تعود سوريا مجدداً إلى قلب النقاشات الإقليمية والدولية في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والتغيرات التي طرأت على خريطة التحالفات وموازين القوى خلال المرحلة الأخيرة.
وبرزت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أيام، لدمشق إلى اتخاذ مواقف أكثر حزماً تجاه “حزب الله” اللبناني، ما أعاد تسليط الضوء على طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا الجديدة في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستنخرط في ترتيبات أمنية وإقليمية تتجاوز حدودها، أم أنها ستواصل التمسك بسياسة تقوم على تجنب الصراعات المباشرة والتركيز على أولوياتها الداخلية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه سوريا تحديات معقدة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، واستقطاب الاستثمارات، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، بعد سنوات طويلة من الحرب التي خلّفت أضراراً عميقة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك تبدو مسألة الانخراط في أي مواجهة إقليمية خياراً بالغ الحساسية بالنسبة لدمشق، التي تؤكد في أكثر من مناسبة أن أولويتها تتمثل في تحقيق الاستقرار الداخلي، وتثبيت مؤسسات الدولة، وإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تتقاطع الضغوط المرتبطة بملف “حزب الله” مع ملفات إقليمية أخرى لا تقل تعقيداً، من بينها العلاقة مع إسرائيل، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، والدور الأميركي في رسم التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط. كما يفرض المشهد الإقليمي المتغير على دمشق تحديات تتعلق بكيفية إدارة علاقاتها الخارجية، والحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الانفتاح السياسي ومقتضيات الأمن الوطني.
وتحاول الحكومة السورية، منذ التغيير السياسي الذي شهدته البلاد، تقديم نفسها باعتبارها دولة تسعى إلى الانفتاح على محيطها العربي والدولي، وإقامة علاقات قائمة على المصالح المشتركة واحترام القانون الدولي، بعيداً عن السياسات التي طبعت المرحلة السابقة. وفي المقابل، ما تزال البيئة الإقليمية المحيطة بسوريا مليئة بالتحديات والتجاذبات، الأمر الذي يجعل أي موقف تتخذه دمشق تجاه الملفات الأمنية الحساسة موضع متابعة دقيقة من مختلف الأطراف المعنية.
ويقول وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات لـ “”+963 ، إن المطالب الأميركية المتعلقة بالمنطقة تبدو واضحة في اتجاهها العام، إذ تقوم على إحداث تغيير إقليمي واسع وممنهج يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تُعد الحكومة السورية الجديدة، وفق هذا التصور، جزءاً من مسار هذا التحول، بما يجعل دورها محورياً في المرحلة الراهنة، سواء على مستوى الداخل السوري أو ضمن التفاعلات الإقليمية الأوسع.
ويضيف: “لا يمكن إنكار أن أحد أبرز عناوين المرحلة يتمثل في إعادة رسم منظومة النفوذ المرتبطة بـ”حزب الله”، حيث يُنظر إلى التغيير الذي شهدته سوريا باعتباره نقطة مفصلية في هذا المسار. فالدور المنوط بالحكومة السورية، بحسب الرؤية الأميركية، يرتبط بشكل مباشر بإعادة ضبط المعابر والحدود، وخصوصاً تلك الممتدة على الشريط الحدودي بين سوريا ولبنان، بما يشمل الحد من حركة الإمداد اللوجستي والعسكري التي كانت تمر عبر الأراضي السورية”.
كما يتضمن هذا الدور، وفق التصورات المطروحة، قطع طرق الإمداد القادمة من إيران عبر العراق وسوريا باتجاه لبنان، إلى جانب منع عمليات نقل السلاح أو التمويل أو أي أشكال دعم كانت تصل إلى “حزب الله” في المرحلة السابقة. ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره أحد أهم عناصر إعادة التموضع الجيوسياسي في سوريا، بما يتوافق مع أولويات السياسة الأميركية في المنطقة.
ويؤكد علوان، أنه لا يُفهم من هذا الدور على أنه محصور في الجانب الأمني فقط، بل يمتد ليشمل أبعاداً سياسية أوسع، تقوم على دعم مسار إعادة تشكيل التوازنات في لبنان، بما في ذلك تعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا سيما الجيش اللبناني، بما يضمن توسيع نفوذ الدولة على حساب القوى المسلحة غير النظامية. ويُعتقد أن هذا المسار يمثل جزءاً من رؤية أشمل لإعادة الاستقرار إلى لبنان عبر تقوية مؤسساته الرسمية.
ومع ذلك، فإن الانخراط السوري في هذه الملفات بحسب “علوان” لا يخلو من مخاطر وتحديات معقدة، سواء على مستوى الداخل السوري أو في سياق الإقليم الأوسع. فالدخول في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع “حزب الله” قد يفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية، سواء عبر قنوات مباشرة أو من خلال حلفاء طهران في المنطقة، خصوصاً في الساحة العراقية أو عبر شبكات النفوذ غير النظامية.
ويشير الباحث في مركز جسور للدرسات إلى أن هذا التموضع يفرض على دمشق حسابات دقيقة، نظراً لحساسية الوضع الإقليمي وتشابك المصالح بين القوى الفاعلة. ولذلك، فإن إدارة هذا الملف تتطلب قدراً عالياً من التوازن بين متطلبات السياسة الخارجية والاعتبارات الداخلية، خصوصاً في ظل مرحلة إعادة البناء التي تمر بها الدولة السورية.
وفي ضوء ذلك، لا يمكن وصف العلاقة السورية الحالية بأنها علاقة حياد كامل، بل هي أقرب إلى إعادة تموضع سياسي جديد يعكس تحولات المرحلة. فالموقف السوري الجديد يميل، وفق هذا السياق، إلى الاصطفاف ضمن بيئة إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح دمشق مع بعض القوى العربية والدولية، وفي مقدمتها لبنان الرسمي ومؤسساته.
ويرى علوان أن العلاقة مع “حزب الله” تُفهم ضمن سياق صراع طويل ومعقد، ارتبط بالمرحلة السابقة من الحرب السورية، حيث لعب الحزب دوراً عسكرياً وأمنياً إلى جانب النظام السابق، ما أدى إلى تراكم حالة من العداء السياسي والأمني. ومع تغير المعادلات، لم يتغير هذا التصور بشكل كامل، بل بقي جزءاً من إرث الصراع السابق.
من جهته، يقول الكاتب والباحث اللبناني إيلي القصيفي إنه لا يمكن الجزم بمدى جدية التصريح المنسوب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن طلبه من دمشق التدخل في ملف “حزب الله”، إذ يبدو أن جزءاً كبيراً من هذا التصريح ينسجم مع الأسلوب المعروف لترامب، القائم على المفاجأة والاستعراض في إطلاق المواقف. فهو غالباً ما يعتمد على خلق حالة من الغموض حول توجهات السياسة الأميركية واستراتيجيتها، بما يتيح هامشاً أوسع من المناورة السياسية في التعامل مع تطورات المنطقة.
لكن في الوقت نفسه لا يمكن استبعاد وجود اتصالات أو نقاشات غير معلنة بين واشنطن ودمشق، تتناول مجمل الأوضاع الإقليمية، ولا سيما الساحة اللبنانية، في ظل التحولات الجارية في ميزان القوى الإقليمي. لكن هذه الاتصالات، حتى إن وجدت، تبقى ضمن إطار عام وغير تفصيلي، ولا ترقى بالضرورة إلى مستوى التفاهمات الملزمة أو المحددة بشأن ملفات حساسة مثل العلاقة مع “حزب الله”.
ويؤكد القصيفي لـ “963+ “، على أن القيادة السورية تحاول في المرحلة الراهنة التعامل بمرونة مع المطالب الأميركية، من دون أن يعني ذلك الانخراط المباشر في مواجهة مع “حزب الله” أو غيره من القوى الإقليمية. فدمشق لا تبدو في وارد الدخول في صراعات عسكرية أو أمنية مفتوحة، إلا في حال وقوع اعتداء مباشر أو تصعيد من الطرف الآخر، سواء عبر الحدود اللبنانية – السورية أو من خلال أي نشاطات قد تمس الأمن الداخلي السوري.
ومن هذا المنطلق، يفسر الباحث والكاتب اللبناني الموقف السوري على أنه قائم على قدر من التحسب والحذر، إذ تتعامل دمشق مع هذه الدعوات باعتبارها قد تحمل أبعاداً سياسية أو تكتيكية، وربما تكون في بعض جوانبها جزءاً من الضغط السياسي أو اختباراً لمدى استعدادها للانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة. لذلك، تتبنى القيادة السورية نهج التريث وعدم التسرع في اتخاذ مواقف حادة أو نهائية، في انتظار اتضاح الصورة الكاملة للمشهد الإقليمي.
ويشير إلى أن الواقع الداخلي السوري لا يسمح بانخراط واسع في صراعات إقليمية، في ظل وجود أولويات أمنية واقتصادية ملحة تتعلق بإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار. فالوضع الحالي في سوريا يختلف جذرياً عن مراحل سابقة، سواء من حيث طبيعة التحديات أو حجم الضغوط الداخلية والخارجية، ما يجعل خيار التورط في مواجهات خارج الحدود خياراً مكلفاً ومعقداً.
ويختتم القصيفي حديثه بالقول إن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في استمرار سوريا بسياسة الحذر وتجنب التصعيد، مع التركيز على حماية الاستقرار الداخلي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي هذا الإطار، قد يكون الموقف الأقرب لدمشق هو تبني سياسة حياد عملي تجاه ما يجري في لبنان، ما لم تتعرض مصالحها المباشرة لأي تهديد أو تداخل أمني على الحدود، الأمر الذي من شأنه أن يفرض معادلات مختلفة في التعامل مع التطورات الإقليمية.










