لم يعد الحديث عن العلاج النفسي بين النساء من الموضوعات المحاطة بالخجل أو الوصمة الاجتماعية كما كان الحال قبل سنوات. فاليوم، تتصدر قصص التعافي والجلسات العلاجية ومنشورات الصحة النفسية منصات التواصل الاجتماعي، بينما تتزايد أعداد النساء اللواتي يطلبن المساعدة من الأخصائيين النفسيين. وبين من يرى أن هذه الظاهرة تعكس ارتفاعاً في الوعي، ومن يعتبرها مجرد موجة فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، يبقى السؤال: هل الإقبال على العلاج النفسي وعي حقيقي أم “ترند” مؤقت؟
تؤكد عالمة الاجتماع غالية البغدادي في حديثها لـ”963+”، أن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في كونه موضة عابرة، بل هو انعكاس طبيعي للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بالنسبة للمرأة السورية التي تحملت أعباءً مضاعفة نتيجة الظروف المعيشية القاسية، وما رافقها من ضغوط نفسية متراكمة.
التواصل الاجتماعي ونظرة المجتمع
وتوضح البغدادي أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في تغيير نظرة المجتمع إلى العلاج النفسي، إذ أصبح الأفراد أكثر جرأة في الحديث عن تجاربهم الشخصية، بعدما كان الإفصاح عن المشكلات النفسية يثير الخوف أو الحرج. كما أسهم صناع المحتوى والمتخصصون في نشر الثقافة النفسية وتقديم معلومات تساعد على فهم الاضطرابات النفسية وطرق التعامل معها.
وترى أن اللجوء إلى المرشد النفسي أو الاجتماعي عند الحاجة يعد خطوة صحية ومسؤولة، لأن تراكم الضغوط دون علاج قد يؤدي إلى مشكلات أكثر تعقيداً. وتضيف أن الاهتمام بالصحة النفسية منذ المراحل الأولى يساعد الإنسان على فهم ذاته، واكتشاف نقاط قوته وضعفه، وإيجاد حلول واقعية لمشكلاته.
وتلفت إلى أن العلاج النفسي يوفر للمرأة مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرها بعيداً عن الأحكام الاجتماعية، فالكثير من النساء لا يجدن من يستمع إليهن حتى داخل محيطهن الأسري، سواء كان الزوج أو الأم أو الأخت، لذلك تمنحهن الجلسات العلاجية فرصة للتحدث بحرية مع شخص مختص يمتلك الأدوات العلمية لمساعدتهن على تجاوز القلق والتوتر ونوبات الهلع، وهو ما ينعكس إيجاباً على صحتهن النفسية والجسدية معاً.
وتضيف أن المرأة اليوم لم تعد تؤدي دوراً واحداً داخل الأسرة، بل أصبحت مطالبة بالنجاح في العمل، ورعاية الأبناء، والمساهمة في تأمين احتياجات الأسرة، وفي كثير من الأحيان تتحمل مسؤوليات الأب والأم معاً، الأمر الذي جعل الضغوط النفسية أكثر حضوراً في حياتها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وتشير البغدادي إلى أن طلب العلاج النفسي أصبح أكثر قبولاً داخل المجتمع، ولم يعد يُنظر إليه بوصفه دليلاً على الضعف، بل بات كثيرون يتحدثون علناً عن تجاربهم مع العلاج، ويتبادلون أسماء المعالجين النفسيين، في مؤشر واضح على تراجع الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية.
من جانبها، تبين الاختصاصية النفسية رهف قرنفل في حديثها لـ”963+” أن الزيادة الملحوظة في إقبال النساء على العيادات النفسية هي نتيجة تداخل عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في ارتفاع الوعي بأهمية الصحة النفسية، والثاني في التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي.
اكتئاب وصدمة
وتوضح أن المرأة في الماضي كانت تواجه معاناتها النفسية بصمت، وغالباً ما كانت توصف مشاعرها بأنها “دلال” أو ضعف في التحمل، أما اليوم فقد أصبحت أكثر قدرة على تسمية ما تعيشه من اكتئاب أو صدمة أو احتراق نفسي، وأصبحت تدرك أن العلاج النفسي ليس رفاهية، بل وسيلة للحفاظ على جودة حياتها وقدرتها على أداء أدوارها المختلفة.
إلا أن قرنفل تحذر في الوقت نفسه من الوجه الآخر للسوشيال ميديا، فإلى جانب المحتوى العلمي الرصين، تنتشر حسابات غير متخصصة تقدم نصائح متناقضة وتشخص الحالات النفسية بشكل عشوائي، ما يؤدي إلى تشويش النساء وإرباكهن، ويزيد من حيرتهن بدلاً من مساعدتهن.
وتبين أن أكثر المشكلات التي تدفع النساء إلى طلب العلاج تتمثل في اضطرابات القلق والاكتئاب الناتجة عن السعي الدائم نحو الكمال، إذ تحاول المرأة أن تكون أماً مثالية، وزوجة ناجحة، وموظفة متميزة في الوقت نفسه، وهو ما يولد شعوراً دائماً بالتقصير والذنب.
كما تبرز الأزمات الزوجية، وتضارب التوقعات بين الشريكين، والاحتراق التربوي الناتج عن ضغوط تربية الأبناء، إضافة إلى القلق المرتبط بالزواج والاستقلال المهني، فضلاً عن المقارنات المستمرة مع الحياة المثالية التي تعرضها منصات التواصل الاجتماعي، بوصفها من أبرز الأسباب التي تزيد الضغوط النفسية لدى النساء.
وحول الجدل الدائر بشأن ما إذا كان العلاج النفسي تحول إلى “موضة”، توضح قرنفل أن المختصين يميزون بين الحاجة الحقيقية للعلاج وبين تقليد الآخرين من خلال معايير علمية واضحة. فإذا كان الألم النفسي يؤثر في النوم أو الشهية أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، ويستمر لأسابيع أو أشهر، فإن الحالة تستدعي تدخلاً علاجياً. أما استخدام مصطلحات مثل “التروما” و”العلاقة السامة” و”الشخصية النرجسية” لمجرد مواكبة المحتوى الرائج، فلا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي.
وتؤكد أن السوشيال ميديا تحمل وجهين متناقضين؛ فمن جهة، قد تدفع النساء إلى التشخيص الذاتي الخاطئ اعتماداً على مقاطع قصيرة ومعلومات ناقصة، ومن جهة أخرى، يمكن أن تكون وسيلة فعالة للتوعية إذا قدم المحتوى مختصون مؤهلون، بحيث تساعد المرأة على التعرف إلى المؤشرات الأولية التي تستدعي مراجعة الطبيب، دون الوقوع في فخ التشخيص الذاتي.
وتشدد قرنفل على أن العلاج النفسي لا يقتصر على تخفيف الأعراض، بل ينعكس أثره على الأسرة والمجتمع بأكمله. فالمرأة التي تستعيد توازنها النفسي تصبح أكثر قدرة على وضع حدود صحية في علاقاتها، وتزداد ثقتها بنفسها، كما تنعكس حالتها الإيجابية على أطفالها وشريك حياتها، وتحد من انتقال الصدمات النفسية بين الأجيال، فضلاً عن تعزيز قدرتها على النجاح في العمل وإدارة الضغوط بكفاءة.
وتوجه الاختصاصية النفسية رسالة إلى كل امرأة تتردد في طلب المساعدة بسبب نظرة المجتمع، مؤكدة أن الصحة النفسية حق أصيل لا ينبغي التفريط به، وأن طلب الدعم ليس علامة ضعف، بل دليل شجاعة ووعي، لأن المرأة المتوازنة نفسياً تكون أكثر قدرة على رعاية نفسها وأسرتها والمجتمع من حولها.
وبين تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع الوعي، وتزايد الضغوط اليومية، يبدو أن العلاج النفسي لم يعد مجرد “ترند” تتبناه النساء، بل تحول إلى حاجة حقيقية فرضتها متغيرات الحياة الحديثة. ويبقى الرهان على تعزيز الثقافة النفسية، والتمييز بين المحتوى العلمي والمعلومات المضللة، حتى يصبح الاهتمام بالصحة النفسية جزءاً أصيلاً من ثقافة المجتمع، لا مجرد موجة عابرة.










