استمرار الهجمات التي تستهدف القوات السورية في الشرق والشمال الشرقي من البلاد يسلط الضوء مجدداً على هشاشة المشهد الأمني في سوريا، رغم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين، وفق ما يرى محللون.
فالمناطق الممتدة من البادية السورية إلى الحدود مع العراق لا تزال تشكل بيئة معقدة تتداخل فيها نشاطات تنظيم داعش، وخلايا مسلحة محلية، وشبكات مرتبطة بجهات إقليمية، فضلاً عن مجموعات تستفيد من حالة الفراغ الأمني وعدم استكمال بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وتشير تقارير حديثة إلى استمرار تنفيذ هجمات متفرقة ضد مواقع وعناصر تابعة للجيش السوري، كان آخرها الهجوم الذي أودى بحياة جنديين سوريين قرب مدينة منبج في يونيو الجاري، وسط غياب معلومات رسمية بشأن هوية المنفذين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة متغيرات إقليمية متسارعة، مع تصاعد الحديث عن إعادة تشكيل نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران وإنشاء خلايا سرية جديدة في العراق تعمل خارج الأطر التقليدية للميليشيات المعروفة، في مؤشر على استمرار استخدام الفاعلين غير الدوليين كأدوات ضغط ونفوذ إقليمي.
كما تؤكد تقديرات أمنية وبحثية أن تنظيم “داعش”، رغم خسارته معاقله السابقة، لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ عمليات استنزاف متفرقة ضد القوات الحكومية والأمنية في سوريا، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية للبادية السورية وتشابك الملفات الأمنية على جانبي الحدود السورية العراقية.
اقرأ أيضاً: لماذا غابت انتهاكات “داعش” عن أولويات العدالة الانتقالية في سوريا؟
خلايا محلية بأجندات خارجية
يقول وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات، لـ”963+”: إن هناك جهتان رئيسيتان تقفان وراء الهجمات التي تُنفَّذ ضد عناصر ومجموعات الجيش السوري.
ويشير علوان إلى أن الجهة الأولى هي تنظيم “داعش”، موضحاً أن التنظيم يعمل وفق قرارات داخلية تخص أفراده وما تبقى من بنيته التنظيمية.
ويضيف أن الاختراق الواسع الذي تعرض له التنظيم من قبل جهات إقليمية ودولية في السابق يجعل من غير المستبعد أن يكون جزء من هذه الهجمات موجهاً بشكل غير مباشر من أطراف خارجية، وخاصة إيران.
ويلفت إلى أن حجم الاختراق الإيراني لتنظيم “داعش” كان كبيراً، وأن طهران وظفت بعض عناصر التنظيم بما يخدم مصالحها.
أما الجهة الأخرى التي تقف وراء الهجمات ضد القوات الحكومية، بحسب علوان، فهي “الميليشيات المرتبطة بإيران، سواء الحشد الشعبي في العراق أو حزب الله في سوريا”.
ويوضح أن هذه الجهات لا تزال تحتفظ بمجندين محليين كانوا يعملون سابقاً في مناطق سيطرة النظام السوري السابق ونظام الأسد.
ويتابع أن “الحشد الشعبي وحزب الله اللبناني يحافظان على قنوات تواصل مع بعض الخلايا والمجموعات الخارجة عن القانون، لافتاً إلى أن جزءاً من هذه العناصر مطلوب أمنياً، ولذلك يتوارى عن الأنظار”.
ويضيف أن هؤلاء ينفذون عمليات لصالح الميليشيات العراقية واللبنانية مقابل التمويل، مشيراً إلى أنهم في الأصل هاربون من العدالة، ومن أجل استجرار المزيد من التمويل ينخرطون في تنفيذ هذه المهام.
ويرى علوان أن “الجهات الخارجية والميليشيات المناهضة لمنظومات الدولة تستفيد من خلق الفوضى وإيجاد حالة من الإرباك في سوريا، موضحاً أن الاستقرار في سوريا لا يخدم مصالحها”.
ولذلك، يعتقد أن تشغيل هذه الخلايا المحلية اليوم يهدف إلى الإلهاء وممارسة الضغط على الحكومة السورية وإشغالها، أكثر من كونه استثماراً بعيد المدى، إذ ربما تكون هذه الجهات قد يئست من إمكانية عودة النظام السابق أو استعادة الامتداد الإيراني داخل سوريا.
التنظيمات المسلحة تستثمر الفوضى الحدودية
ويقول جلال العبادي، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ”963+”: إنه بالنسبة للهجمات في شرق سوريا وشمالها الشرقي، فإن “تنظيم داعش وجماعات أخرى تتبع لتنظيمات مختلفة لا تزال تنشط في المنطقة وتقوم بشن هجمات تبعاً للظروف السياسية والداخلية”.
ويضيف أن “هناك مشجعين داخليين وجماعات من داخل المنطقة تناصر هذه التنظيمات”، معتبراً أن “النظام السابق هو من يمول حالياً مختلف التحركات في غرب العراق وشرق سوريا”.
ويشير إلى أن “وظيفة هذه التنظيمات لا تزال تتمثل في إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في قوات النظام وإثارة القلاقل في شرق البلاد وشمالها الشرقي، ولا سيما في المناطق الصحراوية وفي غرب العراق”.
ويتابع أن “هذه المجموعات نفسها تتمتع بنفوذ قوي في غرب العراق”، موضحاً أنها “مرتبطة بتنظيمات داخلية وخارجية متعددة. ولذلك، فإنها تنشط أحياناً، بينما تلجأ في أحيان أخرى إلى الاختباء وعدم الظهور حتى ترى أن الظروف أصبحت مناسبة وأن الأهداف باتت قابلة للتنفيذ”.
وينوه إلى أن النظام في العراق لا يزال غير مستقر، وكذلك الحال بالنسبة للنظام في سوريا، ولذلك فإن هذه المجموعات المسلحة، المدعومة من أكثر من جهة، ما زالت فاعلة.
ويشير إلى وجود جهات تابعة للشرق وأخرى تابعة للغرب، فضلاً عن مجموعات مرتبطة بالأنظمة السابقة، بعضها يساري وبعضها إسلامي وبعضها شيعي. ويؤكد أن هذه المجموعات كبيرة ومتعددة ويُقدَّر عدد المنتشرين فيها حالياً بالآلاف.
ويخلص العبادي إلى أنه ينبغي على الحكومة السورية شن هجوم ضد هذه المجموعات بالتعاون مع العراق، لأنها تنشط على الحدود بين البلدين، الأمر الذي يستدعي وجود تنسيق وتفاهم بين الدولتين لمحاصرة هذه المجموعات، على الأقل لاحتوائها أو القضاء عليها. ويعلل ذلك بأن تحقيق السيطرة الكاملة على المنطقة يتطلب، وفق تقديره، ما بين سنتين وثلاث سنوات.










