في ظل التحديات الاقتصادية والإنمائية التي تواجهها سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب، عادت قضايا البنية التحتية وإدارة المخاطر والموارد المائية إلى واجهة النقاش العام، ولا سيما بعد فيضانات الفرات الأخيرة التي سلطت الضوء على حجم التدهور الذي أصاب المرافق والخدمات الأساسية.
وتبرز أهمية هذه الملفات في مرحلة تتطلب إعادة بناء المؤسسات العامة وتحفيز النمو الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات، بالتوازي مع تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الكوارث الطبيعية والأزمات المستقبلية.
وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات عديدة في حوار خاص لـ”963+” مع الدكتور نسيب غبريل الباحث الاقتصادي والخبير المالي و المصرفي حول مدى جاهزية منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر، والتحديات التي تعيق بناء نظام فعال للإنذار المبكر والاستجابة للكوارث، فضلاً عن الفارق بين إعادة الإعمار التقليدية ومفهوم بناء المرونة الذي بات يشكل أحد المرتكزات الأساسية للتنمية المستدامة.
إلى أي مدى كشفت فيضانات الفرات الأخيرة عن هشاشة البنية التحتية في سوريا، وما انعكاس ذلك على مسار التنمية والتعافي الاقتصادي؟
كشفت فيضانات الفرات الأخيرة واقع البنية التحتية المتدهورة في سوريا، وهو أمر غير مستغرب بعد سنوات الحرب وما رافقها من دمار وإهمال في أعمال التأهيل والصيانة. وقد أظهرت هذه الحوادث هشاشة قطاعات حيوية، مثل المياه والطرق والطاقة والكهرباء والاتصالات.
ويؤثر تراجع البنية التحتية بشكل مباشر على التنمية والتعافي الاقتصادي، إذ تؤكد التجارب الدولية وجود علاقة وثيقة بين جودة البنية التحتية ومستوى تنافسية الاقتصاد. فالبنية التحتية الحديثة تحسن بيئة الأعمال، وتجذب الاستثمارات، وتخفض تكاليف التشغيل على الشركات.
ويبرز قطاع الكهرباء مثالاً واضحاً على ذلك. ففي سوريا، تسببت الأزمة المستمرة منذ عام 2011 بتراجع حاد في التغذية الكهربائية، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المولدات الخاصة. وهذا الواقع يفرض أعباء إضافية على الأسر والشركات ويؤثر سلباً في النشاط الاقتصادي وفرص الاستثمار.
كيف تقيم جاهزية منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر في سوريا للتعامل مع الكوارث الطبيعية؟
بدأت سوريا منذ عام 2025 مرحلة إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الصراع وما خلّفه من أضرار واسعة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير منظومة الحوكمة وإدارة المخاطر لتكون قادرة على التعامل مع الكوارث الطبيعية وغيرها من الأزمات المحتملة.
وقد أظهر زلزال عام 2023 أهمية وجود مؤسسات متخصصة وقادرة على الاستجابة السريعة وإدارة الأزمات، لأن الكوارث الطبيعية لا يمكن منعها، لكن يمكن الحد من آثارها عبر التخطيط والاستعداد المسبق.
ومع ذلك، تواجه الدولة أولويات متعددة تشمل الأمن والاستقرار والاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية، ما يجعل ملف إدارة المخاطر يتقدم ببطء مقارنة بملفات أخرى أكثر إلحاحاً. كما أن محدودية الموارد تشكل تحدياً إضافياً أمام بناء منظومة متكاملة بالمستوى المطلوب.
ما أبرز التحديات التي تعيق بناء نظام وطني فعّال للإنذار المبكر والاستجابة للكوارث في سوريا؟
تتمثل أبرز التحديات في صعوبة الوضع الاقتصادي، وضعف المالية العامة، والحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز الأمن والاستقرار، وإعادة بناء المؤسسات وتطوير القوانين، إضافة إلى إعادة تنشيط القطاع المصرفي وتعزيز اندماج سوريا في الاقتصادين العربي والعالمي.
كما تواجه البلاد تحديات اجتماعية مرتبطة بملف النازحين والعائدين ومتطلبات إعادة الإعمار، وهي عملية تحتاج إلى موارد مالية ضخمة. لذلك فإن تعدد الأولويات وتشعبها، إلى جانب محدودية الإمكانات المحلية، يشكلان عائقاً أساسياً أمام بناء نظام متطور للإنذار المبكر والاستجابة للكوارث.
كذلك تبرز الحاجة إلى مصادر تمويل إضافية ومساعدات خارجية تدعم جهود الدولة في تطوير مؤسساتها وتعزيز جاهزيتها لمواجهة المخاطر المختلفة.
ما الفرق بين إعادة الإعمار التقليدية وبناء المرونة، ولماذا أصبح هذا المفهوم أكثر أهمية في سوريا اليوم؟
تركز إعادة الإعمار التقليدية على إعادة بناء ما دمرته الحرب من مبانٍ وطرقات ومرافق عامة ومحطات مياه وكهرباء ومستشفيات ومنشآت إنتاجية.
أما بناء المرونة، فيتجاوز مجرد إعادة البناء إلى إنشاء مؤسسات وبنية تحتية قادرة على التكيف مع الأزمات والتعامل مع التحديات المستقبلية، سواء كانت اقتصادية أو بيئية أو طبيعية.
وفي الحالة السورية، تكتسب المرونة أهمية خاصة بسبب كثرة الأولويات ومحدودية الموارد. لذلك ينبغي توجيه الاستثمارات نحو مشاريع لا تلبي الاحتياجات الحالية فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز القدرة على مواجهة المخاطر المستقبلية، بما في ذلك آثار التغير المناخي.
ومن هنا يمكن توظيف مشاريع إعادة الإعمار لبناء بنية تحتية أكثر كفاءة واستدامة، تدعم النمو الاقتصادي وتخدم احتياجات المجتمع على المدى الطويل.
هل تحتاج سوريا إلى استراتيجية وطنية جديدة لإدارة الموارد المائية واتفاقيات أكثر فاعلية مع دول الجوار؟
هناك حاجة واضحة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة الموارد المائية باعتبارها من أهم الثروات الوطنية. ويجب أن تهدف هذه الاستراتيجية إلى حماية الموارد المتاحة، والحد من الهدر، وتحسين استثمارها، خصوصاً أن سوريا تعتمد بشكل كبير على الزراعة وتحتاج إلى موارد مائية مستدامة لتلبية احتياجات السكان والاقتصاد.
كما تبرز أهمية مراجعة الاتفاقيات المائية القائمة مع دول الجوار للتأكد من تحقيقها مصالح متوازنة لجميع الأطراف، وحماية الحقوق المائية السورية.
وفي الوقت نفسه، يمكن تطوير الاتفاقيات القائمة أو التفاوض على اتفاقيات جديدة تعزز الأمن المائي وتدعم إدارة الموارد المشتركة بشكل أكثر فاعلية، بما يحد من المخاطر المرتبطة بالمياه ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة.










