بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من العزلة الاقتصادية والحرب والانهيار المؤسسي، تبدو سوريا اليوم أمام منعطف اقتصادي غير مسبوق، وسط مؤشرات متباينة تجمع بين التعافي الحذر والاختبارات الثقيلة. فمنذ عام 2025، بدأت البلاد تشهد عودة تدريجية إلى المشهد المالي الدولي، مع استئناف بعثات صندوق النقد الدولي نشاطها في دمشق للمرة الأولى منذ عام 2009، في خطوة ركّزت على إعادة بناء القدرات الاقتصادية، وإصلاح المالية العامة، وتأهيل القطاع المصرفي والمؤسسات النقدية، بالتوازي مع دعوات لدعم الاستقرار الاقتصادي وتهيئة بيئة تسمح للقطاع الخاص بلعب دور أكبر في عملية التعافي.
وفي الوقت ذاته، تسارعت مؤشرات الانفتاح الخارجي، بعدما أعاد الاتحاد الأوروبي تفعيل مسار التعاون الاقتصادي مع دمشق، مدعوماً بحزمة مالية تُقدّر بنحو 620 مليون يورو للفترة 2026–2027، تستهدف دعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والخدمات الأساسية، في تحول يعكس بداية كسر العزلة التي فرضتها سنوات الصراع والعقوبات.
كما برزت تفاهمات اقتصادية إقليمية جديدة، من بينها تنشيط التعاون التجاري مع تركيا وعودة سوريا إلى المحافل المالية الدولية، بما يفتح الباب أمام فرص استثمار وتمويل كانت شبه مجمدة لسنوات.
غير أن هذا الانفتاح يأتي في لحظة شديدة الحساسية، إذ تواجه سوريا اقتصاداً أنهكته الحرب، وبنية إنتاجية متراجعة، وقطاعاً مصرفياً ضعيفاً، فيما يعيش معظم السكان تحت ضغوط معيشية غير مسبوقة.
وبين الحديث عن أول فائض مالي منذ أكثر من ثلاثة عقود، ومساعي إعادة دمج البلاد في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، تبرز تساؤلات أساسية: هل تمتلك سوريا رؤية اقتصادية واضحة لتحويل الانفتاح إلى نمو فعلي؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الدولية في إعادة بناء الاقتصاد من دون فرض وصفات جاهزة؟
دور المؤسسات
يقول الدكتور نسيب غبريل، الباحث الاقتصادي والخبير المالي والمصرفي لـ”963+”، إنه لا يمكن القول إن السياسات الاقتصادية في سوريا تتأثر مباشرةً بتوصيات البنك الدولي أو المؤسسات الدولية، موضحاً أن سوريا، منذ عام 2011، أصبحت معزولة عن النظام المالي والمصرفي والتجاري العالمي، ولا سيما بعد فرض العقوبات الدولية.
ويضيف أن بعثات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي توقفت منذ ذلك الحين عن زيارة سوريا أو إصدار مؤشرات وتقارير دورية عن اقتصادها، لافتاً إلى أن أربعة عشر عاماً من الحرب، وما رافقها من تراجع المؤسسات وما خلّفه النظام السابق على الاقتصاد السوري، خلقت حاجة ملحّة لإعادة بناء القدرات الاقتصادية والمؤسساتية.
ويرى غبريل أن دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المرحلة الحالية يتركّز على بناء القدرات، وليس فرض السياسات، مشيراً إلى أن الزيارات الأخيرة لبعثات صندوق النقد إلى سوريا وما صدر عنها من تقارير تؤكد أن هذه المؤسسات لا تملي شيئاً على السلطات السورية، بل تقدم مساعدة تقنية واستشارية.
ويتابع أن صندوق النقد الدولي أوصى، في آخر بياناته المتعلقة بسوريا، بإعادة بناء القدرات، خصوصاً في مجالات المالية العامة، والمصرف المركزي، إضافة إلى مؤسسات عامة أخرى. كما يلفت إلى أن البنك الدولي لم يصدر حتى الآن أرقاماً أو توقعات تتعلق بالنمو الاقتصادي أو التضخم أو المالية العامة، ما يؤكد أن دوره الحالي يقتصر على الدعم التقني والمؤسساتي.
ويعتبر أن السلطات السورية هي من دعت صندوق النقد والبنك الدولي، موضحاً أن هذه المؤسسات لا تأتي من تلقاء نفسها، بل تعمل بطلب رسمي، وبهدف مساعدة السلطات على بناء القدرات الاقتصادية. كما يوضح أن البنك الدولي يركّز عادة على القطاعات المتخصصة مثل الطاقة والنقل والاتصالات، وليس فقط على الاقتصاد الكلي.
ويشير غبريل إلى أنه لا يوجد حالياً أي فرض لسياسات صندوق النقد أو البنك الدولي على سوريا، لكنه يستدرك قائلاً إنه في حال طلبت السلطات السورية مستقبلاً اتفاقاً تمويلياً إصلاحياً مع صندوق النقد، فقد تصبح هناك شروط وتوقعات مرتبطة بالقروض، كما يحصل في دول أخرى، إلا أن سوريا ما تزال بعيدة عن هذه المرحلة حالياً.
الإصلاح الاقتصادي
وفي ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي، يرى غبريل أن السلطات السورية تحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة وخطة عمل إصلاحية متكاملة، تتيح لها استقطاب الاستثمارات والمساعدات والتمويل الميسر.
ويعتقد أن النموذج الاقتصادي السوري السابق كان ضعيفاً وغير فعّال، سواء من خلال الاقتصاد الموجّه أو سيطرة مجموعة محدودة على مقدرات الاقتصاد، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على اقتصاد حر قائم على اقتصاد السوق، تكون فيه المبادرة الفردية والقطاع الخاص العمود الفقري للنشاط الاقتصادي.
ويضيف أن دور القطاع العام يجب أن يتركز على تحسين المناخ الاستثماري، وتطوير بيئة الأعمال، ورفع مستوى تنافسية الاقتصاد، إلى جانب مكافحة الاقتصاد الموازي وغير الشرعي.
كما يشير إلى ضرورة إدخال المنافسة إلى القطاعات التي تحتكرها الدولة، مثل الكهرباء والاتصالات والبنية التحتية، إضافة إلى إقرار شراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يسمح بجذب الخبرات الإدارية والتمويل والشركات العالمية المتخصصة.
ويلفت إلى أن الاقتصاد السوري غير قادر وحده على تمويل مشاريع إعادة الإعمار، وهو ما يجعل التعاون مع المؤسسات الدولية أمراً ضرورياً، لكن ضمن رؤية سورية واضحة تبعث على الثقة والشفافية.
ويشدد غبريل على أن غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة يجعل من الصعب استقطاب التمويل والاستثمارات والشركات والتكنولوجيا، مؤكداً أن الشفافية والوضوح يؤديان إلى تعزيز الثقة لدى المستثمرين والجهات الدولية.
الدعم والاستثمار
وفي ملف الدعم، يوضح غبريل أن رفع الدعم يعدّ قضية مركزية بالنسبة لصندوق النقد الدولي في معظم دول العالم، وليس في سوريا فقط، معتبراً أن الدعم العشوائي يؤدي إلى هدر الأموال، وتهريب المواد المدعومة، وزيادة الضغوط على المالية العامة.
ويضيف أن البنك الدولي وصندوق النقد يفضلان أن تكون المساعدات موجهة مباشرة إلى الفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من دعم المواد الأساسية مثل الوقود أو الكهرباء أو المواد الغذائية بشكل عام.
وفي ما يتعلق بالضرائب، يشير إلى أن صندوق النقد عادةً ما ينصح، في حال وجود عجز في الموازنة، بزيادة الإيرادات، وغالباً عبر الضريبة على القيمة المضافة، لأنها الأسهل تحصيلاً، لكنه يرى أن سوريا اليوم ليست في مرحلة زيادة الضرائب، بل تحتاج أولاً إلى تعافي الاقتصاد وإعادة دمج الاقتصاد الموازي ضمن الاقتصاد الرسمي.
ويستطرد قائلاً إن الأولوية يجب أن تكون لتوسيع حجم الاقتصاد، وتحسين بيئة الأعمال، وخلق فرص عمل جديدة، بما يرفع مستوى الدخل ويحسن أوضاع الفئات الأكثر هشاشة، بدلاً من الاعتماد فقط على الدعم المباشر.
ويؤكد أن دعم الفئات الأكثر احتياجاً يجب أن يكون دقيقاً وموجهاً، لتجنب الهدر والفساد وسوء توزيع الموارد، معتبراً أن الحل المستدام يكمن في تحقيق النمو الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات، سواء من السوريين في الخارج أو من الدول العربية والأجنبية.
وفي ختام حديثه، يعتقد غبريل أنه لا يوجد ما يسمى بـ”إصلاح اقتصادي مفروض” على سوريا، بل إن التعاون مع صندوق النقد والبنك الدولي يمكن أن يفتح الباب أمام مصادر تمويل إضافية من مؤسسات تنموية ودول صديقة، لكنه ينوه إلى أن نجاح هذا التعاون يتطلب أولاً رؤية اقتصادية سورية واضحة، وخطة إصلاحية عملية بأولويات محددة، تمكّن البلاد من التفاوض بفعالية واستقطاب التمويل والاستثمارات اللازمة للنهوض الاقتصادي.
سوريا: بين الفائض المالي وإعادة البناء الاقتصادي
يقول آلان مصعب الأتاسي، المستشار السابق لوزير الاقتصاد والصناعة الفرنسي، لـ”963+”، إن الإشارة تبدو تاريخية بكل المقاييس، إذ سجّلت سوريا عام 2025 أول فائض في ميزانيتها منذ عام 1990، بلغ 46 مليون دولار، أي ما يعادل 0.15% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بعجز وصل إلى 2.7% عام 2024.
ويضيف الأتاسي أن الإيرادات العامة شهدت قفزة لافتة بنسبة 120% لتصل إلى 3.5 مليار دولار، فيما تُقدَّر إيرادات الدولة لعام 2026 بنحو 8.7 مليار دولار، بالتوازي مع توقعات تشير إلى تضاعف النفقات ثلاث مرات لتبلغ نحو 10.5 مليار دولار، ما يعكس تحولاً مالياً مهماً، لكنه يفرض في الوقت ذاته تحديات كبيرة على مستوى الإدارة الاقتصادية.
كما يشير إلى أن هذا التعافي المالي يترافق مع انفتاح تجاري متسارع، موضحاً أن تركيا وسوريا أسستا لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة في أغسطس/آب 2025، بالتزامن مع محادثات مستمرة لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بين البلدين. ويضيف أن الاتحاد الأوروبي اقترح بدوره استئناف اتفاقية التعاون مع دمشق، مدعوماً بحزمة مالية تبلغ 620 مليون يورو للفترة الممتدة بين عامَي 2026 و2027.
تحديات السوق
غير أن الأتاسي يلفت إلى أن هذا الانفتاح الاقتصادي يحمل في المقابل وجهاً أكثر صعوبة، إذ أدى إلغاء دعم الخبز والوقود إلى ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على القدرة التنافسية للصناعات المحلية.
ويتابع أن الجهاز الصناعي السوري ما يزال يعاني آثار الدمار، فضلاً عن تأخر استثماري يتجاوز عقدين من الزمن، ما يجعل من الصعب على الصناعات المحلية منافسة المنتجات التركية والصينية والأوروبية داخل سوق انفتح بصورة مفاجئة ودون فترة انتقالية كافية.
وفي سياق متصل، يشير الأتاسي إلى أن سوريا تمتلك أكثر من 600 مؤسسة عامة تنتظر الخصخصة، في إرث ثقيل يعود إلى عقود طويلة من الإدارة الحكومية خلال عهد نظام الأسد. كما يلفت إلى اعتراف وزير المالية نفسه بحجم الأزمة، حين قال: “كنّا نتوقع الفساد، لكن ليس بهذا الحجم”، في إشارة إلى أن بعض المؤسسات لم تكن تؤدي دوراً اقتصادياً فعلياً، بل تحولت إلى أدوات لاستنزاف الموارد العامة.
ويضيف أن الحكومة أعلنت توجهها نحو اقتصاد السوق التنافسي، مع الحفاظ على الأصول الاستراتيجية، ولا سيما في قطاعَي الطاقة والنقل، تحت سيطرة الدولة، معتبراً أن هذا التحول يتطلب قدراً كبيراً من المنهجية والصبر.
ويعتقد الأتاسي أن هذا الورش الاقتصادي الضخم يستوجب تكليف بنوك أعمال متخصصة بإجراء تقييم دقيق للأصول العامة، إلى جانب اختيار مستثمرين يمتلكون القدرة على إعادة الاستثمار في أدوات الإنتاج وخلق فرص عمل مستدامة. لكنه يستدرك بالقول إن هذه العملية يجب أن تبقى خاضعة لرقابة صارمة من الدولة، لأن أي خصخصة غير منظمة أو بيع للأصول الاستراتيجية بأثمان متدنية قد يؤدي إلى تغذية التضخم وإضعاف القدرة الشرائية للأسر السورية المنهكة أصلاً.
التمويل والإصلاح
وفي ما يخص القطاع المصرفي، يرى الأتاسي أن الإصلاح لم يعد يحتمل التأجيل، موضحاً أن إجمالي أصول القطاع المصرفي السوري لا يتجاوز ما بين 4 و5 مليارات دولار، في حين أن نحو 40% من الفروع المصرفية متوقفة عن العمل، لافتاً إلى أن حجم القطاع بأكمله لا يعادل سوى بنك متوسط الحجم في الأردن أو مصر.
كما يوضح أن أسعار الفائدة المرتفعة، التي تصل إلى نحو 22%، تجعل الائتمان بعيد المنال بالنسبة إلى الشركات السورية، الأمر الذي يفرض ضرورة خفضها إلى أقل من 5%. ويعزو إمكانية تحقيق ذلك إلى تدخل الدولة عبر ضمان القروض المخصصة للصناعات المحلية، خصوصاً في عشرة قطاعات استراتيجية ذات أولوية، تشمل الطاقة، والزراعة والصناعات الغذائية، والاتصالات والرقمنة، والبناء ومواد التشييد، والنسيج، والصيدلة والصحة، والسياحة، والنقل واللوجستيات، والصناعة التحويلية، إضافة إلى الشركات التكنولوجية السورية الناشئة.
ويشير الأتاسي إلى أن هذه الضمانات العامة ستتيح للشركات الحصول على السيولة المالية اللازمة دون الحاجة إلى فتح رؤوس أموالها أمام المستثمرين الأجانب، الأمر الذي من شأنه حماية السيادة الاقتصادية للصناعة السورية.
وفي ملف التمويل، يعتقد الأتاسي أن الحكومة السورية ستكون بحاجة إلى تمويل دولي واسع النطاق، سواء عبر القروض الميسّرة أو المنح، بما يعادل 30% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي، على أن يُوجَّه هذا التمويل نحو دعم الصناعات المحلية، وتحديث القطاع الخاص، ورفع الأجور.
ويتابع أن انفتاح السوق دون تحسين القدرة الشرائية للسكان لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لافتاً إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون بالفعل تحت خط الفقر. ومن هنا، يرى أن رفع الأجور يجب ألا يقتصر على مواكبة التضخم المستورد الناتج عن انفتاح الأسواق، بل ينبغي أن يتجاوزه، حتى تنعكس ثمار إعادة الإعمار بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
وفي ختام حديثه، يعتبر الأتاسي أن الفائض المالي البالغ 46 مليون دولار يمثل انتصاراً رمزياً مهماً، لكنه يوضح أن المعيار الحقيقي لنجاح إعادة الإعمار لن يكون في الأرقام المالية وحدها، بل في قدرة السوريين على
استعادة مستوى معيشي أفضل، وتحقيق استقرار اقتصادي ينعكس على مختلف فئات المجتمع.










