في المراحل التي تعقب الثورات والتحولات الكبرى، لا يقتصر التحدي على إسقاط نظام سياسي أو إنهاء مرحلة صراع، بل يمتد إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بكيفية بناء شرعية جديدة قادرة على إدارة الدولة وضمان الاستقرار.
وفي الحالة السورية، يبرز الجدل حول اللحظة التي تنتهي فيها “الشرعية الثورية” وتبدأ “الشرعية السياسية والدستورية”، وسط مخاوف متوازية من عودة الاستبداد من جهة، أو استمرار منطق الثورة والاستثناء إلى ما لا نهاية من جهة أخرى.
وبين هذين الاحتمالين، تطرح أسئلة جوهرية تتعلق بدور الانتخابات، وشكل المؤسسات الدستورية، وإمكان تحقيق العدالة الانتقالية، وحدود مشاركة القوى الثورية في السلطة. فهل تكفي الانتخابات وحدها لبناء شرعية سياسية مستقرة؟ وما الضمانات التي تحول دون إعادة إنتاج الحكم الأمني؟ وكيف يمكن الحفاظ على أهداف الثورة ضمن نظام مؤسساتي تعددي؟
انتقال الشرعية وبناء المؤسسات
يقول فراس علاوي، الكاتب الصحفي لـ”963+”، إن الشرعية الثورية تتحول من الشارع إلى المؤسسات الدستورية عندما تبدأ هذه المؤسسات بتفعيل نشاطها وتحصل على دعم شعبي حقيقي من المواطنين. ويضيف أن المؤسسات، عندما تستقر وتباشر عملها بصورة فعلية، تبدأ بإنتاج القوانين والتشريعات المناسبة التي تعبّر عن إرادة المجتمع، باعتبار أنها نشأت أساساً من الشارع ومن مطالب الناس.
ويرى علاوي أن صلاحية الشرعية الثورية تنتهي عندما يبدأ الشارع الثوري بانتخاب ممثليه بصورة حرة إلى المؤسسات الدستورية والتشريعية والتنفيذية، موضحاً أن هذه اللحظة تمثل بداية الشرعية الدستورية والسياسية.
ويشير إلى أن إعلان دستور دائم، أو حتى إعلان دستوري مؤقت عبر سلطة انتقالية أو دائمة جاءت من الشارع أو انتُخبت منه أو تم التوافق عليها مجتمعياً، يمنح المؤسسات الناشئة شرعية دستورية ويطوي تدريجياً مرحلة الشرعية الثورية.
ويتابع أن الانتخابات تمنح طاقة من الشرعية السياسية المستقرة نسبياً بعد الثورات، رغم أن الحكومات التي تعقب التحولات الثورية غالباً ما تواجه اضطرابات وضغوطاً من الشارع الذي قد لا يكون راضياً تماماً عن القرارات المتخذة.
ومع ذلك، يعتقد أن الانتخابات تخلق قدراً من الاستقرار، لأنها تُشرك الشارع في السلطة وتمنح الناس فرصة التأثير عبر صناديق الاقتراع، بدلاً من الاكتفاء بشرعية ثورية مفتوحة.
ويستطرد علاوي موضحاً أن بناء الشرعية السياسية لا يعتمد على الانتخابات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى قوانين واضحة تنظّم المشاركة السياسية وتحدد الأطر القانونية للعمل العام، إلى جانب تحقيق العدالة الانتقالية.
ويعتبر أن العدالة الانتقالية تخفف بدرجة كبيرة من ضغط الشارع الثوري على الحكومات الجديدة، لأنها تستجيب لمطالب أساسية تتعلق بمحاسبة النظام السابق وإنصاف الضحايا، ما يسمح بالانتقال إلى مرحلة بناء المؤسسات الدستورية والتشريعية عبر مشاركة شعبية أوسع تخفف الاحتقان.
وفي ما يتعلق بالضمانات، يوضح علاوي أن أبناء الثورة يمثلون الضمانة الأولى والأهم داخل النظام السياسي الجديد، معتبراً أن إقصاءهم أو عدم إشراكهم قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار وتجدد المطالب بتحقيق أهداف الثورة.
لذلك، يعتقد أن مشاركة أبناء الثورة في السلطة والحكومة، وفي العملية الانتخابية وصناعة القرار، من شأنها أن تخفف الاحتقان وتمنح الشارع الثوري ضمانات بأن الحكومات التي تلي سقوط الأنظمة تسعى فعلاً إلى تحقيق أهداف التغيير.
من الثورة إلى الدولة
يقول صدر الدين، الناشط السوري لـ”963+”، إن الوصول إلى مؤسسات دستورية في الحالة السورية يتطلب الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة، أي الانتقال من منطق التعبئة والصراع إلى منطق القانون والتوافق وإدارة الاختلاف. ويضيف أن التجارب التاريخية تُظهر أن نجاح هذا التحول يعتمد على بناء مؤسسات تدريجية تمنع عودة الاستبداد أو الانهيار إلى الفوضى.
ويرى صدر الدين أن المسار السوري يمكن تصوره عبر مراحل مترابطة، تبدأ بتأسيس عقد سياسي جامع يقوم على مبادئ فوق دستورية، مثل وحدة سوريا وسيادتها، والمواطنة المتساوية، والفصل بين السلطات، وتداول السلطة، وحياد المؤسستين العسكرية والأمنية، وضمان الحقوق والحريات. ويشير إلى أن هذا العقد لا ينبغي أن يكون أيديولوجياً، بل إطاراً عاماً يسمح بتعايش التيارات المختلفة.
ويضيف أن المرحلة الثانية تتمثل في تحويل القوى الثورية إلى فاعلين سياسيين، موضحاً أن الثورات تُدار غالباً عبر شبكات مرنة أو فصائل مسلحة، بينما تحتاج الدولة إلى أحزاب سياسية، ونقابات مستقلة، ومجالس محلية منتخبة، ومنظمات مجتمع مدني. ومن هنا، بحسب رأيه، تنتقل الشرعية من «السلاح والشارع» إلى «التمثيل والانتخاب».
ويعتبر صدر الدين أن الصلاحية الثورية في سوريا تنتهي عندما يفقد منطق الحرب والاستثناء مبرراته العملية، وتصبح إدارة المجتمع ممكنة عبر التمثيل والمؤسسات، لا عبر التعبئة الثورية أو العسكرية.
لكنه يوضح أن ذلك لا يرتبط بلحظة رمزية واحدة، بل بمجموعة تحولات متزامنة، من أبرزها توقف الصراع المسلح بوصفه الوسيلة الأساسية للسياسة، وظهور سلطة انتقالية تحظى بقبول داخلي وتمثل عموم السوريين، إضافة إلى إطلاق عملية دستورية تحدد شكل الدولة وتوزيع السلطة واستقلال القضاء ودور الجيش والأمن.
ويتابع أن الشرعية السياسية تبدأ بالتشكل تدريجياً عندما تتحول القوى المؤثرة من فصائل وقيادات ميدانية وشرعيات كاريزمية إلى أحزاب وكتل برلمانية وإدارات محلية ومؤسسات خاضعة للمحاسبة. كما يعتقد أن التحول الحقيقي يبدأ عندما يصبح تداول السلطة أمراً ممكناً، بحيث لا يُنظر إلى الحكم باعتباره أداة لحماية الثورة فقط، بل كمسؤولية قابلة للتغيير السلمي عبر الانتخابات.
وفي ما يتعلق بالانتخابات، يشير صدر الدين إلى أنها شرط مهم لبناء الشرعية السياسية، لكنها لا تكفي وحدها في الحالة السورية. ويعلل ذلك بأن الشرعية ليست مجرد إجراء انتخابي، بل علاقة ثقة وقبول بين المجتمع والدولة، خاصة في ظل الحرب الطويلة والانقسام المجتمعي والنزوح والتدخلات الخارجية. لذلك، يرى أن إجراء انتخابات من دون بيئة آمنة ومحايدة أو تمثيل حقيقي لكل السوريين قد لا يؤدي إلى شرعية فعلية.
ويضيف أن الشرعية السياسية تحتاج إلى عناصر متكاملة، تشمل حرية التنظيم، وإعلاماً مستقلاً، وقضاءً نزيهاً، وعدم استخدام الأمن أو السلاح للتأثير على النتائج، فضلاً عن وجود حد أدنى من التوافق الوطني حول قواعد اللعبة السياسية وشكل الدولة ووحدة البلاد وحقوق المكونات المختلفة.
كما يشير إلى أهمية تمثيل اللاجئين والنازحين السوريين في أي عملية انتخابية، معتبراً أن تجاهل هذه الكتلة الكبيرة سيؤدي إلى أزمة شرعية. ويرى أيضاً أن الانتخابات تحتاج إلى مؤسسات تحمي نتائجها، مثل محكمة دستورية مستقلة، وبرلمان فعلي، وفصل بين السلطات، وإدارة مدنية محترفة.
ويستطرد موضحاً أن التجارب التاريخية أظهرت أن بعض الدول الخارجة من الحروب أجرت انتخابات مبكرة لكنها لم تحقق الاستقرار، لأن الانتخابات سبقت بناء الثقة والمؤسسات. في المقابل، نجحت دول أخرى عندما جاءت الانتخابات ضمن تسوية سياسية وعدالة انتقالية وإعادة بناء لمؤسسات الدولة.
وفي سياق الحديث عن الشرعية الثورية، يرى صدر الدين أن تبرير وجودها في سوريا يمكن أن يكون مقبولاً فقط إذا فُهمت كأداة لحماية الانتقال ومنع عودة الاستبداد، لا كبديل دائم عن الشرعية السياسية والدستورية. ويوضح أن مشروعيتها ترتبط بقدرتها على إعادة السياسة إلى المجتمع بعد عقود من احتكار السلطة وإغلاق المجال العام.
ويضيف أن الدور الانتقالي للشرعية الثورية يمكن تبريره من خلال تفكيك احتكار الأجهزة الأمنية، وإعادة هيكلة الجيش، وحماية التعددية السياسية الناشئة، على أن تتحول هذه الشرعية لاحقاً إلى ضمانات دستورية واضحة، مثل تحديد مدة الرئاسة، واستقلال القضاء، وتعزيز صلاحيات البرلمان، وضمان حرية الإعلام والرقابة المدنية على الجيش والأمن.
كما يعتبر أن أي شرعية ثورية تفقد مشروعيتها إذا ادعت تمثيل «السوريين الحقيقيين» حصراً، مؤكداً أن سوريا متعددة دينياً وقومياً وسياسياً، وأن الشرعية المستقبلية يجب أن تقوم على استيعاب الاختلاف لا الإقصاء. لذلك، يرى أن وظيفة الشرعية الثورية ينبغي أن تكون حماية المجال السياسي المفتوح، لا احتكار تعريف الوطن أو الثورة.
ويتابع مؤكداً أن القوى الثورية نفسها يجب أن تخضع للمساءلة، وأن تقبل بالانتقال التدريجي نحو الانتخابات والمؤسسات، لأن الثورة – بحسب تعبيره – تُبرَّر بقدر ما تقبل إنهاء امتيازها الاستثنائي لاحقاً.
ويشير صدر الدين إلى أن المعضلة السورية الأساسية تتمثل في خوفين متوازيين: الخوف من عودة الاستبداد الكامل، والخوف من استمرار الشرعية الثورية بلا نهاية. لذلك، يعتقد أن أي صيغة مستقرة تحتاج إلى توازن بين حماية الانتقال السياسي ومنع تحول المرحلة الانتقالية نفسها إلى سلطة دائمة.
وفي ختام حديثه، يوضح أن الحفاظ على أهداف الثورة السورية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بتحويل مطالب الحرية والكرامة والعدالة ومنع الاستبداد إلى قواعد دستورية ومؤسسات عملية.
ويعدد مجموعة من الضمانات الأساسية، أبرزها: دستور يقيّد السلطة، وقضاء مستقل، وضبط الأجهزة الأمنية، وحياد الجيش، والتعددية السياسية والإعلام الحر، والعدالة الانتقالية، ومجتمع مدني قوي، وتداول سلمي للسلطة.
ويخلص إلى أن الضمان الحقيقي لا يكمن في النصوص وحدها، بل في وجود ثقافة سياسية ومؤسسات مستقلة تجعل أي محاولة لاحتكار السلطة مكلفة وصعبة.










