منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلة سياسية واقتصادية جديدة عنوانها الأبرز: إعادة بناء دولة منهكة اقتصادياً بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والانهيار المؤسسي.
وبينما تسعى الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع إلى تقديم نموذج اقتصادي مختلف، يراوح الاقتصاد السوري بين إرث الدولة المركزية الثقيلة ومتطلبات الانفتاح على الاستثمار والأسواق، في ظل بيئة ما تزال تواجه تحديات عميقة تتعلق بالبنية التحتية، وضعف الإنتاج، وتراجع الثقة الداخلية والخارجية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى وجود مساعٍ متزايدة لإعادة دمج سوريا اقتصادياً في الإقليم والعالم، بعد تخفيف جانب من العقوبات الغربية واستعادة بعض العلاقات التجارية مع أوروبا، فضلاً عن محاولات جذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع لوجستية وتجارية جديدة.
وخلال الأشهر الأخيرة، كثّفت الحكومة السورية الجديدة تحركاتها الاقتصادية والديبلوماسية، إذ أعلنت موازنة لعام 2026 تُقدَّر بنحو 10.5 مليار دولار مع تركيز واضح على الإعمار وتحفيز النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع جهود لإعادة تأهيل الموانئ وشبكات النقل والتجارة، من بينها توقيع اتفاقات تشغيل لوجستية جديدة وإحياء خطوط شحن تعطلت منذ سنوات الحرب.
كما بدأت دمشق تستعيد حضورها في المحافل الاقتصادية الدولية، في مؤشر على محاولة إعادة وصل الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي، رغم استمرار الحذر الدولي والمخاوف المرتبطة بالاستقرار السياسي والحوكمة والبيئة الاستثمارية.
لكن، وعلى الرغم من هذه المؤشرات، لا تزال التحديات الاقتصادية ضخمة؛ إذ تعاني سوريا من ضعف شديد في القاعدة الإنتاجية، واعتماد مرتفع على الواردات والطاقة الخارجية، فضلاً عن استمرار آثار الحرب والعقوبات والانهيار النقدي، ما يجعل أي تحول اقتصادي عرضة لاختبارات صعبة.
وبين من يرى أن البلاد تتجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً، ومن يعتقد أن الدولة ما تزال تحتفظ بجوهر الاقتصاد الموجَّه، يبرز سؤال أساسي: أي نموذج اقتصادي يتشكل اليوم في سوريا؟ وهل تسير البلاد نحو اقتصاد سوق، أم نحو صيغة هجينة تجمع بين تدخل الدولة وآليات السوق؟
اقتصادٌ هجين ومسارُ تعافٍ طويل
يقول صباح العكيلي، رئيس مركز الهدف للدراسات الاستراتيجية، لـ”963+”: إنه فيما يتعلق بالوضع الحالي في سوريا بعد المتغيرات الكبيرة التي شهدها نظام الحكم، ويرى أن القيادة السورية باتت أمام امتحان صعب وتحديات كبيرة، من أبرزها التحدي الاقتصادي، موضحاً أن الاقتصاد السوري ما يزال يعاني من أزمات عميقة ومتراكمة.
ويشير إلى أن الاقتصاد السوري كان يعتمد سابقاً على منهجية اشتراكية، إذ إن النظام السابق، بقيادة بشار الأسد، وحزب البعث عموماً، تبنّيا نموذجاً اقتصادياً يقوم على تدخل الدولة ودورها المركزي في إدارة الاقتصاد.
ويضيف العكيلي أنه عند الحديث عن شكل الاقتصاد السوري الحالي، يمكن وصفه بأنه اقتصاد هجين يجمع بين المنهج الاشتراكي والرأسمالي، معتبراً أن سوريا تحتاج إلى مراحل متعددة لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي مرت بها خلال حقبة حافظ الأسد وما بعدها، فضلاً عن تداعيات العقوبات الاقتصادية، ولا سيما قانون قيصر، الذي فرض عزلة وضغطاً اقتصادياً كبيراً على الدولة السورية.
ويعتقد أن سوريا بحاجة إلى منهجية واضحة في تبني سياستها الاقتصادية، متسائلاً عمّا إذا كانت ستتجه نحو الاشتراكية أم اقتصاد السوق، قبل أن يوضح وجهة نظره بأن المرحلة الحالية تتطلب مزيجاً بين الدور الاجتماعي للدولة وآليات السوق، بما يحقق نوعاً من التوازن الاقتصادي.
ويلفت إلى أن الموقع الجيوسياسي لسوريا يمنحها فرصة لإعادة ترميم اقتصادها، مستندة إلى خلفيتها التاريخية ومكانتها الإقليمية، لكنه ينوّه إلى أن ذلك يتطلب خطوات مدروسة وإجراءات محددة.
ويتابع أن من بين النماذج الممكنة في المرحلة الانتقالية وجود قطاع عام واسع نسبياً، مع استمرار دعم بعض المواد الأساسية واعتماد أدوات تسعير مركزية محددة، معتبراً أن هذه الإجراءات قد تسهم في الحد من الانتكاسة الاقتصادية.
كما يشير إلى أن الحكومة السورية تحتاج إلى السيطرة على ركيزتين أساسيتين تؤثران مباشرةً في الاقتصاد، هما القطاع التجاري وسوق العملة، إضافة إلى تبني إجراءات تنظيمية للقطاع الخاص بما يمنع الفوضى الاقتصادية.
ويفسر العكيلي تدهور الاقتصاد السوري بأنه نتيجة تراكمات طويلة، مؤكداً أن الاقتصاد عانى كثيراً خلال عهد بشار الأسد، وأن التعافي يتطلب وقتاً وخططاً استراتيجية واضحة لتجاوز الأزمة.
ويعيد التأكيد على أن الاقتصاد السوري، برأيه، لا يمكن تصنيفه كاقتصاد اشتراكي خالص أو اقتصاد سوق كامل، بل هو اقتصاد هجين يجمع بين تدخل الدولة وآليات السوق، وهو نموذج قد يكون مناسباً كمرحلة انتقالية نحو التعافي الاقتصادي.
كما يعزو جزءاً من الأزمة الاقتصادية إلى الحرب والفوضى التي شهدتها سوريا، والتي أدت إلى خروج رؤوس الأموال من البلاد، فضلاً عن تأثير العقوبات والانهيار المالي، ما عقد فرص إيجاد حلول سريعة للاقتصاد السوري.
وينوّه إلى أن الاقتصاد السوري ظل لفترة طويلة محصوراً في إطار إدارة الأزمة، مع الاعتماد على الجباية، ومحاولات تقييد شبكات احتكار العملة، ومراقبة التحويلات الخارجية والمساعدات، إلى جانب وجود اقتصاد غير رسمي أثّر بصورة كبيرة على المشهد الاقتصادي.
ويؤكد العكيلي أن صانع القرار السوري بات اليوم أمام استحقاقات وخطوات حاسمة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، مشدداً على أن الاقتصاد السوري يتسم بطابع ريعي وأمني لعب دوراً كبيراً في رسم معالمه، ما أفضى إلى ضعف المنافسة الحرة وغياب المؤسسات الاقتصادية المستقلة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الاقتصاد السوري ليس اقتصاداً اشتراكياً كلاسيكياً، بل نموذج يجمع بين عناصر اشتراكية وآليات السوق، الأمر الذي يتطلب مراحل متقدمة من إعادة الهيكلة، وخططاً محسوبة لإعادة ترميم الاقتصاد السوري وتجاوز آثار المرحلة السابقة.
مرحلة انتقالية بلا نموذج واضح
ويقول محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي، لـ”963+”: إن الاقتصاد السوري اليوم لا يمكن وصفه بأنه اقتصاد اشتراكي كامل ولا اقتصاد سوق حر مكتمل، بل هو حالة انتقالية مضطربة تجمع بين نماذج متعددة، بل ومتناقضة أحياناً.
ويشير إلى أن الدولة ما تزال تحتفظ بأدوات التدخل التقليدية، مثل التحكم ببعض الأسعار، وإدارة قطاعات عامة واسعة، وفرض قيود على النقد والتجارة، لكنها في المقابل تتجه تدريجياً نحو تحرير الأسواق، وتقليص الدعم، وفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات والشراكات الجديدة.
ويعتبر أن هذا الواقع خلق حالة من الازدواجية الاقتصادية، جعلت الاقتصاد السوري يتحرك من دون هوية واضحة أو نموذج اقتصادي مستقر.
ويستطرد الجوهري موضحاً أن الاقتصاد السوري تأسس، على مدى عقود طويلة، على فكرة الاقتصاد الموجّه، القائم على الدور المركزي للدولة في الإنتاج والتوزيع والتوظيف والدعم، إذ كانت الحكومة تتحكم في القطاعات الرئيسية، من الصناعة والزراعة إلى التجارة الخارجية والطاقة، فيما شكلت العدالة الاجتماعية والدعم الواسع جزءاً أساسياً من الخطاب الاقتصادي الرسمي.
لكنه يلفت إلى أن مرحلة الانفتاح الاقتصادي، ثم تسارع الأزمات والحرب والعقوبات، دفعت الدولة إلى التراجع التدريجي عن كثير من وظائفها الاجتماعية والاقتصادية، في وقت بدأ فيه القطاع الخاص بفرض حضوره بصورة أكبر، ليس عبر سوق تنافسية حقيقية، وإنما من خلال شبكات نفوذ وتحالفات مالية وتجارية مرتبطة بمراكز القوة السياسية والاقتصادية.
ويشرح الجوهري أن النظام الاقتصادي الحالي، الذي يقوده أحمد الشرع، يمكن وصفه بأنه محاولة للانتقال من اقتصاد الدولة المركزية الثقيلة إلى نموذج أكثر انفتاحاً على القطاع الخاص والاستثمار.
لكنه يوضح أن هذا التحول يجري في ظل غياب بنية مؤسسية مكتملة أو رؤية اقتصادية مستقرة حتى الآن، ما يجعل التقييم أقرب إلى وصف مرحلة انتقالية أكثر من كونه نموذجاً اقتصادياً واضح المعالم.
ويضيف أن أبرز ملامح هذا التوجه تتمثل في السعي إلى تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي المباشر، مقابل منح مساحة أكبر للقطاع الخاص والتجارة والاستثمارات، فضلاً عن محاولة تخفيف القيود البيروقراطية المرتبطة بالنظام الاقتصادي التقليدي.
كما يشير إلى وجود توجه لإعادة هيكلة الدعم وتقليل الأعباء على الموازنة العامة، بالتوازي مع محاولات جذب رؤوس الأموال السورية في الخارج.
وفي المقابل، يرى الجوهري أن التحدي الأكبر أمام هذا النموذج يتمثل في ضعف القاعدة الإنتاجية، وغياب الاستقرار الكامل، وتراجع الثقة في البيئة الاقتصادية نتيجة الحرب والعقوبات والانهيار النقدي، ما يجعل أي إصلاح اقتصادي يواجه صعوبات كبيرة في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
ويفسر أن التحول نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً قد يسهم نظرياً في تنشيط الاستثمار والتجارة وخلق فرص عمل، لكنه يوضح أن المشكلة لا تتعلق بالسياسات الاقتصادية وحدها، بل بالبيئة المحيطة بها، لأن الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى دون استقرار سياسي وقانوني ونقدي ومصرفي حقيقي.
ويلفت إلى أن كثيراً من المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر شديد مع السوق السورية بسبب هذه العوامل.
كما ينوّه إلى أن جزءاً من الانتقادات الموجهة للنظام الاقتصادي الحالي يتمثل في أن رفع الرسوم وتقليص الدعم يجريان بوتيرة أسرع من تحسن الدخول والخدمات، ما يفرض ضغوطاً مباشرةً على المواطنين، ويزيد معدلات الفقر والتآكل الاجتماعي، خصوصاً مع استمرار التضخم وضعف القوة الشرائية.
ويشير كذلك إلى استمرار مشكلة التركز الاقتصادي وظهور شبكات احتكار ونفوذ تتحكم في قطاعات واسعة من السوق، الأمر الذي يضعف المنافسة الحقيقية، ويجعل الاقتصاد أقرب إلى اقتصاد الامتيازات منه إلى اقتصاد السوق الحر الكامل.
وفي المقابل، يلفت إلى أن هناك من يرى أن الحكومة الحالية تتحرك بواقعية في ظل ظروف استثنائية، وتسعى إلى منع الانهيار الكامل عبر سياسات تقشفية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بالتوازي مع فتح الاقتصاد تدريجياً أمام رؤوس الأموال والاستثمارات الجديدة.
ويخلص الجوهري إلى أن النموذج الاقتصادي الحالي لا يمكن تصنيفه بوصفه اقتصاداً اشتراكياً أو اقتصاد سوق حر مكتمل، بل هو نموذج هجين يحاول التوفيق بين دور الدولة وتحرير السوق، لكنه ما يزال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالإنتاج والاستثمار والاستقرار والثقة والعدالة الاجتماعية.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن نجاح هذا النموذج مستقبلاً سيعتمد على قدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الفقيرة، وبين جذب الاستثمار ومنع الاحتكار، إضافة إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، محذراً من أن أي اختلال في هذا التوازن قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الاجتماعية وزيادة الضغوط الاقتصادية على المجتمع السوري بصورة أكبر.










