارتباط العائلي.
ويتابع: “نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد المنقولين أو المتواجدين في المخيمات بل بقدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا الملف من عبء أمني دائم إلى مسار قانوني منضبط، يضمن الاستقرار ويحاصر احتمالات عودة التنظيم بأشكال جديدة.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بدء عملية نقل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق في 21 كانون الثاني / يناير الماضي في إطار مهمة عسكرية مشتركة تهدف إلى نقل آلاف المقاتلين المحتجزين في سجون شمال شرق سوريا إلى مرافق احتجاز عراقية أكثر أماناً ومراقبة.
وكان هذا الإعلان جزءاً من بيان رسمي يشير إلى أن العملية نفذت تحت إشراف القيادة المركزية للقوات الأميركية، وتضمنت تنسيقاً استخباراتياً مع شركاء متعددين، بهدف ضمان عدم قدرة التنظيم على استغلال الفجوات الأمنية أو حدوث عمليات فرار جماعي للمعتقلين، واكتملت العملية بعد 23 يوماً بنقل 5700 من عناصر “داعش”.
اقرأ أيضاً: العلاقات الأميركية ـ الروسية: منافسة استراتيجية أم صراع محتمل؟
أبعادٌ أمنية وقانونية معقدة
يوضح الصحفي العراقي علي الشمري، أن العراق، الذي خاض حرباً مكلفة ضد التنظيم بين عامي 2014 و2017، يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية جديدة تتمثل في استقبال أعداد من المقاتلين المحتجزين سابقاً في السجون السورية، وهو ما يعيد فتح نقاش داخلي حول القدرة الاستيعابية للمؤسسات الأمنية والقضائية.
ويرى الشمري في تصريحات لـ “963+”، أن الجانب الأمني كان الدافع الأبرز لهذه الخطوة، خاصة في ظل المخاوف من انهيار منظومة الحراسة في بعض المناطق السورية نتيجة التحولات الميدانية. فاحتمال فرار مئات أو آلاف المعتقلين كان سيعني عودة خطر الخلايا النائمة إلى العمل عبر الحدود، وهو سيناريو يثير قلق بغداد كما يثير قلق دول الجوار.
ويشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النقل بحد ذاته، بل في ما بعده: كيف ستتم إدارة المحاكمات؟ وهل ستحظى بالشفافية الكافية؟ وكيف سيتم التمييز بين من تورط فعلاً في أعمال قتالية أو إرهابية، ومن كانت أدواره ثانوية أو قسرية؟ ويضيف أن العراق مطالب بتحقيق توازن بين صرامة القانون وضرورات العدالة، خصوصاً أن هذا الملف يحظى بمتابعة دولية دقيقة.
أما في ما يتعلق بمخيمات عوائل التنظيم، مثل مخيم الهول وغيره، فيعتبر الصحفي العراقي أن تفكيك هذه المخيمات أو إعادة توزيع سكانها خطوة منطقية من الناحية الأمنية، لأن استمرارها بشكلها السابق كان يخلق بيئة مغلقة لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن نقل العائلات من مكان إلى آخر لا يكفي إذا لم يترافق مع برامج تأهيل نفسي وتعليمي واجتماعي، خصوصاً للأطفال الذين نشأوا في بيئة مشبعة بأفكار العنف.
ويختم الشمري بالقول إن نجاح هذه المرحلة سيعتمد على رؤية شاملة تتجاوز المقاربة العسكرية. فالمعركة ضد “داعش” لم تعد معركة جغرافيا، بل معركة أفكار وعدالة ومؤسسات. وإذا لم تُدار هذه الملفات بحكمة وتنسيق إقليمي ودولي، فإن خطر عودة التطرف سيبقى قائماً، حتى وإن تغيرت الأسماء والمناطق الجغرافية.
من هنا، تبرز عملية نقل عناصر تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق وإعادة تنظيم مخيمات عوائل التنظيم كخطوة محورية تمثل تحدياً متعدد الأبعاد، يجمع بين الأمن والقانون. فالنقل يسعى إلى احتواء عناصر التنظيم المقاتلين في بيئة أكثر أمانًا ومنع أي محاولات للفرار أو إعادة تشكيل خلايا نائمة، في الوقت نفسه، يمثل ملف المخيمات، تحدياً إنسانياً كبيراً، إذ يضم آلاف النساء والأطفال المرتبطين بعناصر التنظيم. بالتالي فإن إعادة تنظيم المخيمات أو تفكيكها يتطلب مقاربة متكاملة تشمل برامج تعليمية وتأهيلية ونفسية مع التمييز بين المتورطين مباشرة في الجرائم والضحايا الأبرياء.










