في وقت يتصاعد فيه منسوب نهر الفرات في شرق سوريا، لا يبدو الحدث مجرد فيضان موسمي عابر، بل حلقة جديدة في سلسلة اضطرابات تكشف عمق الهشاشة الاقتصادية والبنيوية في واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الحرب وتداخل النفوذ وتراجع القدرة المؤسسية. وبينما تتسع رقعة الأضرار لتطال الزراعة والمياه والنقل، تتبلور صورة أوسع لاقتصاد يعيش تحت ضغط “الصدمات المتكررة” التي تعيد إنتاج الأزمات بدل تجاوزها.
ويرى خبراء أن نهر الفرات لم يعد مجرد مصدر مياه أو ركيزة زراعية، بل تحول إلى عامل ناظم لحركة الاقتصاد في شرق سوريا، سواء في حالات الفيضانات أو الشحّ المائي.
وفي هذا السياق، يلفت د. بيار الخوري، نائب الرئيس المساعد في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا، في تصريحات لـ”963+” إلى أن ما يجري لا يمكن التعامل معه كأحداث طبيعية معزولة، بل كـ“متغير بنيوي” داخل اقتصاد أنهكته الحرب وتفكك المؤسسات وتعدد مراكز السيطرة على الأرض.
ويشير الخوري إلى أن تكرار الكوارث في بيئة غير مستقرة لا يؤدي فقط إلى تعطيل التعافي، بل يعيد عملياً “ضبطه إلى الصفر”، حيث تُمحى خلال أيام نتائج سنوات من الجهد المحلي في الزراعة والبنية التحتية. هذا النمط من الصدمات، من الجفاف إلى الفيضانات، يخلق وفق وصفه “فخ الإصلاح”، إذ تُستنزف الموارد في معالجة الخسائر الفورية بدل الاستثمار في بناء قدرات طويلة الأمد.
وعلى الأرض، تظهر التداعيات بشكل مباشر في القطاع الزراعي باعتباره الأكثر هشاشة والأكثر ارتباطاً بالفيضان.
وتسببت الفيضانات في غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على ضفاف الفرات، ما أدى إلى تلف محاصيل كانت على وشك الحصاد، وهو ما يعني خسائر لا تقتصر على المزارعين فقط، بل تمتد إلى الناتج الزراعي الوطني ككل.
ويؤكد الدكتور عبد الحميد صباغ، الخبير الاقتصادي وعضو الهيئة التدريسية في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، في تصريحات لـ”963+” أن الأضرار طالت أيضاً بنى تحتية حيوية تشمل مضخات المياه وشبكات الري وبعض الجسور والآليات الزراعية، مقدّراً حجم الخسائر بملايين الدولارات، مع انعكاسات تطال المجتمع السوري بأكمله وليس المناطق المتضررة وحدها.
تداعيات اقتصادية متسلسلة
لا تتوقف آثار الفيضانات عند حدود الخسارة المباشرة، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي عبر مسارات متداخلة. فتعطل المواسم الزراعية يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة في المناطق الريفية، في حين ينعكس تراجع الإنتاج على الأمن الغذائي والدخل المحلي. كما أن تضرر البنية التحتية يرفع كلفة النقل والإنتاج ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد.
وفي هذا الإطار، يشير صباغ إلى أن هذه الكوارث تفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة، نتيجة الحاجة إلى تمويل عمليات الإغاثة وإعادة التأهيل، ما قد يؤدي إلى إعادة توزيع الموارد بعيداً عن قطاعات تنموية أخرى، وهو ما يبطئ دورة التعافي الاقتصادي برمتها.
من زاوية أعمق، يربط الخوري بين تكرار الكوارث وبين تشكل نمط اقتصادي قائم على الاستجابة الطارئة بدل التخطيط التنموي. هذا النمط، بحسب وصفه، يقود إلى ما يسميه “فخ الإعاشة”، حيث تتحول المجتمعات الريفية من وحدات إنتاج إلى كيانات تركز على البقاء فقط، في ظل استنزاف مستمر لرأس المال المادي والاجتماعي.
ويضيف أن هذا الإرهاق التراكمي يعمّق فقدان الثقة الاستثمارية ويكرّس بيئة عالية المخاطر، ما يجعل أي استثمار تنموي طويل الأمد محدود الجدوى أو سريع التآكل أمام صدمة جديدة. وهكذا، يتحول الاقتصاد المحلي إلى حلقة مغلقة من الاستجابة للأزمة بدل الخروج منها.
الوقاية الغائبة وإدارة المخاطر
في المقابل، يركز خبراء الاقتصاد على أن جزءاً كبيراً من حجم الكارثة يعود إلى ضعف سياسات الوقاية وإدارة المخاطر. فغياب أنظمة إنذار مبكر فعالة، إلى جانب ضعف تنظيم مجاري الأنهار والتعديات المتراكمة عليها خلال سنوات الجفاف، ساهم في تضخيم الأضرار عند حدوث الفيضان.
ويشدد صباغ على أن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع منظومات وقائية وإدارة فعالة للموارد المائية، محذراً من أن إعادة بناء ما تهدم دون تغيير بنيوي في إدارة المخاطر سيؤدي إلى تكرار السيناريو نفسه مستقبلاً.
وما بين الجفاف الممتد والفيضانات المفاجئة، تبدو شرق سوريا عالقة في دائرة من الصدمات المتناقضة التي تجعل التخطيط الاقتصادي طويل الأمد شديد الصعوبة. ويؤكد الخوري أن هذه الحالة لا تسمح ببناء مسار تنموي مستقر، بل تفرض واقعاً يُدار فيه المستقبل على أساس “انتظار الكارثة المقبلة”.
وفي المحصلة، لا يبدو فيضان الفرات مجرد ظاهرة طبيعية، بل جزء من معادلة معقدة تجمع بين ضعف البنية التحتية، وتآكل المؤسسات، وتداخل الأزمات البيئية والسياسية.
وبينما تتكرر الخسائر، تتعمق الفجوة بين الحاجة إلى التنمية وقدرة الاقتصاد على التعافي، ليبقى السؤال مفتوحاً حول إمكانية بناء نموذج اقتصادي قادر على الصمود في بيئة تعيد إنتاج الكارثة بشكل دوري.










