هل كشفت فيضانات الفرات الأخيرة في دير الزور والرقة عن أولويات جديدة تفرض نفسها على الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب؟ سؤال عاد إلى الواجهة بقوة مع انحسار المياه تدريجياً، وبدء ظهور حجم الأضرار التي طالت البنية التحتية والأراضي الزراعية ومحطات ضخ المياه في شرق البلاد، في واحدة من أكثر موجات الفيضان استثنائية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
ودفعت السلطات بآليات ثقيلة وفرق دفاع مدني إلى المناطق المتضررة، بالتزامن مع زيارات ميدانية لمسؤولين حكوميين، كان أبرزها زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى دير الزور، التي رافقتها توجيهات بتسريع الاستجابة وإعادة تأهيل المرافق المتضررة.
من جهتها، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن الفيضانات تهدد حياة الأطفال في دير الزور والرقة، كما نبهت تقديرات إنسانية إلى أن تضرر محطات الضخ والأراضي الزراعية يضاعف هشاشة المجتمعات المحلية.
وكشفت عن تضرر أكثر من 19000 شخص بسبب هذه الفيضانات، فيما غمرت المياه أكثر من 800 منزل ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتعرضت البنية التحتية الحيوية للمياه لأضرار جسيمة، مما حرم العديد من المجتمعات من الوصول إلى مياه الشرب الآمنة.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن الفيضانات لم تكشف فقط حجم الأضرار، بل كشفت أيضاً طبيعة الملفات التي قد تفرض نفسها على أجندة الدولة السورية خلال المرحلة المقبلة: من إعادة تأهيل البنية التحتية والجسور، إلى بناء أنظمة إنذار مبكر، وتعزيز الاتفاقيات المائية الإقليمية، وصولاً إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن المائي والغذائي في بلد ما يزال يواجه تداعيات سنوات طويلة من الحرب والتراجع الخدمي.
ضعف البنية التحتية ودروس الفيضان
يقول فراس علاوي، الكاتب الصحفي لـ”963+”: إن ما حدث من فيضانات يكشف عن وجود أولويات جديدة تفرض نفسها دائماً في عملية إعادة الإعمار. ويضيف أن الفيضانات أظهرت بشكل واضح ضعف البنية التحتية، بل ودمار أجزاء منها، الأمر الذي لعب دوراً في تسريع عمليات صيانة بعض المرافق الأساسية، ووضع خطط لاستكمال هذا الملف.
ويرى علاوي أن الفيضانات لم تكشف فقط ضعف البنية التحتية أو تفككها أو تدميرها بشكل كامل، بل كشفت أيضاً عن نوع من التأخر في بعض الإجراءات، لا سيما فيما يتعلق بالمنطقة الشرقية، مثل دير الزور والرقة، وخاصة في ملف بناء الجسور.
ويلفت إلى أن هذا الأمر دفع الحكومة السورية إلى الإسراع في البدء ببناء أو ترميم أحد أهم الجسور في مدينة دير الزور، وذلك بعد أيام قليلة فقط من زيارة الرئيس السوري إلى المدينة وإعطائه توجيهات مباشرة للبدء بأعمال الترميم.
وفيما يتعلق بملف إدارة المياه، يوضح علاوي أن المياه تُعد ملفاً ملحاً للغاية، خصوصاً في ما يرتبط بالاتفاقيات بين الدول وتأمين مياه الشرب، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، التي تعتبر المياه فيها إحدى الأوراق الاستراتيجية، بل وأحد أسباب تشكيل العلاقات بين الدول.
وعن تأثير الفيضانات، يكشف علاوي أن آلاف الهكتارات الزراعية خرجت عن الخدمة أو تضررت بشكل كبير، خاصة أن الفيضانات حدثت خلال فترة حصاد محصول القمح، الذي يُعد محصولاً استراتيجياً للمنطقة. ويعتبر أن هذا الأمر تسبب بأضرار مباشرة للفلاحين، ومن المؤكد أنه سيؤثر على الأمن الغذائي.
ويتابع أن عدد الهكتارات المتضررة كان أقل من المتوقع، إلا أن ذلك سيشكل نوعاً من الضغط على الأمن الغذائي في شرق سوريا، وخاصة بالنسبة للأهالي، وليس للحكومة فقط، إذ إن بعض السكان خسروا قوتهم أو مخزونهم السنوي نتيجة تضرر الأراضي الزراعية. وينوه إلى أن المتضررين ينتظرون تعويضات حكومية ومساعدات عاجلة، إلى جانب دعم استراتيجي يمتد خلال هذا العام وحتى العام القادم.
أما فيما يخص الاستجابة الرسمية والإنسانية، فيرى علاوي أنها كانت جيدة إلى حدّ ما، رغم عدم الاستعداد الكافي في البداية. ويوضح أن الحكومة أعلنت حالة استنفار، إضافة إلى وجود اهتمام مباشر من الرئيس السوري، إلى جانب استجابة شعبية كبيرة، إذ ساهم المجتمع المحلي بشكل واسع في دعم جهود مؤسسات الدولة، التي لا تمتلك في بعض الأحيان الأدوات الكافية للتعامل مع أزمات بهذا الحجم.
وعن الدروس المستفادة، يعتقد علاوي أن من الضروري توقيع اتفاقيات مع تركيا والعراق فيما يخص ملف المياه، بهدف تنظيم دخول المياه إلى سوريا وخروجها، وتلافي حدوث مضاعفات مستقبلية. كما يشدد على أهمية بناء بنية تحتية قادرة على تجاوز مثل هذه الكوارث، والعمل على تطوير مخططات لإدارة المياه ومعالجتها.
ويؤكد علاوي أن جميع هذه الدروس يجب أن تكون جاهزة للتطبيق، إلى جانب الاستعداد لأي طارئ مستقبلاً من خلال إعادة إنشاء إدارات متخصصة بالطوارئ المتعلقة بفيضانات نهر الفرات. كما ينوه إلى أهمية تثقيف المواطنين والأهالي حول كيفية التعامل مع النهر، وعدم التعدي عليه، والتعامل معه باعتباره أحد الممتلكات الحيوية في سوريا.
الفرات بين الفيضانات وإدارة المياه
يقول أحمد العساف، الصحفي من الرقة لـ”963+”: إن الفيضانات التي شهدتها الرقة ودير الزور مؤخراً تُعد حدثاً غير مسبوق منذ سنوات طويلة، مضيفاً أن كبار السن يؤكدون أن المنطقة لم تشهد فيضانات مشابهة منذ نحو ثلاثين عاماً، وتحديداً منذ عام 1988.
ويرى أن هذه الفيضانات كشفت عن وجود مخالفات وتعديات كثيرة على مجرى نهر الفرات وسريره، موضحاً أن المياه غمرت المناطق التي تم التعدي فيها على حرم النهر، في حين لم تتأثر بعض الأراضي والعقارات النظامية بالقدر نفسه. ويعتبر أن ذلك كشف حجم التعديات القائمة على سرير النهر.
وعن الاستجابة الأولية، يلفت العساف إلى وجود ضعف في البداية، إذ لم تكن هناك استجابة فورية أو استعداد كافياً لاستقبال الأزمة، لكنه يضيف أن الوضع تحسن لاحقاً، حيث تدخلت فرق الدفاع المدني وعززت السواتر الترابية، لا سيما حول المضخات الرئيسية التي تُعد المصدر الأساسي لتغذية السكان بالمياه.
وفي ملف إدارة المياه، يؤكد العساف أن هذا الملف بالغ الأهمية والضرورة، موضحاً أن نهر الفرات كان يشهد العام الماضي تدفقاً يقارب 200 متر مكعب، بينما تجاوز خلال فترة الفيضان 1800 متر مكعب، وهو ما يعتبره هدراً لكميات كبيرة من المياه كان يمكن الاستفادة منها لسنوات، لو توفرت بحيرات أكبر أو خزانات تستوعب هذه الكميات.
أما فيما يتعلق بالأمن الغذائي، فيعتقد العساف أن تأثير الفيضانات كان محدوداً نسبياً، موضحاً أن المساحات المزروعة بالقمح والشعير واسعة جداً مقارنة بالمساحات المتضررة. ويشير إلى أن المساحات التي غمرتها المياه في الرقة بلغت نحو ألفي دونم فقط، وهو رقم محدود مقارنة بنحو 50 إلى 55 ألف هكتار مزروعة بالقمح في المحافظة.
وفي تقييمه للاستجابة الرسمية والإنسانية، يعتبر العساف أنها كانت جيدة إلى حدّ ما مقارنة بحجم الأضرار، لكنه يلفت إلى ضرورة إجراء تقييم دقيق للخسائر، بما يضمن تعويض المتضررين مستقبلاً، مؤكداً أن تعويضهم سيكون خطوة مهمة وإيجابية للغاية.
الأمن المائي والتخطيط المسبق للكوارث
يقول إياد علي الحجي، الباحث الاقتصادي لـ”963+”: إن ملف المياه في سوريا، ولا سيما المشاريع المرتبطة بنهر الفرات، من سد الفرات وسد تشرين وسد البعث، إلى المساحات المروية وقنوات الري والأراضي المستصلحة للزراعة ومحطات ضخ مياه الشرب، يُعد من أولويات الأمن المائي والزراعي والغذائي، فضلاً عن ارتباطه المباشر بأمن الكوارث.
ويضيف أن هذه الأولويات قائمة منذ وجود نهر الفرات، وتعززت بشكل أكبر منذ إنشاء السدود عليه، ما يجعلها ملفات لا يجوز تجاهلها في أي ظرف، سواء ارتفعت كميات المياه المتدفقة أو انخفضت.
ويرى الحجي أن الاستعداد المسبق يجب أن يكون ثابتاً في جميع الحالات، إذ يتطلب الأمر اتخاذ خطوات وتدابير احترازية دائمة للتعامل مع الكوارث المحتملة قبل وقوعها، وليس الاكتفاء برد الفعل بعد حدوثها.
وفي تقييمه لما حدث، يعتبر الحجي أن موجة الفيضان الأخيرة كشفت عن ضعف الجاهزية المسبقة، إلى جانب وجود سوء تنسيق بين الجانبين السوري والتركي فيما يتعلق بإدارة تدفقات المياه.
ويشير إلى أن البنية التحتية المرتبطة بالفرات، والمتمثلة في السدود الثلاثة ومئات الكيلومترات من الأراضي المستصلحة وقنوات الري، صُممت أساساً لتكون قادرة على التعامل مع مثل هذه الظروف، إلا أنها تعرضت، بحسب وصفه، لإهمال طويل امتد لعقود منذ ثمانينيات القرن الماضي، فضلاً عن أضرار متفاوتة خلال سنوات الحرب.
ويضيف أن تعاقب الإدارات المختلفة على المنطقة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، من سيطرة النظام السوري، إلى فصائل من الجيش الحر، ثم تنظيم داعش، وصولاً إلى “قسد”، لم يرافقه اهتمام كافٍ بهذه البنى التحتية الحيوية، بل شهدت، بحسب رأيه، مزيداً من الإهمال وضعف الوعي بأهمية الأمن المائي وإدارة الكوارث.
ويؤكد الحجي أن إدارة الموارد المائية، وخاصة نهر الفرات، أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، كما أعادت الأزمة التأكيد على أهمية محافظات الجزيرة السورية اقتصادياً واجتماعياً بالنسبة للبلاد. ويلفت إلى أن الفيضانات دقت ناقوس الخطر بشأن ضرورة أن تكون الدولة مستعدة وتمتلك حلولاً واضحة قبل وقوع الكوارث، لا أن تتفاجأ بها وتتعامل معها باعتبارها أحداثاً طبيعية طارئة فقط.
ويعتقد أن ذلك يفرض على الدولة المرور بمراحل من التخطيط والدراسة المسبقة، إلى جانب تنفيذ مشاريع عاجلة لترميم البنية التحتية المتضررة، وتعزيز الجاهزية المؤسسية في مواجهة أي طوارئ مستقبلية.
أما فيما يتعلق بالاستجابة الرسمية، فيرى الحجي أنها كانت جيدة من خلال تدخل وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، كما يصف التفاعل الإنساني والاجتماعي بأنه كان ممتازاً، لكنه يلفت إلى أن الجانبين يفتقدان إلى التخطيط والتوقع المسبق وتنفيذ إجراءات الوقاية اللازمة.
ويوضح أن التعامل مع هذا النوع من الكوارث يجب أن يبدأ من وزارات ومؤسسات متعددة، تشمل وزارة الزراعة، ومديريات الأرصاد الجوية، ومديريات المشاريع المائية، ووزارة الإدارة المحلية، ووزارة النقل، وصولاً إلى وزارة الطوارئ، معتبراً أن هناك تقصيراً واضحاً في الربط والتنسيق بين الوزارات والمديريات المختلفة.
ويتابع الحجي أن مواجهة الكوارث لا تقتصر على تفاني فرق الطوارئ بعد وقوع الأزمة، بل تتطلب تنسيقاً مؤسسياً شاملاً بين مختلف الجهات الرسمية قبل وقوعها، بهدف الحد من آثارها أو تجنبها قدر الإمكان.
كما ينوه إلى أن الاستجابة المجتمعية تحتاج أيضاً إلى توجيه وتنظيم، موضحاً أن جزءاً من الأضرار نتج عن الزحف العشوائي للسكان نحو ضفاف النهر، والبناء والزراعة وتربية المواشي في مناطق خطرة، وأحياناً ضمن مجرى النهر نفسه.
ويختم الحجي بالتأكيد على أن أبرز الدروس المستفادة تتمثل في ضرورة تعزيز التنسيق بين الوزارات، واعتماد إدارة متكاملة ومستدامة لملف المياه على المستويين السوري والإقليمي، إضافة إلى تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية على ضفاف الأنهار والسدود، بما يضمن الاستفادة من الموارد المائية بأفضل السبل، ويحول دون تحول وفرة المياه من نعمة إلى نقمة.










