في الوقت الذي يقضي فيه معظم الأطفال ساعات طويلة في استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي أو ممارسة الألعاب الإلكترونية، اختار الطفل السوري الحبيب إياد عرسان أن يسلك طريقاً مختلفاً تماماً. فبدلاً من الاكتفاء باستخدام التطبيقات، قرر أن يصنع تطبيقه الخاص، وأن يحوّل أفكاره إلى مشاريع واختراعات وإنجازات جعلت اسمه يتردد في الأوساط العلمية والتقنية رغم صغر سنه.
الحبيب، الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، استطاع أن يلفت الأنظار بإنجازات متتالية في مجالات البرمجة والبحث العلمي والاختراع، حتى بات يوصف بأنه أحد أبرز المواهب السورية الشابة، ومرشحاً لدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية بصفته أصغر مخترع ومبرمج وباحث علمي في العالم.
ورغم الألقاب الكبيرة التي تسبق اسمه أينما ذهب، يؤكد الحبيب أن الأمر لا يقتصر على الشعور بالفخر فقط، بل يحمل معه مسؤولية كبيرة تدفعه إلى تقديم المزيد. فعندما يُوصف بأنه “طفل عبقري”، يقول إن هذا الوصف يمنحه السعادة، لكنه في الوقت نفسه يشعره بمسؤولية مضاعفة، لأن كل إنجاز جديد يحققه يدفعه للتفكير بإنجاز آخر أكثر أهمية وفائدة للمجتمع.
“الحبيب تشات”.. فكرة تحولت إلى واقع
أحدث إنجازات الحبيب كان إطلاق تطبيق “الحبيب تشات”، وهو تطبيق للتواصل الاجتماعي صممه وطورّه بنفسه ليقدم خدمات مشابهة لتطبيقات المراسلة العالمية، مع إضافة مجموعة من الميزات التي تمنحه خصوصية مختلفة.
وراء هذا التطبيق قصة من العمل المتواصل امتدت لأشهر طويلة. فالحبيب يكشف في حواره لـ”963+” أنه أمضى ستة أشهر كاملة في تطوير المشروع، واجه خلالها العديد من العقبات والتحديات التقنية أثناء البرمجة وعمليات الاختبار.
ويصف اللحظة التي نجحت فيها النسخة الأولى من التطبيق بأنها من أجمل اللحظات في حياته، قائلاً إن سعادته كانت كبيرة جداً عندما تمكن التطبيق من تنفيذ المراسلات والمكالمات والوظائف الأساسية بنجاح، لأن ما شاهده أمامه كان ثمرة جهد طويل وعمل متواصل لم يتوقف طوال تلك الفترة.
ويؤكد أن فكرة التطبيق جاءت من رغبته في تقديم شيء جديد في مجال التواصل الاجتماعي، إذ كانت لديه عدة أفكار ومشاريع، لكنه وجد أن مشروع “الحبيب تشات” هو الأكثر قدرة على تحقيق الفائدة للمستخدمين.
ويضيف أن التطبيق لا يعتمد فقط على سهولة الاستخدام، بل يضم مزايا متعددة تتعلق بالأمان وحماية البيانات، إلى جانب خدمة “الصديق الذكي” المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن وجود محفظة إلكترونية وعدد من الخدمات الإضافية التي تمنحه مزايا مختلفة عن التطبيقات التقليدية.
طفل يعيش طفولته.. لكن بطريقة منظمة
ورغم الصورة التي قد يرسمها البعض عن طفل يقضي حياته كلها أمام شاشة الحاسوب، فإن الحبيب يؤكد أنه يعيش حياة طبيعية تشبه حياة بقية الأطفال.
فهو يمارس الألعاب والهوايات ويخصص وقتاً للترفيه واللعب، لكنه يعتمد على تنظيم وقته بشكل دقيق بين الدراسة والنشاطات اليومية والقراءة والعمل على برامجه وأفكاره الجديدة.
ويقول إن السر لا يكمن في العمل لساعات طويلة فقط، بل في حسن استثمار الوقت، بحيث يجد مساحة لكل جانب من جوانب حياته دون أن يطغى جانب على آخر.
كما يوضح أنه، مثل أي طفل آخر، يمتلك ألعاباً مفضلة ويستمتع بممارستها بانتظام، مؤكداً أن حياته لا تدور بالكامل حول البرمجة والاختراعات كما يعتقد البعض.
العقبات جزء من رحلة النجاح
ورغم الإنجازات الكبيرة التي حققها في سن مبكرة، لم تكن الطريق أمام الحبيب سهلة أو خالية من التحديات.
فهو يرى أن أكبر الصعوبات التي تواجهه تتمثل في عدم توفر بعض الأدوات والإمكانيات التي يحتاجها لتنفيذ أفكاره ومشاريعه.
ويشير إلى أنه في كثير من الأحيان يمتلك الفكرة والحلول العلمية اللازمة، لكنه يصطدم بصعوبة الحصول على بعض المتطلبات التقنية أو الأدوات الضرورية لإكمال العمل بالشكل الذي يطمح إليه.
ومع ذلك، يؤكد أن هذه العقبات لا تدفعه إلى التراجع، بل تشجعه على البحث عن حلول بديلة والاستمرار في المحاولة حتى يصل إلى النتيجة المطلوبة.
الأب.. أول من يسمع الخبر
وراء كل طفل ناجح بيئة داعمة تؤمن بقدراته وتشجعه على الاستمرار، والحبيب لا يخفي الدور الكبير الذي يلعبه والده في رحلته العلمية.
فعندما يحقق إنجازاً جديداً أو ينتهي من مشروع أو اختراع، يكون والده أول شخص يشاركه الخبر.
ويقول إن السبب في ذلك يعود إلى ثقته برأي والده ونصائحه، إذ يحرص دائماً على الاستماع إلى ملاحظاته وتوجيهاته التي تساعده على تطوير أفكاره وتحسين أعماله.
ويبدو واضحاً من حديثه أن الدعم الأسري كان عاملاً أساسياً في صقل موهبته وتحويل أفكاره إلى مشاريع واقعية حققت حضوراً واسعاً.
من الاختراع إلى غينيس
ومن بين المحطات المهمة في مسيرة الحبيب، ترشحه لدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية، وهو إنجاز يصفه بأنه شعور جميل وفخر كبير.
ويؤكد أن ما يسعده أكثر من أي لقب أو جائزة هو أن يتمكن من تقديم إنجاز يحمل اسم سوريا والعالم العربي إلى المحافل الدولية.
ورغم ذلك، يشير إلى أنه لم يبدأ رحلته بهدف الحصول على الجوائز أو الأرقام القياسية، بل كان هدفه الأساسي منذ البداية هو تقديم أفكار واختراعات يمكن أن تفيد الناس وتسهم في خدمة المجتمع.
ويقول إن الجوائز والتكريمات تأتي كنتيجة طبيعية للعمل الجاد، لكنها لم تكن يوماً الدافع الأول وراء ما يقوم به.
الذكاء.. موهبة تحتاج إلى المعرفة
وعندما يُسأل عن رأيه في الذكاء، وهل هو موهبة فطرية أم مهارة يمكن اكتسابها، يجيب بأن الأمر يجمع بين الاثنين معاً.
فمن وجهة نظره، الذكاء نعمة وعطاء من الله، لكنه يحتاج إلى العلم والمعرفة والرعاية حتى ينمو ويتطور بالشكل الصحيح.
ويؤكد أن القراءة لعبت دوراً محورياً في تكوين شخصيته العلمية، إلى جانب الدراسة المدرسية، إذ ساعدته الكتب على توسيع مداركه والتعرف على مجالات وعلوم متعددة ربما لا تتوفر ضمن المناهج الدراسية التقليدية.
ويعتبر أن التعلم المستمر هو المفتاح الحقيقي لتطوير القدرات واكتشاف الإمكانات الكامنة لدى الإنسان.
اختراع واحد لتغيير العالم
وعلى الرغم من امتلاكه عشرات المشاريع والأفكار العلمية، فإن إجابة الحبيب عن سؤال يتعلق بالاختراع الذي يتمنى تقديمه للعالم كانت مفاجئة وبسيطة في الوقت نفسه.
فعندما طُلب منه اختيار اختراع واحد يمكن أن يحل مشكلة عالمية، لم يتحدث عن التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي أو الطاقة، بل اختصر إجابته بكلمة واحدة فقط: “السلام”.
هذه الإجابة تعكس جانباً إنسانياً في شخصية الطفل المخترع، وتظهر أن اهتمامه لا يقتصر على العلوم والتقنيات، بل يمتد إلى القضايا الإنسانية الكبرى التي تشغل العالم.
أحلام أكبر من العمر
ورغم ما حققه حتى الآن، يؤكد الحبيب أن لديه أحلاماً كثيرة يتمنى تحقيقها خلال السنوات المقبلة.
ويشير إلى أن الاختراع جزء من طموحاته المستقبلية، لكنه ليس الحلم الوحيد، إذ يسعى إلى تقديم مشاريع وأفكار تخدم الإنسانية وتساهم في تحسين حياة الناس.
وعندما يتحدث عن مستقبله بعد عشر سنوات، يبدو واثقاً من مواصلة الطريق نفسه، طريق العلم والمعرفة والعمل، مع الإيمان بأن الاجتهاد والمثابرة هما السبيل لتحقيق الأهداف.
رسالة إلى أطفال سوريا والعالم
وفي ختام حديثه، يوجه الحبيب رسالة إلى الأطفال الذين يشعرون بأن أحلامهم أكبر من أعمارهم، مؤكداً أن كل طفل يمتلك موهبة أو قدرة خاصة منحه الله إياها.
ويرى أن المهمة الحقيقية تكمن في اكتشاف هذه الموهبة والعمل على تطويرها من خلال التعلم والقراءة والسعي إلى المعرفة وفهم العالم من حولنا.
كما يشدد على أهمية تنظيم الوقت بين الدراسة واللعب والهوايات والتعلم، لأن التوازن هو الطريق الأفضل لبناء شخصية ناجحة ومفيدة للمجتمع.
وبين طفل يحمل ألعاباً مفضلة كأي طفل آخر، ومخترع يطور تطبيقات وأفكاراً علمية تثير اهتمام المختصين، يواصل الحبيب إياد عرسان كتابة فصل جديد من قصته الاستثنائية، قصة تؤكد أن العمر ليس معياراً للإنجاز، وأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تبدأ من مقعد دراسي صغير، لكنها قادرة على الوصول إلى العالم بأسره.










