بينما كانت حقول القمح في دير الزور والرقة وريف حلب الشرقي تستعد للحصاد، اجتاحت فيضانات الفرات آلاف الهكتارات المزروعة، مهددةً أهم محاصيل الأمن الغذائي في سوريا. ولم تقتصر الخسائر على الزراعة فحسب، بل امتدت لتطال الاقتصاد الوطني عبر زيادة الاعتماد على الاستيراد والضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وسعر صرف الليرة. وتكتسب الكارثة أهمية مضاعفة لأن مناطق الشمال والشرق تؤمن تاريخيًا أكثر من 60% من إنتاج القمح السوري، ما يجعل دعمها وحماية إنتاجها ضرورة اقتصادية واستراتيجية تمس الأمن الغذائي والاستقرار المعيشي في البلاد.
من ضفاف الفرات إلى خزينة الدولة
لا يصح النظر إلى القمح باعتباره محصولاً زراعياً عادياً قابلاً للاستبدال بقرار إداري، فالقمح في سوريا ليس سلعة غذائية فحسب، بل هو عملة وطنية بكل المعايير الاقتصادية، يقول الخبير في الاقتصاد الزراعي محمود سليم في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن الدولة تشتري القمح من مزارعيها بالليرة السورية، فتوزّع السيولة على ملايين الأسر الريفية وتحرّك الاقتصاد المحلي في المحافظات الأكثر فقراً، والقمح المحلي يُحيي صناعة الطحن والخبز والمعكرونة، مما يُشكّل سلسلة قيمة محلية تُشغّل آلاف العمال، وتوفير القمح داخلياً يُجنّب البلاد اللجوء إلى الأسواق الدولية وتسديد فاتورة بالعملة الصعبة.
ويضيف سليم حين يُستورَد القمح بدلاً من أن يُزرع يعني بحسبة مباشرة تراجع الإنتاج المحلي، وبالتالي لجوء الحكومة إلى الاستيراد، وهنا تبدأ الحلقة الأولى في سلسلة التداعيات، فكل طن قمح مستورد يعني صرف دولارات من الاحتياطي النادر، وحين يتنافس الطلب على الدولار بين المستوردين والأفراد، يرتفع سعره في السوق الموازية، مما يُجهز على ما تبقى من استقرار نسبي حققته الليرة الجديدة في أشهرها الأولى.
ويؤكد أن المنطق الاقتصادي يقول: كل دولار يُصرف على استيراد القمح هو دولار يُسحب من احتياطي البلاد ويُضاف إلى الضغط على سعر الصرف، وهذا يعني ببساطة أن ثمن الفيضان يدفعه كل سوري في محل البقالة وليس فقط في الحقل.
ويبين خبير الاقتصاد الزراعي أن المزارع السوري الذي انتظر موسماً كاملاً لينتشل أسرته من براثن الفقر يجد نفسه فجأة أمام حقل غارق وديون متراكمة وتكاليف زراعة ضاعت بلا عائد، وهذا ليس مجرد تعاطف إنساني، بل هو أزمة اقتصادية ذات تداعيات هيكلية، فتكاليف البذور والأسمدة والحرث والحصاد كلها ذهبت دون مردود، والمزارع الذي اقترض لتمويل الموسم بات مديناً بلا أصل يسدّد، كما أن تراجع إيراد الأسرة الريفية يعني تراجع الاستهلاك المحلي في الأسواق الصغيرة والمدن الريفية التي تعتمد على هذا الإنفاق، إضافة إلى العجز عن الزراعة في الموسم التالي بسبب غياب رأس المال، مما يعني تراكماً في تراجع الإنتاج عاماً بعد عام.
ويلفت إلى احتمال اضطرار بعض المزارعين إلى عرض أراضيهم للبيع في لحظة ضعف وحاجة، وهو ما يفتح الباب أمام إشكالية مزمنة وأشد خطورة، حين تتراكم الخسائر على المزارع ويعجز عن الاستمرار، يصبح بيع الأرض الخيار الوحيد الظاهر، وهنا تبرز ظاهرة اقتصادية خطيرة، ففي لحظات ضعف الريف وإفلاسه، يظهر وسطاء يشترون الأراضي بأسعار متدنية لصالح جهات خارجية أو مستثمرين يراكمون ملكية الأراضي الزراعية في مناطق ستكون ذات قيمة مستقبلية عالية.
ويحذر من أن المزارع الذي يبيع أرضه اليوم يخرج من دائرة الإنتاج الزراعي إلى الأبد في الغالب، وتراكم هذه الحالات يؤدي إلى إعادة توزيع ملكية الأراضي الزراعية بصورة تخدم غير المزارعين على حساب الإنتاج الوطني.
الليرة والقمح.. علاقة اقتصادية لا يراها الجميع
عندما يقلّ إنتاج القمح في الشمال والشرق السوري بسبب فيضانات الفرات، تتراجع الكميات المعروضة في الأسواق بينما تبقى الليرة المتداولة كما هي، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية وارتفاع تكاليف الاستيراد بالدولار، وبالتالي تضخم مزدوج يضرب القدرة الشرائية للمواطنين، ويكشف هشاشة هذه المناطق التي تشكل السلة الغذائية للبلاد وأهمية حمايتها لضمان استقرار الاقتصاد الوطني وقيمة الليرة.
غرق محصول القمح لا يقف عند حدود الخسارة الزراعية، بل يتمدد ليشعل أزمة نقدية وتجارية واجتماعية متكاملة، تطال المزارع والمستهلك، والخزينة العامة والعملة الوطنية في آن واحد، والاهتمام الحكومي بمحافظات الشمال والشرق السوري هو ضرورة أمن قومي،كما يرى الخبير الزراعي الدكتور صالح الحمادي في تصريح لـ”963+” فهذه المنطقة تمثل “السلة الغذائية” للبلاد، إلا أن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذه المناطق ذاتها هي الأكثر معاناة من الفقر، وتراجع الخدمات، وتهالك البنية التحتية، والحقيقة لا تقبل الجدل: “ضعف هذه المناطق يعني ضعف سوريا اقتصادياً بالكامل”.
ويضيف الحمادي أن الفرات الذي غمر الحقول لم يحمل معه الطمي والماء وحدهما، بل حمل أسئلة اقتصادية حادة تُنذر بآثار متسلسلة (تأثير الدومينو) على النقد والاقتصاد الكلي من استنزاف النقد الأجنبي واتساع العجز التجاري، فكل طن قمح يجرفه الفيضان يعني اضطرار الحكومة لاستيراد طن بديل بالعملة الصعبة (الدولار) وهذا الاعتماد القسري على الخارج يؤدي إلى نزيف حاد في احتياطيات النقد الأجنبي المتبقية، وزيادة الطلب على الدولار في السوق المحلية لتغطية الفاتورة الاستيرادية، مما يضغط مباشرة على سعر صرف الليرة السورية ويدفعها نحو التراجع.
ويشير إلى معضلة التضخم المستورد، فالقمح المستورد يرتبط بأسعار البورصات العالمية، وتكاليف الشحن والتأمين، وهي تكاليف تفوق بكثير كلفة الإنتاج المحلي، والنتيجة المباشرة هي ارتفاع أسعار الطحين، الخبز، والمواد الغذائية المرتبطة بها، مما يشعل موجة “تضخم مستورد” تلتهم القوة الشرائية للمواطن.
ويحذر من أن الضغوط النقدية الناتجة عن تراجع الإنتاج والاضطرار للاستيراد تخلق حلقة مفرغة؛ حيث تتآكل القيمة الشرائية لأي طروحات نقدية جديدة أو زيادات في الأجور قبل أن يشعر بها المواطن، تماماً كما تآكلت السنابل قبل أن تنضج.
ويؤكد أهمية أن لا يكون الفلاح السوري هو الحلقة الأضعف في مواجهة الكارثة، فعلى الصعيد الاجتماعي، يمثل الفلاح في الجزيرة والفرات الحلقة الأضعف، وخسارة الموسم تعني، عجز المزارعين عن سداد القروض الزراعية (أثمان البذار، الأسمدة، والمحروقات) واستمرار إهمال هذه المنطقة أو التعامل مع الكارثة بمسكنات مؤقتة.
ويرى الحمادي أن الفيضان وقع، والخسارة حقيقية، لكن تعمّق الأزمة ليس قدراً محتوماً، ثمة تدخلات عاجلة يمكن أن تحدّ من تمدد الأضرار، فعلى صعيد دعم المزارعين هناك ضرورة بصرف تعويضات عاجلة وعادلة تغطي تكاليف الموسم الضائع على الأقل، وليس مبالغ رمزية، وإتاحة قروض زراعية ميسّرة وبلا فوائد مرهقة لضمان إمكانية الزراعة في الموسم القادم، مع اشتراط أن تكون التعويضات بالليرة السورية للحفاظ على الطلب المحلي وعدم تحميل الخزينة صرفاً بالعملة الأجنبية.
ويضيف حمادي أنه على صعيد الأمن الغذائي والعملة ضرورة التفاوض مع دول صديقة على صفقات استيراد قمح مؤجلة السداد أو بشروط تفضيلية لتقليل الضغط الفوري على الاحتياطي، ودعم موقت لأسعار الدقيق والخبز للحد من التأثير التضخمي على الفئات الأكثر هشاشة مع مراقبة مشددة لأي عمليات شراء مريبة للأراضي الزراعية في مناطق الفيضان، ووضع آليات قانونية تحمي حق المزارع في الاحتفاظ بأرضه.
ويطالب حمادي بالاستثمار الجاد في منظومة السيطرة على الفيضانات /السدود الترابية، وشبكات الصرف، وأنظمة الإنذار المبكر، وإحداث التأمين الزراعي، لا يجب أن يكون المزارع وحده في مواجهة الكوارث الطبيعية، الدولة شريك في المخاطرة، وأيضاً من المفيد تنويع محاصيل المناطق المعرضة للفيضان نحو أصناف أكثر تحملاً للمياه أو قصيرة الدورة الزراعية.
ويختم حمادي: الاقتصاد لا يعالج في التحسّر على ما جرى، بل في قرارات جريئة وسريعة تضع المزارع والإنتاج الوطني في قلب خطة الانتعاش الاقتصادي، لأن سوريا التي تنتعش اقتصادياً لا يمكنها أن تفعل ذلك وريفها ينزف وحقولها تغرق، فالفرات كان دائماً شريان الحياة السورية، فلا يُسمح له أن يصبح شريان الدمار، وفيضان الفرات هذا العام لم يكن كارثة طبيعية فحسب، بل كان جرس إنذار اقتصادي مدوٍّ، إن حماية المزارع السوري في الشرق والشمال ليست مجرد خطة رعاية اجتماعية، بل هي خط الدفاع الأول عن الليرة السورية وعن الخزينة العامة، فكلما كانت المناطق الشمالية والشرقية أكثر فقراً وأقل إنتاجاً، كانت سوريا برمّتها أكثر ارتهاناً للضغوط الخارجية، ولقد حان الوقت لتدرك العقلية التخطيطية أن رتق “السلة الغذائية المثقوبة” هو بداية الطريق الحقيقية لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.










