في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع بين إيران وإسرائيل، عاد العراق إلى واجهة المشهد بوصفه إحدى الساحات الأكثر هشاشة وتأثراً بتداعيات الصراع، خصوصاً مع تصاعد الاتهامات المرتبطة بنشاط الفصائل المسلحة المقرّبة من طهران، وتزايد المخاوف من تحوّل الأراضي العراقية إلى منصة لتبادل الرسائل العسكرية والأمنية بين القوى الإقليمية والدولية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات جديدة أعادت تسليط الضوء على الدور المحتمل للفصائل العراقية في المشهد الإقليمي، بعدما اتهمت كل من الإمارات والسعودية جماعات مرتبطة بإيران بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، بينها هجوم استهدف محيط محطة براكة النووية الإماراتية، في تطور أثار قلقاً واسعاً من احتمالية توسع رقعة الصراع نحو الخليج.
وفي موازاة ذلك، تواجه الحكومة العراقية ضغوطاً متزايدة لتحقيق توازن معقد بين احتواء نفوذ الفصائل المسلحة والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وسط تحذيرات أميركية متكررة من تنامي نشاط الجماعات المرتبطة بإيران داخل العراق، بالتزامن مع تقارير عن هجمات استهدفت مصالح أميركية وإقليمية انطلاقاً من الأراضي العراقية، الأمر الذي وضع بغداد أمام اختبار سياسي وأمني شديد الحساسية.
كما تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى انعكاسات اقتصادية مباشرة على العراق، ولا سيما في قطاع الطاقة والتجارة، في ظل تأثر صادرات النفط العراقية بالتوترات المتصلة بمضيق هرمز وتداعيات الحرب الإقليمية.
وبين من يرى أن الفصائل العراقية ما تزال تتحرك ضمن حسابات إيرانية أوسع، ومن يعتقد أن بغداد تمتلك فرصة لإعادة ضبط المشهد الأمني والسياسي ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة، تتزايد التساؤلات حول قدرة الحكومة العراقية على كبح جماح هذه الجماعات، والنأي بالعراق عن أن يتحول إلى ساحة صراع إقليمية جديدة.
الفصائل العراقية.. نفوذ إيراني واحتمال تحوّل العراق إلى ساحة صراع
يقول عصمت منصور، الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي، لـ”963+”: إنه خلال هذه المواجهة لم يظهر، سواء في الإعلام الإسرائيلي أو داخل المنظومة الأمنية الإسرائيلية، ما يشير إلى وجود استهداف مباشر لإسرائيل من العراق، بخلاف ما جرى خلال الحرب السابقة وأثناء الحرب على غزة.
ويضيف أن التركيز بدا منصبّاً على أهداف في الخليج والمنطقة، أو على مصالح أميركية داخل العراق وخارجه، معتبراً أن هذا الأمر متوقع وطبيعي، لأن هذه المجموعات المسلحة جرى إعدادها وتهيئتها ودعمها لتكون، بشكل أو بآخر، إحدى الأذرع التي تشكل أوراق ضغط ضمن جبهة إيران الإقليمية ومحورها الممتد في المنطقة.
ويشير إلى أن هذا التهديد جاء في ظروف صعبة تعيشها أطراف المحور، سواء في العراق أو داخل إيران نفسها أو لدى بقية القوى المرتبطة بها، وهو ما يفسر – بحسب رأيه – محدودية التأثير الذي أظهرته هذه الجماعات خلال التصعيد الأخير.
ويلفت منصور إلى أنه ليس مختصاً بشكل دقيق في شؤون الجماعات العراقية، لكنه يعتقد، من حيث المبدأ، أن هذه الفصائل لا يمكن اعتبارها مستقلة عن إيران، نظراً لعوامل الجغرافيا، والطائفة، والعلاقات التاريخية، فضلاً عن التشابكات السياسية والأمنية.
ويتابع قائلاً إن هذه الجماعات تنظر إلى العلاقة مع إيران بوصفها جزءاً من مصالحها الخاصة، كما تعتبر أن بقاء إيران قوية وعدم تعرضها للهزيمة يصب في مصلحتها المباشرة، ولذلك لا يمكن وصفها بأنها جماعات مستقلة بأي حال من الأحوال.
ويعلل ذلك بالقول إنه لو كانت هذه الفصائل مستقلة بالفعل، لكانت انطلقت من المصالح العراقية وتوجهات الدولة والحكومة العراقية، وهي “تختلف في كثير من الأحيان عن السياسات التي تتبعها تلك الجماعات”.
ويحذر منصور من إمكانية تحول العراق إلى ساحة مواجهة، معتبراً أن هذا السيناريو يبقى وارداً في ظل موقع العراق الجغرافي، وعلاقاته الإقليمية، فضلاً عن وجود مصالح وقواعد قد تتحول إلى أهداف محتملة.
ويشير إلى أن نشاط بعض الجماعات المسلحة قد يشكل ذريعة لاستهداف مواقع داخل العراق، أو قد يؤدي إلى انطلاق هجمات أو طائرات مسيّرة من الأراضي العراقية، ما قد يدفع البلاد إلى الانخراط في ساحة الصراع بشكل أوسع.
وفي ما يتعلق بالحكومة العراقية، يرى منصور أن وضعها معقد، موضحاً أن جزءاً من تركيبة البرلمان والحكومة يرتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بهذه الجماعات أو القوى القريبة منها.
ويضيف أن أزمة الحكومة العراقية تبدو شبيهة، إلى حد ما، بأزمات حكومات أخرى في المنطقة، مثل الحالة اللبنانية، حيث توجد جماعات مسلحة تعمل بشكل موازٍ للدولة ومؤسساتها الرسمية.
ويعتقد أن معالجة هذا الملف ترتبط إلى حد كبير بنتائج المواجهة مع إيران، موضحاً أن مآلات الصراع ستؤثر على شكل العلاقة بين طهران وهذه الجماعات، وربما تحدد مستقبل أدوارها الإقليمية.
ويذهب منصور إلى أن إحدى خلاصات المواجهة الحالية قد تكون تراجع فعالية أذرع إيران الإقليمية، معتبراً أن الصواريخ والمسيّرات والجماعات المسلحة لم تحسم المعركة لصالح طهران، ولم تنجح في تشكيل معادلة ردع حاسمة كما كان يُعتقد.
ويفسر أن العوامل الأكثر تأثيراً “تمثلت في قدرة إيران على الصمود، وإدارة الأزمة، والتلويح بتأثيرات اقتصادية وإقليمية واسعة، بما في ذلك التأثير على حركة الطاقة والاقتصاد العالمي”.
ويختتم حديثه بالقول إن معالجة ملف الجماعات المسلحة في العراق لن تكون سريعة، بل ستتم على المدى البعيد، من خلال إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، وما قد تفرزه نتائج هذه المواجهة من تحولات داخل الدول التي تنشط فيها هذه المجموعات.
اختبار العراق.. كبح الفصائل أم البقاء ضمن النفوذ الإيراني؟
وتقول علياء عباس، الباحثة في الشأن العراقي، لـ”963+”: إن مراقبي المشهد العراقي – الإيراني يدركون حجم النفوذ الإيراني داخل العراق، ومدى تأثيره على القرار السياسي، رغم محاولات بعض السياسيين العراقيين التقليل من حجم هذا التأثير أو نفيه.
وتشير إلى أن المرحلة الحالية تمنح الحكومة المشكلة حديثاً، أو رئيس الوزراء المكلف، دوراً محورياً في رسم ملامح المشهد العراقي الجديد، وتحديد مستوى التدخل الإيراني وحدوده.
وتوضح أنه حتى الآن لا توجد صورة واضحة بشأن السياسة التي سيتبعها رئيس الوزراء المكلف، ولا سيما في ما يتعلق بملف الفصائل المسلحة وقادتها، الذين يمتلكون “ثقلاً سياسياً لا يمكن الاستهانة به داخل العراق”.
وتلفت إلى غياب مؤشرات واضحة حتى الآن بشأن الدور الذي قد تؤديه هذه الفصائل خلال المرحلة المقبلة، سواء في ما يتعلق بالتصعيد ضد إسرائيل أو استهداف المصالح الأميركية.
وتنوّه إلى أن رئيس الوزراء وجّه، أخيراً، باتخاذ إجراءات بحق الفصائل المتورطة، في حال ثبتت صحة الاتهامات المتعلقة بانطلاق هجمات استهدفت الإمارات والسعودية من الأراضي العراقية، وفق ما أعلنته الدولتان.
وترى عباس أن العراق يقف حالياً أمام مرحلة حساسة ودقيقة، وأن رئيس الوزراء يواجه اختباراً حقيقياً يتعلق بمدى قدرته على كبح جماح الفصائل المسلحة، والحد من النفوذ الإيراني داخل المشهد العراقي.
وتتساءل عمّا إذا كان العراق سيتمكن من النأي بنفسه عن الصراعات الإقليمية، أم أنه سيبقى ساحة خلفية لإيران ضمن حسابات إقليمية أوسع، معتبرة أن الأيام المقبلة ستكون كفيلة بإظهار مدى جدية الإجراءات الحكومية تجاه الفصائل المسلحة.
وتحذر من أن أي تصعيد جديد في المنطقة سينعكس سلباً على العراق، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية، نظراً لموقعه الجغرافي الحساس، فضلاً عن تشابك النفوذ الإيراني في العديد من الملفات العراقية.
كما تعزو هشاشة الوضع إلى ارتباط عدد من قادة الأحزاب والفصائل بعلاقات مباشرة مع شخصيات وقيادات في الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني.
وتعتقد عباس أن بعض الفصائل قد تستمر في النهج التقليدي الداعم لإيران في حال حدوث تصعيد إقليمي جديد، عبر تنفيذ عمليات محدودة ضد المصالح الأميركية في المنطقة.
لكنها تستدرك بالقول إن هذه التحركات لن تكون بالحجم المؤثر أو بالمستوى الذي قد يرضي طهران، خصوصاً إذا اتخذت الحكومة العراقية إجراءات حقيقية وجادة للحد من نفوذ هذه الجماعات، وإبعاد العراق عن تداعيات الصراعات الإقليمية المعقدة.










