هل نظن أن الدعوة إلى إقحام سوريا في المواجهة مع «حزب الله» زلّة لسان أميركية عابرة؟ لا أظن. عندما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن دمشق أقدر من إسرائيل على «التعامل» مع الحزب، كان يطرح – بعبارة فجة – فكرة تخدم مصلحة إسرائيلية قديمة: أن يتولى الآخرون حراسة حدودها، وأن يدفع لبنان وسوريا ثمن أمنها من دمائهما واستقرارهما.
تأتي الفكرة فيما يربط الإطار الأمني الجاري تنفيذه بين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ونزع سلاح «حزب الله»، مع تحميل الجيش اللبناني العبء الأساسي في المناطق التجريبية. وفي الوقت نفسه، ظهرت اقتراحات أميركية بإسناد دور إلى دمشق في قطع خطوط إمداد الحزب وضبط الحدود الشرقية. لكن الرئيس السوري أحمد الشرع نفى صراحة وجود نية لإرسال قوات إلى لبنان، مؤكداً أن دور بلاده يجب أن يمر بالمؤسسات اللبنانية والحوار، لا عبر تدخل عسكري خارج الحدود.
فما الذي تريده إسرائيل إذاً؟
أولاً. تريد تل أبيب نقل الحرب من مواجهة إسرائيلية – لبنانية إلى صدام سوري – لبناني، أو بالأحرى سوري – شيعي. فإن دخلت قوات دمشق لملاحقة الحزب، ستتحول إسرائيل من قوة احتلال وقصف إلى متفرج يراقب خصمين عربيين يستنزف أحدهما الآخر. وتصبح قضية السيادة اللبنانية نزاعاً مع سوريا، بدلاً من أن تبقى مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي والانسحاب وإعادة الإعمار.
ثانياً. تريد تل أبيب تفكيك «حزب الله» من خاصرته الشرقية. فالقوة الإسرائيلية تستطيع ضرب الجنوب والبقاع، لكنها لا تستطيع وحدها إغلاق الجغرافيا الممتدة بين لبنان وسوريا، أو إدارة القرى والطرق والمعابر. فالمطلوب جيش سوري يؤدي وظيفة حرس الحدود بالنيابة عن إسرائيل: يمنع السلاح والمقاتلين، ويضغط على البيئة الخلفية للحزب، ويتحمل الكلفة السياسية والأمنية.
ثالثاً، يتيح هذا السيناريو لإسرائيل التخلص من معضلة «اليوم التالي»: قد تضعف الحزب بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تحكم لبنان، ولا أن تنزع سلاح تنظيم متجذر اجتماعياً وسياسياً. لذلك، يصبح إغراء دمشق بالمساعدات ورفع العزلة والاستثمار وسيلة لتحويل السلطة السورية الجديدة إلى مقاول أمني إقليمي، فيما تبقى إسرائيل صاحبة الشروط، من دون أن تتحمل مسؤولية التنفيذ.
قد لا يكون المطلوب دخولاً سورياً واسعاً بالفعل. يكفي التلويح به للضغط على الحكومة اللبنانية، وتخويف «حزب الله» بإمكان فتح جبهة خلفية عليه، ووضع دمشق أمام امتحان الولاء للنظام الإقليمي الجديد. إنها ورقة تفاوضية أيضاً: إما أن تضبط سوريا حدودها وفق الشروط الأميركية والإسرائيلية، وإما أن تبقى إعادة إعمارها واندماجها الدولي معلّقين. لكن الأخطر هو استدعاء التاريخ. فالجيش السوري دخل لبنان في 1976، وبقي فيه حتى نيسان/أبريل 2005، أي نحو 29 عاماً. وخلال تلك المرحلة، تعاملت إسرائيل وسوريا مع لبنان، على الرغم من صراعهما، كساحة نفوذ ومساومة وضبط متبادل. وتظهر وثائق أميركية أن مسؤولين إسرائيليين قبلوا، في مراحل معينة، وجوداً سورياً «منضبطاً» لأنه وفر منافع أمنية مؤقتة لإسرائيل. ثم جاء اجتياح 1982 ليكرّس لبنان ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمية.
لهذا تحمل كلمة «مجدداً» معناها الكامل: إسرائيل لا تريد بالضرورة عودة الاحتلال السوري بصورته القديمة، إنما استعادة وظيفته: سلطة خارجية تضبط لبنان، تقمع خصوم إسرائيل، وتمنع قيام دولة لبنانية مستقلة وقادرة.
الفارق أن دمشق اليوم أضعف وأكثر حاجة إلى الاعتراف والتمويل، ما يجعل الضغط عليها أسهل وإغراءها أكبر. لكن مصلحة سوريا ليست في دخول هذا الفخ. فسوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها وحدودها واقتصادها، لا إلى فتح جبهة لبنانية قد تشعل الحساسيات المذهبية وتستحضر ذاكرة الوصاية والاغتيالات والاعتقالات. كما أن أي تدخل سوري سيمنح «حزب الله» فرصة لإعادة تقديم نفسه مدافعاً عن لبنان، بعدما تراجعت شرعيته بفعل قراراته العسكرية المنفردة.
ليس المطلوب استبدال الاحتلال الإسرائيلي بوصاية سورية، ولا استبدال سلاح الحزب بسلاح دولة جارة. فالحل تقوية الدولة اللبنانية وجيشها، وربط نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي كامل وضمانات دولية وإعادة إعمار حقيقية. أما تحويل سوريا إلى أداة حرب في لبنان، فلن يصنع أمناً لإسرائيل بقدر ما سيزرع حرباً جديدة بين شعبين، دفعا ثمن حروب الآخرين باهظاً.










