بعد أقل من عامين على سقوط نظام بشار الأسد، تدخل سوريا مرحلة جديدة من إعادة بناء مؤسساتها الأمنية، في ظل سعي الحكومة إلى الانتقال من إدارة مرحلة الصراع إلى ترسيخ نموذج مؤسساتي أكثر استقراراً، وفي هذا السياق، أصدر الرئيس أحمد الشرع في 19 تموز/يوليو حزمة تعيينات واسعة شملت قيادة مكتب الأمن الوطني وجهاز الاستخبارات العامة وعدداً من المواقع الأمنية العليا، في خطوة اعتُبرت الأكبر منذ تشكيل المؤسسات الأمنية الجديدة.
وتضمنت القرارات تعيين وزير الداخلية أنس خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني مع احتفاظه بمنصبه، إلى جانب تعيين عبد القادر الطحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، وحسين السلامة معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني، وملهم الشنتوت معاوناً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية، في إطار إعادة هيكلة تهدف إلى توحيد القرار الأمني وتعزيز التنسيق بين الأجهزة المختلفة.
وتأتي هذه التعديلات في وقت تسعى فيه دمشق إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي، واستكمال ملاحقة بقايا تنظيم “داعش” والشبكات المرتبطة بالنظام السابق، بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات العربية والدولية.
كما تتزامن مع تحركات حكومية لتطوير المنظومة الأمنية وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحديات، في ظل تأكيدات رسمية بأن المرحلة المقبلة تتطلب مؤسسات أكثر كفاءة وانسجاماً، قادرة على توفير بيئة مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
وبين من يقرأ هذه القرارات بوصفها إعادة هندسة شاملة للقطاع الأمني، ومن يربطها بمتطلبات جذب الاستثمار ورسائل الطمأنة إلى الخارج، تبرز تساؤلات حول دوافع هذه التعديلات، وأولويات القيادات الجديدة، ومدى انعكاسها على الأمن والاقتصاد ومسار بناء الدولة السورية الجديدة.
تطوير ونضج
يرى الصحافي السوري مرشد النايف، في حديثه لـ”963+”، أنه لا يمكن النظر إلى التعديلات الأمنية الأخيرة في سوريا بوصفها حدثاً استثنائياً، موضحاً أن مراجعة القيادات وإعادة توزيع المسؤوليات تمثل ممارسة إدارية وسياسية معروفة لا ترتبط بتوقيت محدد، بل تُطبق حتى في الديمقراطيات المستقرة باعتبارها جزءاً من آليات تطوير الأداء والتكيف مع المتغيرات.
ويضيف أن هذه التعديلات تعكس، في تقديره، نضجاً إدارياً ووعياً سياسياً لدى الإدارة السورية، التي تدرك أن نجاح المرحلة المقبلة لا يعتمد فقط على تثبيت الأمن، وإنما أيضاً على تحديث أدوات الإدارة واختيار القيادات الأكثر ملاءمة لأولويات المرحلة الجديدة.
ويشير النايف إلى أنه لا ينبغي اختزال هذه الخطوة في كونها مجرد تقييم لأداء مسؤولين بعينهم، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من عملية تطوير مؤسسي مستمرة تستهدف تحسين الأداء، ورفع كفاءة العمل الأمني، وبناء مؤسسات أكثر قدرة على مواكبة متطلبات مرحلة ما بعد التحرير.
ويلفت إلى أن التغييرات الأخيرة تمثل حركة اعتيادية لتبديل المسؤولين، ويمكن قراءتها أيضاً في إطار توجه أوسع لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وتسهيل تدفق القرار الإداري، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة.
ويعزو هذا التقدير إلى أن الإدارة السورية الحالية جاءت من صلب العمل الأمني والاستخباراتي، وتمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفات الأمنية، الأمر الذي يمنحها فهماً عملياً لنقاط القوة والقصور داخل الأجهزة، وللحاجة إلى تحديث بنيتها وتوزيع الاختصاصات بما يرفع كفاءة الأداء ويزيد سرعة الاستجابة للتحديات. ويعتقد أن المؤشرات توحي بأن الهدف يتجاوز استبدال الأشخاص إلى بناء منظومة أمنية أكثر انسجاماً وفاعلية تقوم على العمل المؤسسي.
وفي الجانب الاقتصادي، يؤكد النايف أن الاستثمار في أي دولة يرتبط أولاً بقدرة مؤسساتها على فرض الأمن وسيادة القانون، ولذلك فإن أي خطوات تعزز الاستقرار الأمني تنعكس إيجاباً على ثقة المستثمرين.
ويتابع أن القوى التي نجحت في حسم المواجهة العسكرية مع النظام السابق، وتمكنت من دحر حلفائه الإقليميين والدوليين، وأثبتت قدرتها على إدارة القطاع الأمني في مرحلة معقدة، تبعث برسالة طمأنة للمستثمرين مفادها أن الدولة قادرة على حماية الاستقرار، وهو الشرط الأول لأي نشاط اقتصادي طويل الأجل.
ويرى أن نجاح الإدارة في ترسيخ الأمن، إلى جانب تطوير المؤسسات وتوفير بيئة قانونية واقتصادية مستقرة، من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين المحليين والخارجيين، ويمهد لانطلاق مرحلة جديدة من النمو وإعادة الإعمار.
وحول أسباب التعديلات، يعتقد النايف أن الدافع الداخلي هو التفسير الأكثر اتساقاً مع طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا، معتبراً أن المبالغة في ربط كل قرار بإرادة خارجية تنتقص من كفاءة الإدارة السورية الجديدة، وكأنها تتحرك استجابة لضغوط الآخرين لا وفق تقديراتها الذاتية.
ويشير إلى أن الإدارة الحالية جاءت من صلب العمل الأمني والاستخباراتي، وتمتلك خبرة مباشرة في إدارة هذا الملف، ما يجعلها الأقدر على تشخيص احتياجات مؤسساتها واتخاذ القرارات المناسبة. ويستدرك بأن ذلك لا يمنع أن تحمل هذه الخطوات رسائل طمأنة إلى الخارج، لكنها تبدو، بحسب رأيه، نتيجة طبيعية لعملية إصلاح داخلية وليست الدافع الأساسي لها.
أولويات المرحلة المقبلة
ويحدد النايف ثلاث أولويات رئيسية أمام القيادات الأمنية الجديدة. تتمثل الأولى في مواصلة الضغط على بقايا النظام السابق، التي تراجعت قدراتها إلى مستوى الخلايا والأنشطة التكتيكية المتفرقة بعد تجريدها من قدرتها على تهديد الدولة بصورة منظمة.
أما الأولوية الثانية، فتتمثل في تعزيز ضبط الحدود، ولا سيما مع العراق ولبنان، للحد من تهريب الأسلحة والمخدرات، فيما تتمثل الثالثة في استكمال ملاحقة ما تبقى من خلايا تنظيم “داعش”، التي باتت تتحرك بأسلوب الخلايا المحدودة بدلاً من السيطرة الميدانية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يلفت إلى أن التحدي لا يتمثل في حماية الاستثمارات بقدر ما يتمثل في ترسيخ بيئة أمنية مستقرة تعزز ثقة المستثمرين وتشجع تدفق رؤوس الأموال، معتبراً أن الأمن يؤدي دوراً تمكينياً للاقتصاد، وليس استجابة لتهديدات استهدفت المشاريع الاستثمارية.
ويتحفظ على استخدام عبارة “تأمين المشاريع الاقتصادية الكبرى”، لأنها، بحسب قوله، توحي بصورة غير دقيقة بأن تلك المشاريع تعرضت سابقاً لتهديدات أو اعتداءات، وهو ما يؤكد أنه لم يحدث.
ويؤكد النايف أن نجاح هذه التعديلات لن يُقاس بمؤشر واحد، بل بمجموعة من المؤشرات المتكاملة، أبرزها استمرار تحسن الوضع الأمني، وتراجع مستوى التهديدات، وارتفاع كفاءة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الاستباق والاستجابة.
ويضيف أن النجاح سيظهر أيضاً من خلال تحسن بيئة الأعمال، وزيادة الاستثمارات المحلية والخارجية، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، فضلاً عن تنامي ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين بقدرة الدولة على إدارة المرحلة بكفاءة واستقرار.
ويختتم بالتأكيد أن التعديلات تمثل جزءاً من عملية إعادة هندسة القطاعين الأمني والاستخباراتي في سوريا، مشيراً إلى أن ازدياد تماسك هذه المنظومة وكفاءتها ومهنيتها سيعزز الانطباع العام بالاستقرار، وينعكس مباشرة على ثقة المواطنين بالدولة السورية الجديدة، لافتاً إلى أن هذه الثقة قطعت شوطاً مهماً خلال المرحلة الماضية، فيما تشير المؤشرات إلى استمرار تصاعدها بالتوازي مع تحسن الأداء الأمني والمؤسسي.
تعزيز الأمن ووحدة القرار
يقول الصحافي محمد الحمادي، المقيم في باريس، لـ”963+”، إن التعديلات الأمنية تأتي في سياق طبيعي لدولة بدأت للتو عملية إعادة بناء مؤسساتها، ولا ينبغي قراءتها باعتبارها مؤشراً على فشل القيادات السابقة أو انتقالاً إلى مرحلة مختلفة بالكامل، بل باعتبارها عملية تطوير وتعزيز للبنية الأمنية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
ويشير إلى أن عدداً من المناصب التي شملتها التعديلات مستحدثة ولم تكن موجودة سابقاً، ما يعكس توجهاً لإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية وتوزيع الصلاحيات بصورة أكثر فاعلية.
ويضيف أن المسؤولين الذين جرى تعيينهم كانوا يشغلون بالفعل مواقع حساسة ومؤثرة في وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، وهو ما يعكس استمرارية في الخبرات مع إعادة تنظيم الأدوار، أكثر من كونه تغييراً ناتجاً عن تقييم سلبي للأداء.
ويلفت الحمادي إلى أن المرحلة الانتقالية تتطلب وجود قرار أمني موحد وهيكلية مؤسساتية واضحة تحدد الصلاحيات والمسؤوليات، بدلاً من تعدد مراكز القرار أو تداخل الأدوار.
يرى الحمادي أن إعادة توزيع المسؤوليات واستحداث المناصب الأمنية يهدفان إلى رفع كفاءة العمل وتعزيز وحدة القيادة، وليس مجرد تغيير أسماء. ويؤكد أن الاستقرار الأمني شرط أساسي لجذب الاستثمارات، إذ يمنح المستثمرين الثقة بحماية رؤوس أموالهم واستمرارية أعمالهم. وأوضح أن سوريا تعمل منذ سقوط النظام على بناء مؤسسة أمنية جديدة عبر التدريب والاستفادة من تجارب إقليمية، معتبراً أن تولي أنس خطاب منصب الأمن الوطني جاء نتيجة نجاحاته في ملفات مكافحة المخدرات وملاحقة فلول النظام وضبط السلاح.
كما يشدد على أن الحوادث الأمنية لا تعني فشل المنظومة، مؤكداً أن استمرار العمل المتوازي في ملفات الأمن يعزز ثقة المستثمرين، لافتاً إلى بدء ظهور مؤشرات على جذب شراكات واستثمارات جديدة.
ضرورة اقتصادية لاستقطاب الاستثمار
ويرى الحمادي أن نجاح التعديلات لا يمكن قياسه بمؤشر أمني واحد، وإنما بمجموعة من المؤشرات المتكاملة، لأن أي إصلاح أمني ينعكس أيضاً على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكد أن الاستقرار الأمني ليس العامل الوحيد لانتعاش الاقتصاد، لكنه الشرط الأول لانطلاقه، إذ لا يمكن الحديث عن استثمارات طويلة الأمد في ظل غياب الأمن أو استمرار حالة عدم اليقين.
ويختتم بالإشارة إلى أن مراقبة مستوى ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ومدى قدرة هذه المؤسسات على توفير بيئة مستقرة وآمنة، إلى جانب زيادة الاستثمارات وتحسن النشاط الاقتصادي وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية، ستكون المؤشرات الأوضح على نجاح هذه التعديلات وتحقيقها أهدافها.
يقول الدكتور أحمد الزين، الخبير في الشؤون الاستراتيجية والمقيم في بيروت، لـ”963+”، إن سوريا تواجه تحديات كبيرة، وفي مقدمتها إعادة الإعمار التي ستكلف مئات المليارات من الدولارات، لافتاً إلى وجود اهتمام من قوى دولية كبرى، بينها الولايات المتحدة والصين وروسيا، بالمشاركة في هذه العملية.
ويشير إلى أن هذه المنافسة الدولية تفرض على الرئيس أحمد الشرع إثبات قدرة الدولة على إدارة المرحلة، وتهيئة البيئة التي تمنح المستثمرين الثقة للدخول إلى السوق السورية.
ويضيف أن التعيينات الأخيرة وإعادة الهيكلة الأمنية تمثل بداية لمسار أوسع من التغييرات التي ستشهدها سوريا، متوقعاً أن يرتبط جزء منها بتعزيز ثقة المستثمرين، فيما يرتبط جزء آخر بتوجهات الدول الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة، التي يرجح أن يكون لها دور مؤثر في مرحلة إعادة الإعمار.
ويرى الزين أن الوضع الحالي لا يزال غير مطمئن بما يكفي للمستثمرين، الأمر الذي يستدعي اتخاذ خطوات جذرية من الحكومة والرئاسة السورية لتعزيز الثقة، لأن الدول والشركات التي تعتزم استثمار مئات المليارات لن تقدم على ذلك في ظل بيئة تعاني خللاً أمنياً.
ويتابع أن الأولوية يجب أن تكون لضبط الساحة الداخلية، ثم تعزيز أمن الحدود ومنع تهريب المقاتلين إلى داخل سوريا، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة، وفق معلوماته، تريد ساحة سورية موحدة ومحصنة، كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن رفضه تقسيم سوريا تحت أي ذريعة.










