لم تعد التحولات التي تشهدها المنطقة تسمح ببقاء الملفات العالقة خارج حسابات التسوية، وفي مقدمتها العلاقة السورية الإسرائيلية التي ظلت لعقود محكومة بمنطق الحرب الباردة والاشتباك غير المباشر. فمع تغير موازين القوى داخل سوريا، وتراجع نفوذ بعض الفاعلين الإقليميين، وصعود مقاربات دولية تقوم على احتواء الأزمات بدلاً من إدارتها، بات الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة أمراً مطروحاً على الطاولة، ليس بوصفه خياراً مثالياً، وإنما باعتباره انعكاساً لمعادلات فرضتها الوقائع السياسية والميدانية.
وفي هذا السياق، برز تصريح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الذي أكد حاجة بلاده إلى “اتفاق أمني شامل” مع إسرائيل، مع التشديد على العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وانسحاب إسرائيل من المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً. ويقرأ مراقبون هذا الموقف بوصفه محاولة سورية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع تل أبيب ضمن مقاربة براغماتية لا تتخلى عن الثوابت المعلنة، لكنها تترك هامشاً للتعامل مع متطلبات المرحلة الجديدة. وبين ضرورات الاستقرار وحسابات السيادة، يبقى مستقبل هذا المسار رهناً بقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من اختبار النوايا إلى بلورة تفاهمات قابلة للحياة في واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط حساسية وتعقيداً.
عداء من الجانبين
يقول خالد خليل، خبير العلاقات السورية الإسرائيلية، في تصريحات لـ”963+” إن العلاقة بين سوريا وإسرائيل لا تزال تُصنف رسمياً على أنها علاقة عداء من الجانبين، موضحاً أن دمشق ما زالت تعتبر إسرائيل عدواً، فيما تنظر التقديرات الإسرائيلية إلى سوريا من المنظور ذاته، وإن كان ضمن إطار غير مفتوح.
ويشير إلى أن إسرائيل خسرت بعد سقوط النظام السوري السابق، حالة الارتياح التي وفّرها لها نظاما حافظ وبشار الأسد، لافتاً إلى أن الحدود بين الجانبين كانت تخضع لقواعد اشتباك ضمنية ومتعارف عليها ما جعل الجبهة السورية من أكثر الجبهات هدوءاً بالنسبة لإسرائيل باستثناء سنوات الثورة السورية.
ويؤكد أن سوريا تحولت وفق المنظور الإسرائيلي إلى ساحة لصراع الظل في مواجهة النفوذ الإيراني والمشروع الذي أسسه الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني، والقائم على استنساخ تجربة حزب الله في المنطقة ويلفت إلى أنه رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا والمنطقة بعد سقوط نظام الأسد، وخروج دمشق من لعبة المحاور التقليدية وإرسالها رسائل طمأنة إلى دول الإقليم بما فيها إسرائيل، فإن الأخيرة دخلت بعد أحداث السابع من أكتوبر في حالة من التخبط وفقدان التوازن الاستراتيجي، الأمر الذي دفعها إلى محاولة استغلال المرحلة الانتقالية السورية للضغط على دمشق ومساومتها، وإبقاء مسار المفاوضات تحت الضغط تحسباً لأي تسويات إقليمية محتملة.
ويضيف أن التصنيف الرسمي للعلاقة بين البلدين ما زال قائماً على العداء، معتبراً أن الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية تعكس حالة من التشنج وفقدان التوازن الاستراتيجي داخل إسرائيل.
ويرى أن إسرائيل تسعى إلى خلق مجال أمني جديد داخل سوريا وتثبيت مكانة جيوسياسية لها عبر الساحة السورية، في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة وتراجع المشروع الإيراني وظهور موازين قوى وتنافسات جديدة في المنطقة، إلى جانب ما يصفه بالهندسة الإقليمية الأميركية.
ويبين أن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه سوريا تواجه انتقادات متزايدة داخل إسرائيل، مستشهداً بدراسات صادرة عن الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب كارميت فالنسي، التي حذرت من الوصول إلى نقطة اللاعودة مع دمشق ودعت إلى وقف الأنشطة العسكرية غير المبررة وترجمة الأهداف الأمنية إلى مسار سياسي يفضي إلى اتفاق أمني طويل الأمد برعاية أميركية.
ويرجح أن تبقى جميع الاحتمالات مفتوحة، بما فيها إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني، إلا أنه يربط ذلك بالظروف السياسية القائمة، سواء داخل إسرائيل أو في سوريا، موضحاً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتأثر بحسابات اليمين المتطرف والاستحقاقات الانتخابية.
ويؤكد أن دمشق لا تتجه نحو طرق أبواب تل أبيب لعقد اتفاقات مباشرة، وإنما اختارت مساراً استراتيجياً يقوم على تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي ونقل المواجهة من الميدان إلى الشرعية الدولية، مع التمسك بالثوابت الوطنية وعدم المساومة على الأرض أو المصالح الوطنية.
ويعتبر أن المفاوضات الحالية ستبقى في إطار إدارة الصراع وكسب الوقت إلى حين تهيئة الظروف اللازمة، بما يفضي في نهاية المطاف إلى عودة إسرائيل للالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 لافتاً إلى أن المرجعية الأساسية لأي مسار تفاوضي مستقبلي ستبقى اتفاق عام 1974، وربما ضمن شروط محسنة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تؤدي دور الوسيط التقني فحسب، بل أصبحت راعياً مباشراً للمفاوضات.
ويشير إلى أن مسار المفاوضات شهد تحولاً مهماً خلال اجتماع “باريس 3” في السادس من يناير الماضي، حيث انتقل، وفق ما ورد في بيان الخارجية الأمريكية، من مرحلة التصعيد إلى التهدئة والتوصل إلى ترتيبات أمنية بين الجانبين ويضيف إن الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران أعادت خلط الأوراق مجدداً، ما أدى إلى تعقيد المشهد وإبطاء المسارات التفاوضية التي كانت قد سجلت تقدماً خلال الأشهر الماضية.
“وحدة الساحات”
يرى الدكتور مختار الغباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، أن النفوذ الإيراني لم يتراجع بل أثبت حضوره على أرض الواقع، معتبراً أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الولايات المتحدة باتت بحاجة إلى التفاهم مع طهران في ملفات حساسة من بينها قضية الملاحة في مضيق هرمز.
ويضيف الغباشي لـ”963+” أن إيران عززت موقعها الإقليمي وأعادت فرض ما يعرف بـ”وحدة الساحات”، مشيراً إلى أن ردها على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت جاء من خلال استهداف إسرائيل، الأمر الذي يعكس، بحسب رأيه، تنامي نفوذها وقدرتها على التأثير في موازين القوى، ما يدفع واشنطن وتل أبيب إلى إعادة حساباتهما في كيفية التعامل معها.
وفي الشأن السوري، يوضح الغباشي أن إسرائيل تتعامل مع الجنوب السوري بوصفه منطقة عازلة تخضع لاعتبارات أمنية خاصة بها، لافتاً إلى أنها عززت وجودها في مناطق عدة، من بينها جبل الشيخ ومحيط القنيطرة وسعت إلى تكريس واقع أمني جديد في المنطقة الجنوبية يصعب تغييره في الوقت الراهن.
ويشير إلى أن التحركات الإسرائيلية في سوريا تنطلق من حسابات أمنية خاصة، لكنها تستند في الوقت نفسه إلى دعم أمريكي يعد عاملاً أساسياً في تمكينها من فرض هذا الواقع، معتبراً أن إسرائيل لا تستطيع بمفردها تنفيذ سياساتها الإقليمية سواء في الساحة السورية أو اللبنانية أو في إطار صراعها مع إيران دون هذا الدعم.
ويؤكد الغباشي أن العلاقة بين سوريا وإسرائيل تشهد حالة من الهدوء في المرحلة الحالية، موضحاً أنه لا توجد مؤشرات على حراك عسكري مباشر أو مواجهات بين الجانبين في الوقت الراهن.










