لم يعد العيد كما كان قبل سنوات. فصوت طرقات الأبواب التي كانت تعلن وصول المهنئين، وازدحام البيوت بالأقارب، والجلسات الطويلة التي تمتد حتى ساعات المساء، باتت تنافسها اليوم إشعارات الهواتف، ورسائل المعايدة السريعة، و”الستوري” التي تختصر المناسبة بصورة أو مقطع فيديو لا يتجاوز ثوانٍ.
وبين من يحنّ إلى دفء الماضي، ومن يرى في التكنولوجيا وسيلة قرّبت المسافات، يتكرر مع كل عيد سؤال بات مطروحاً بقوة: هل غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي روح العيد فعلاً، أم أنها منحتها شكلاً جديداً فقط؟
بالنسبة إلى الجيل الذي عاش أعياداً سبقت ظهور الإنترنت، تبدو المقارنة واضحة. يستعيد محمد سامي (56 عاماً) صورة العيد القديمة قائلاً: “في الماضي كانت معايدة العيد تبدأ منذ ساعات الصباح الأولى، نزور البيوت بيتاً بيتاً، ولا نغادر الحارة قبل أن نلتقي الجميع. اليوم أصبحت المعايدة رسالة أو صورة تصل أسرع، لكنها تفتقد اللهفة والصدق”.
هذا التحول، بحسب كثيرين، لا يتعلق فقط بطريقة المعايدة، بل بطبيعة العلاقات الاجتماعية نفسها. فالزيارة التي كانت تستغرق ساعات، وتُروى خلالها الحكايات وتُقدَّم القهوة والحلوى، باتت تُختصر أحياناً برسالة جماعية أو مكالمة سريعة.
ويضيف سامي في حديثه لـ”963+”: “الفيسبوك والواتساب سهّلا التواصل، خاصة مع الأشخاص البعيدين، لكنهما خففا الزيارات العائلية. في السابق كنا نجلس ساعات مع بعضنا، أما اليوم فالجميع منشغل بهاتفه”.
ورغم ذلك، لا يخلو المشهد من الحنين إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت ذاكرة العيد؛ فالـ”لمّة” بالنسبة إلى الأجيال الأكبر لم تكن مجرد تجمع عائلي، بل طقساً اجتماعياً يعيد وصل العائلة ويمنح المناسبة معناها الحقيقي. ويقول أبو بلال: “أكثر ما تغيّر بالنسبة إليّ هو اللمّة. كان العيد مناسبة للتجمع الحقيقي، أما اليوم فالناس منشغلة بالتصوير أكثر من الجلوس مع بعضها”.
في المقابل، يقف جيل الشباب، ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و35 عاماً، في منطقة وسطى بين الماضي والحاضر، إذ عاشوا العيد في مرحلتين؛ قبل هيمنة الشاشات وبعدها.
أحمد محمود يصف هذه التجربة المزدوجة قائلاً: “نحن عشنا عيداً بلا إنترنت، ثم عشنا مرحلة السوشال ميديا، لذلك أرى أن هناك إيجابيات وسلبيات. أصبح بإمكاننا معايدة عدد كبير من الناس بسرعة، لكن التواصل صار أكثر سطحية”.
هذا الجيل لا يزال يتذكر زيارات العيد التقليدية، لكنه في الوقت ذاته اعتاد أن تبدأ المناسبة برسائل “واتساب” وصور جماعية تُنشر على “إنستغرام”. ولم تعد مشاركة اللحظات مجرد تفصيل جانبي، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الاحتفال نفسه.
ويقول سامر سليمان (22 عاماً) لـ”963+”: “في السابق كنا ننتظر زيارات العيد، أما اليوم فأصبح جزء كبير من العيد موجوداً على إنستغرام وواتساب، حتى صور الضيافة والملابس باتت جزءاً من المناسبة”.
فلم تعد الملابس أو ضيافة العيد مجرد عناصر مرتبطة بالمناسبة، بل تحوّلت إلى محتوى يُشارك على المنصات الرقمية. كثيرون باتوا يختارون ملابسهم أو طريقة ترتيب الضيافة بعين تراقب الصورة النهائية التي ستُنشر لاحقاً، في مشهد يعكس تغيّراً واضحاً في شكل الاحتفال.
لكن هذا التحول لم يأتِ من دون آثار جانبية، إذ يرى بعض الشباب أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت مساحة للمقارنة الاجتماعية لم تكن موجودة سابقاً بهذه الحدة.
وتقول فرح ساري: “أشعر أن السوشال ميديا قرّبت المغتربين، لكنها في الوقت نفسه خلقت نوعاً من المقارنة والضغط: من ظهر بشكل أجمل؟ من سافر؟ من احتفل أكثر؟”.
وفي زمن الصور المعدّلة والاحتفالات المعروضة بعناية، يجد البعض أنفسهم أمام صورة لـ”عيد مثالي” قد لا يشبه الواقع دائماً، ما يدفع بعض العائلات أو الأفراد إلى الشعور بضغط غير معلن لمواكبة هذا المشهد الرقمي.
أما بالنسبة إلى المراهقين وطلاب المدارس والجامعات، فقد أصبح العيد مرتبطاً بصورة أكبر بالعالم الافتراضي. يقول تيم: “بصراحة، جزء كبير من العيد بالنسبة إلينا صار مرتبطاً بالسوشال ميديا؛ صور، وستوري، وفيديوهات، ومعايدات أونلاين”.
ومع ذلك، لا يرى هذا الجيل التصوير بالضرورة نوعاً من الاستعراض، بل يعتبره وسيلة لحفظ الذكريات. ويضيف تيم: “ما زلنا نزور أهلنا، لكن من المهم أيضاً توثيق اللحظات. التصوير أصبح جزءاً من الذكريات، وليس مجرد استعراض”.
ولا يقف تأثير وسائل التواصل الاجتماعي عند حدود تغيير شكل المعايدة أو طريقة الاحتفال، بل يمتد، وفق مختصين، إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية نفسها.
وترى الدكتورة سمر علي، اختصاصية علم الاجتماع، أن العيد في الوجدان السوري ارتبط دائماً بطقوس اجتماعية دافئة تبدأ من الأسواق وتحضيرات البيوت، وتنتهي بالزيارات العائلية ولمّة الأقارب، إلا أن حضور المنصات الرقمية غيّر جزءاً من هذه الصورة التقليدية.
وتوضح لـ”963+”، أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل مفهوم “لمّة العيد”، فبعد أن كانت المناسبة قائمة على التفاعل المباشر والزيارات الطويلة، باتت المعايدات تُختصر في كثير من الأحيان برسائل سريعة عبر التطبيقات المختلفة، الأمر الذي انعكس على مستوى التفاعل الإنساني ودفء العلاقات الأسرية.
كما تشير إلى أن السوشال ميديا لم تعد مجرد وسيلة لنقل أجواء العيد، بل أصبحت شريكاً في صناعة تفاصيله، بدءاً من صور الملابس والضيافة، وصولاً إلى مشاركة الاحتفالات، وهو ما خلق ـ بحسب رأيها ـ نوعاً من المقارنة الاجتماعية والسعي لإظهار “العيد المثالي”، خاصة لدى فئة الشباب.
وفي المقابل، تؤكد أن التكنولوجيا حملت جانباً إيجابياً لا يمكن تجاهله، لا سيما بالنسبة إلى العائلات السورية التي فرقتها الغربة، إذ ساهمت مكالمات الفيديو والمنصات الرقمية في تقليل شعور البعد، ومنحت المغتربين فرصة مشاركة لحظات العيد مع عائلاتهم رغم المسافات.
وترى “علي” أن التحدي اليوم لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها دون أن تحل محل الدفء الإنساني واللقاءات المباشرة، مؤكدة أن الحفاظ على روح العيد يتطلب توازناً بين العالم الرقمي والعلاقات الاجتماعية الواقعية.
وفي نظر كثير من الشباب، أصبحت الصورة جزءاً من التجربة نفسها، فالاحتفال لا يكتمل أحياناً قبل التقاط صورة جماعية أو تسجيل فيديو قصير يوثّق اللحظة. ومع ذلك، يعترف بعضهم بأن الإفراط في صناعة المحتوى قد يسرق شيئاً من روح المناسبة.
ولا يقتصر تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الأسرية فقط، بل يمتد أيضاً إلى الأسواق والأنشطة التجارية المرتبطة بالعيد.
وتؤكد عواطف الحمد، مالكة متجر ملابس لـ”963+”، أن اهتمامات الزبائن تغيّرت خلال السنوات الأخيرة، قائلة: “قبل العيد يزداد الطلب بشكل واضح، وكثير من الزبائن يهتمون بإطلالة مناسبة للصور والمنشورات، خصوصاً على إنستغرام”.
هذا التغيير انعكس أيضاً على طريقة عرض المنتجات وحتى تصميمها، إذ بات الشكل البصري عنصراً أساسياً في قرار الشراء. الأمر ذاته يؤكده أبو عبدو، مالك متجر للحلويات، والذي يقول: “طريقة ترتيب الحلويات تغيّرت، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالشكل والتغليف، لأن الناس باتت تصوّر الحلويات وتنشرها”.
أما بالنسبة إلى المصورين وصنّاع المحتوى، فقد تحوّل العيد إلى موسم استثنائي للعمل. ويصف المصور الفوتوغرافي مالك شهابي المشهد بقوله: “العيد صار موسم محتوى بامتياز، من تصوير الضيافة والملابس إلى فيديوهات اللمّة العائلية، والناس أصبحت تهتم كثيراً بالشكل البصري”.
وبين جلسات التصوير المنزلية، ومقاطع الفيديو القصيرة، وصور العائلة، باتت المناسبات الاجتماعية تُوثَّق أكثر من أي وقت مضى، في ظاهرة يراها البعض امتداداً طبيعياً لتطور وسائل التواصل، فيما يعتبرها آخرون سبباً في فقدان جزء من العفوية التي كانت تميّز العيد.
وفي الجهة الأخرى من العالم، يبدو تأثير التكنولوجيا أكثر وضوحاً لدى المغتربين الذين باتت الشاشات نافذتهم الوحيدة لمشاركة العيد مع أسرهم.
وتقول حلا النجم: “مكالمات الفيديو خففت الغربة قليلاً، خاصة صباح العيد، لكن مهما كانت التكنولوجيا قريبة، فهي لا تعوّض حضن العائلة ولمّة البيت”.
فبالنسبة إلى من يعيشون بعيداً عن أوطانهم، تحوّلت مكالمات الفيديو إلى طقس أساسي لا يقل أهمية عن المعايدات نفسها. ويضيف محمد: “في السابق كنت أشعر أن العيد أصعب وأنا بعيد، أما اليوم فأستطيع على الأقل مشاركة أهلي اللحظة مباشرة، أرى الضحكات وأسمع أصواتهم”.
وبين الحنين إلى عيد الأمس والانخراط في عيد اليوم، يبدو المشهد أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين القديم والجديد. فالسوشال ميديا، رغم ما أحدثته من تغييرات في شكل العلاقات والاحتفال، قرّبت أيضاً المسافات ومنحت كثيرين فرصة البقاء على اتصال، خصوصاً في ظل الغربة والانشغالات اليومية.
وربما لم تفقد الأعياد روحها بالكامل، لكنها أعادت تشكيل نفسها بما يناسب زمن الشاشات؛ إذ لا تزال الزيارات قائمة، وإن قلّت، وما تزال الضحكات تُسمع في البيوت، حتى وإن سبقتها صورة على الهاتف أو “ستوري” سريعة.
وبين رسالة المعايدة السريعة وطرقة الباب القديمة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي التواصل الرقمي ليمنح العيد دفأه الحقيقي، أم أن شيئاً من روح المناسبة لا يزال يحتاج إلى حضور لا تستطيع الشاشة تعويضه؟










