في زحام افتتاح معرض تجاري أو مؤتمر استثماري أو زيارة ميدانية لمسؤول حكومي، يتكرر المشهد ذاته: طابور من رجال الأعمال والوسطاء ينتظرون دورهم للحصول على “صورة تذكارية” مع المسؤول، المشهد يبدو بريئاً في ظاهره، احتفاءً عابراً بلقاء عابر، ولكن في العديد من الحالات وفق مصادر مطلعة على بيئة الأعمال في سوريا، فإن اللقطة التي تستغرق ثوانٍ معدودة تتحول لاحقاً إلى وثيقة عمل بكل ما تحمله الكلمة من معنى: صورة تُطبع، تُؤطر، تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتُستخدم كبطاقة تعريف أمام مستثمرين أو موردين أو حتى أمام دوائر رسمية أخرى.
“بمجرد التعرف على المسؤولين والتقاط صورة يبدأ فيلم الفساد بكل أريحية، مدعوماً بشبكة العلاقات الفاسدة”، هكذا يصف أحد المصادر التجارية، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، آلية عمل هذه الشبكات. العبارة، وإن بدت قاسية، تختصر ظاهرة باتت مألوفة في بيئة الأعمال السورية، تحويل رأس المال الرمزي – أي القرب الظاهري من صاحب القرار – إلى رأس مال اقتصادي فعلي.
يبقى السؤال المطروح أمام الجهات الرسمية الجديدة: هل ستبادر إلى ضبط هذا الملف قبل أن يتجذر كممارسة راسخة في بيئة الأعمال السورية، أم ستترك الباب مفتوحاً أمام من يحوّل “لحظة توثيق” إلى تجارة قائمة بذاتها.
النفوذ المصطنع: تجارة تُبنى على الصور
يشرح خبير الحوكمة عدنان حبيب في تصريح لـ”963+” أن مفهوم “الأصل غير الملموس” في الاقتصاد يشير عادة إلى عناصر مثل السمعة التجارية أو العلامة التجارية أو براءات الاختراع، وهي أصول تُقيَّم مالياً رغم أنها لا تُلمس، وفي الحالة السورية الراهنة، يبدو أن “الصورة مع المسؤول” أصبحت تُدار بمنطق مشابه: يستثمرها من يحوزها كما يُستثمر أي رأس مال آخر، عبر توظيفها في الإيحاء بوجود “غطاء رسمي” لمشروع أو صفقة لم تحصل بعد على أي ترخيص فعلي، والترويج لمكاتب استشارية أو شركات وساطة على أنها “قريبة من متخذ القرار”، لجذب عملاء وموارد، وربما الضغط على موظفين إداريين أو جهات تنفيذية للتعجيل بمعاملات أو تجاوز إجراءات روتينية، خوفاً من “واسطة” مفترضة، إضافة إلى تصفية حسابات تجارية عبر الإيحاء بالقدرة على التأثير في قرارات ترخيص أو منع منافسين.
ويضيف أن المفارقة المسؤول نفسه قد لا يكون على علم بأن صورته تُستخدم على هذا النحو، فاللقاء العام – وهو في جوهره ممارسة ديموقراطية صحية تعكس انفتاح المسؤول على المواطنين ورجال الأعمال – يتحول دون قصد إلى مادة خام لصناعة النفوذ المصطنع.
كيف تُبنى “شرعية” الصورة؟
يصف مصدر عمل سابقاً في مجال تنظيم الفعاليات التجارية آلية تكرّرت أمامه أكثر من مرة، ويقدَّم هنا كنموذج توضيحي مركّب يعكس أنماطاً متكررة وليس واقعة بعينها يقول: الشخص يحضر الفعالية كأي مدعو عادي، يقترب من المسؤول في لحظة التقاط الصور الجماعية، يحرص أن يظهر بجانبه مباشرة، ثم يغادر. بعدها بأيام، تجد الصورة نفسها مرفقة في عرض تقديمي لمستثمر أجنبي، أو منشورة على صفحة تعريفية لشركة ناشئة، وكأنها شهادة اعتماد.
ويشير إلى أن هذا النمط لا يقتصر على القطاع الخاص، فإن بعض المتنفذين غير الرسميين يستخدمون الصور ذاتها لتثبيت مكانتهم داخل مجتمعاتهم المحلية، بما يمنحهم قدرة على التوسط في نزاعات أو معاملات مقابل مبالغ مالية، دون أي صفة رسمية تخوّلهم ذلك.
لماذا تنجح هذه الحيلة في البيئة السورية؟
يرتبط انتشار هذه الظاهرة بعوامل مركّبة تتصل بطبيعة المرحلة التي تمر بها سورية كما يقول الخبير اللبناني في البروتوكول الدولي راغب فارس في تصريحات لـ”963+” أهمها غياب مدونات سلوك واضحة أو بروتوكولات منظمة للقاءات العامة لدى كثير من الجهات الرسمية الجديدة، وضعف الذاكرة المؤسسية وسجلات التوثيق التي يمكن الرجوع إليها للتحقق من طبيعة أي علاقة أو تفويض، وتعطش بيئة الأعمال، بعد سنوات من العزلة والعقوبات، لأي إشارة “طمأنة” حول انفتاح الدولة، ما يجعل الصورة مع مسؤول تبدو وكأنها ضوء أخضر استثماري، إضافة إلى محدودية الوعي الرقمي لدى شريحة من رجال الأعمال والمواطنين، ما يسهّل تصديق الادعاءات المبنية على صور بلا سياق، وأيضاً ضعف أدوات المساءلة والرقابة البرلمانية في مرحلة تأسيس مجلس الشعب الجديد، ما يقلّص فرص كشف هذه الممارسات ومحاسبة المتورطين فيها.
الكلفة الاقتصادية: من يدفع الثمن؟
يتابع فارس لا تبقى هذه الظاهرة حبراً على ورق أو التباساً عابراً في التواصل الاجتماعي، بل تترك أثراً اقتصادياً ملموساً، فالمستثمر الجاد الذي يعتمد على قنوات رسمية وإجراءات مرخّصة يجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع من يسوّق نفسه عبر “علاقات مصورة” ما يشوّه بيئة المنافسة ويرفع كلفة الثقة في السوق، كما أن الجهات الرسمية نفسها تدفع ثمناً غير مباشر، حين تُنسب إليها مواقف أو تعهدات لم تصدر عنها، فتتضرر سمعتها المؤسسية أمام المستثمرين والشركاء الدوليين في مرحلة تحتاج فيها سوريا أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة الثقة الاقتصادية.
وبحسب فارس فإن الرسالة التي يوجهها كثير من المتابعين للشأن الاقتصادي إلى المسؤولين ليست دعوة للانغلاق أو الامتناع عن اللقاءات العامة، بل لضبط الإطار الذي تُدار به هذه اللقاءات، ومن أبرز المقترحات: اعتماد بروتوكول موحّد للفعاليات العامة يحدد بوضوح الطابع الرسمي أو غير الرسمي لأي لقاء أو تصريح.
ونشر بيانات دورية توضح المشاريع والجهات التي حصلت فعلياً على موافقات أو تراخيص رسمية، لقطع الطريق أمام الادعاءات غير الموثقة، وتفعيل قنوات تحقق (Verification) رسمية تتيح للمستثمرين والمواطنين التأكد من صحة أي انتساب أو تفويض يُنسب لجهة حكومية، وتحميل من يستغل صورة أو تصريحاً لمسؤول في الترويج لمعاملات غير موثقة مسؤولية قانونية واضحة، بوصفه انتحالاً للصفة أو تضليلاً تجارياً، وأخيراً تعزيز الوعي الإعلامي والرقمي لدى رجال الأعمال والمواطنين حول كيفية التحقق من أي ادعاء نفوذ قبل الدخول في تعاملات مالية.
عندما تصبح الصورة “جواز سفر”
“صورة أي شخص مع أي مسؤول تصبح وكأنها جواز سفر لأفعل ما شئت، وأن هذا الشخص واصل ومنسّق” – هذه العبارة، رغم قسوتها، تختصر جوهر الإشكالية: حين تتحول لحظة بروتوكولية عابرة إلى سند غير رسمي للنفوذ، فإن الخاسر الأول هو مناخ الاستثمار والثقة العامة بالمؤسسات، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى بيئة أعمال شفافة تقوم على القانون والإجراءات الرسمية لا على الصور والعلاقات الظاهرية.
هذا ما تؤكده خبيرة العلاقات العامة والإعلام ليلى فياض في تصريح لـ”963+” مؤكدة أن المشكلة ليست في الصورة بحد ذاتها، بل في الثقافة التي نشأت حولها، فما إن ينشر شخص صورة تجمعه بمسؤول حتى يبدأ البعض بالتعامل معه باعتباره صاحب نفوذ، وقادراً على تمرير المعاملات، والتدخل في التعيينات، وحل المشكلات بطرق لا علاقة لها بالقانون، والأخطر من ذلك أن كثيراً من هذه الصور لا تعكس أي علاقة حقيقية، فقد تكون صورة التقطت خلال مؤتمر أو فعالية عامة أو لقاء عابر استغرق ثوانٍ، لكنها تُستخدم لاحقاً سنوات طويلة على أنها دليل نفوذ وعلاقة خاصة، فيُخدع الناس، ويُستغل اسم المسؤول، وتُشوه صورة المؤسسة.
وتلفت الفياض إلى أنه على المسؤولين أن يدركوا أن الإفراط في التقاط الصور مع كل من يطلبها قد يفتح الباب أمام من يستثمرها في بناء شبكة مصالح شخصية، حتى وإن كان المسؤول نفسه لا يعلم بذلك، كما أن المؤسسات مطالبة بأن توضح للرأي العام أن أي صورة شخصية لا تمنح صاحبها أي صفة رسمية، ولا تخوله التحدث باسمها أو التدخل في أعمالها.
وفي المقابل، يجب أن يتوقف المجتمع عن منح الشرعية لكل من يلوح بصورة مع مسؤول، فالمعيار الحقيقي ليس عدد الصور، بل الالتزام بالقانون، والنزاهة، والكفاءة.










